القصر مضيء ثابتٌ عريق واسعٌ ترقصُ فيه غرائب وذكريات.. باطنه طوب وأعواد وظاهره رخام.. القصر فيلا واسعة مترامية الأطراف.. البحر أمامه وجبل وراءه.. ومسلك معبّد يؤول إلى المدينة.. داخل هذا البرج تركن قصص وأخبار وصفقات وعناد وشيء من الصّبر.. أرخى اللّيلُ سدوله.. ها هو يدخّن السّيجارة تلوى الأخرى ويحاول أن ينتقي مفاتيحه من جديد.. إنّه حزين لم يفلح في ترتيب الكتب، لاحظت زوجته ارتباكه حاول أن يوهم أصدقاءه بخبرته في حفر الآبار، إلاّ أنّه أخفق العديد من المرّات.. منذ سنوات شغلته المصاعب والمتاعبُ وأقاويل النّاس.. جيران القصر والزّوار وشركاء التجارة وقدماء رحبة الحبوب وسوق القماش والعطّارين، كلّ أحلامه تبخّرت وهو يخشى الإفلاس. تعلّق قلبه بالقصر منذ أن اشتراه في هذه المدينة غريبة الأطوار.. تجشّم عناء السّفر وأتى إلى هذا المكان الغامض، وكان يحسبه لجّة فاكتشف أنّه سراب بقيعة ومن حوله الغربان.. إنّه زمن العجب صاحب دكّان يستغني ويمتلك قصرا وسيّارات فاخرة.. وكان من قبلُ خيّاطا زاهدا في الدّنيا، يلتقط رزقه من الأزرار وأكوام القماش والخيوط..
غادر مكتبه وطفق يخطو على الرّخام.. سقطت ورقة شجرة تين.. تفطّنت خادمة القصر إليه.. ولم تجرأ على مكالمته، واصل السّير إلى أن وصل إلى التيراس المطلّ على البحر.. إنّه متفجّع كئيب جاءته أمّه تلومه، وزاره والده في المنام.. هبّت عليه نسائم المدينة.. فجأة رأى بداية الفتح والأجناد تتقاتل والدّماء تسيلُ والخيلُ تصهلُ.. رأى أميرة وسط كوكبة من قادة الجند.. تبخّرت الصّورة فحزن وانكسر خاطره، كان يريد أن يتعرّف عليها في المنام علّها تنقذه في اليقظة من ورطة القصر والمال والمشاغل التي تمطر ولا تنحبسُ. استيقظ من سنة النّوم، كان يستحضر ما شاهده في منامه ويحاول أن يفكّ الطلسم.. إنّه يعرف الخونة واللّصوص والقوّادين عشّشوا في مخبزته ومحطّات البنزين وشركة الخشب ودكاكينه الثلاثة في المدينة العتيقة.. لصوص سرقوا العقود والعهود وباعوا أسرار تجارته إلى منافسيه.. فأوشك على الإفلاس.. تمدّد على الأريكة الوبرية، ووضع وسادة تحت رأسه وتنهّد.. أتت الخادمة بطبق القهوة والماء والشوكولاتة والبقلاوة وكعك الورقة وعلب السجائر.. شكرها فانصرفت وبقي وحيدا مع دفاتره الجديدة والقديمة.. يراجع حساباته ويتفقّد الفواتير والملفات، ويفرز المعلومات في الحاسوب.. وينتقي المفاتيح التي يريد ترتيبها.
احتشدت الأفكار بشكل لافت.. وقف ثمّ جلس.. أطّل على البحر.. تحسّس جيوبه الفوقية والدّاخليّة.. المال كثير والأوراق أكثر والمواعيد.. يريد أن يخرج إلى الحديقة.. لا بدّ أن يبدّل مديري المعامل والشّركات ومحطّات البنزين.. تأمّل دفتر المواعيد.. أقلقته خيبة شريكه تاجر عطور النّساء في صفقة المساحيق.. لقد وعده أن يتدارك الأمر ويربح في صفقة الأحذية الهندية.. غاص في لجج الأمل. ترك الخسارة وهدّأ نفسه بأرصدته في سويسرا.. وقف ولم يتعثّر.. دقّق نظراته في أمواج البحر، رأى عبارة آتية من أعماق البحر، سحب مكبّر الصّورة نظر.. مدّ رأسه.. لم يفلح في فكّ اللغز العبارة تخصّه، مكتوبة إليه ربّما إنذار..
