

بداية أود أن ألفت الانتباه إلى أنني كنتُ دائما أذهب إلى اعتبار الشعر “كثرة”، على غرار ما انتهى إليه الناقد المغربي المتميز صلاح بوسريف، أي بما هو مقترحات وممكنات عدة؛ بل أراني، أكثر من ذلك، أهجس منذ أن اخترت طريق المخاطرة والمغامرة، بالمعنى النيتشوي، أقصد طريق الكتابة، قلت أراني أهجس بأن الشعر هو جداول وروافد عدة لوجود أو كينونة ما، بطريقة وأسلوب ما. فمثلا، في المغرب، أعتبر ما يُكتب بغير اللغة العربية (الفصحى)، إذا ما توفرت فيه نسبة معقولة من الشعرية، شِعْراً، أوْ منَ الأدبية، أدبا. فشعرُ الزجل، والشعر الأمازيغي، وشعر الملحون، والشعر الحساني، كلها روافد شعرية رقراقة؛ انتزعت بجدارة، أحقيتها في الانتساب إلى هذه المملكة الرحبة. أقصد مملكة الشعر. وبدهيٌّ أن يكون الشعرُ، هذا الكائن المارد، بعيدا عن كل صدفوية مزعومة، أو عبقرية واهية