كاد أن ينحرف ويسقط، الانحراف متلف ومؤلم.. هو لا ينحرف أدّبه والده في دكّان النجارة.. ودرّبه على الصبر وقراءة عواقب الأمور.. ولكنه وقع في فخّ الدّنيا وحمل أوزار الثّراء.
كان خيّاطا سعيدا يأكل ما حضر ويلبس ما ستر.. الفرحة تملأ بيته.. ينام باكرا ويستيقظ باكرا.. ليست له هموم تقضّ مضجعه ولا ديون ومشاغل تحيّره.. كلّ أمر يفكّر فيه ينجزه.. واليوم دخل في متاهات وصراعات مع الأغنياء ذوي الرؤوس الصّلبة وأغنياء يفعلون كلّ شيء من أجل الرّبح.. التّدليس المضاربة الوشاية الخيانة الدّعارة، والمهمّ في كلّ ذلك أنّهم يحافظون على انتصارهم في السّوق وفي البورصة والتّوريد.. جالت هذه الهموم في باله، أراد أن يقفز في البحر.. وينهي المسرحية.. تراجع تثبّت، لم يفهم.. أيقن أنّه أخفق.. غابت العبارة وخرج له غول من طيّات الموج، رأسه في السّحاب ويداه في الماء.. رأسه من نور أبيض شفّاف.. اقترب منه.. ملأ الغول النّاعم الشرفةَ.. لم يفزع منه صاحب القصر.. الغول يستمتع بالقصر الفرعوني.. والخياط مندهش لعجائب أمر الله.. غول جميل.. تكلّم الغول البحري: «وأنت خياط طيب مخطئ أردت أن تمشي مشية الحمام، فأتلفت مشيتك.. ماذا تقول لرب العالمين في تاجر الخردة المفلس الذي اشتريت سلعته بنصف ثمنها وأنت تعلم أنّه محتاج.. وكان يبكي ويتوسّل إليك لتدفع له الثمن كاملا ليسدّد شيكات البنك.. وقهرته ونهرته وزوجته وأطفاله ينتحبون؟ ماذا تقول لرب العالمين حينما يسألك عن شاحنات الحاج مصطفى، التي عقلتها له واشتريتها من بنك الليزنك بأبخس الأثمان؟ لقد عبثت بحقوق النّاس، يا ويلك ما الذي ألجأك للمجيء إلى هذه المدينة صعبة المناخات.. طِيبةُ القلب لا تساعدك على مواجهة البرد والهموم.. أتباعك تجّار المدينة نهبوا البحر وقتلوا ابنتي.. وضعوها في شِباك الصيد.. وسلبوا عقد الياقوت من رقبتها.. ثمّ أعادوها إلى البحر.. لكنّها لم تمت.. كانت تتظاهر بالموت بينما كانوا يتخاصمون، أيّهم يأخذ العقد ويصبح ثريّا.. ها هي ابنتي الأميرة وردة».
خرجت الأميرة وردة من موج البحر.. جميلة ساحرة ومن حولها عمالقة شداد غلاظ كلٌّ يمسك بسيفه.. وعلى وجهها أثر جرح.. تشجّع صاحب القصر وسألها: «مرحبا بك أيتها الأميرة في قصري.. ما سبب هذا الجرح؟ «تبسّمت وقالت، «أحد أتباعك أراد قتلي، منعه صديقه.. وحاول أن يأخذ العقد ولم يفلح.. تثبّت منه إنّه ذئب في جلد ملاك، أنصحك احذر منه، وأنا لن أفلته».. تعجّبَ من الأميرة وامتقع لونه وتمتم كلمات كأنّه يقول: «تُرى أنجم البحار تقصد؟».. هبّت نسائم باردة.. صافح الغُولُ الخَيَّاطَ وغاب، ضمّ يديه إلى بعضهما وكأنّه يقول: «لن نتركك وحيدا تغالب الحشّاشين وتقارع الخوف وتضيع النّقود». ترك الشّرفة والتحق بطاولة العشاء همس: « سأبيعُ القصر وأجعل لنفسي بازارا للملابس وورشة لخياطة الملابس.. بئس القصور والرّهانات وبحار الخوف والعراك والمكر».
كانت قهقات زوجته وأمّه وأولاده تنبعث من قاعة الأكل ممزوجة برائحة الكلامار والسمك المشوي والعطور.. فتح الباب ودخل وعقد العزم على حفظ القصر وتشتيت الخائنين. القصر علامة مضيئة في حياته.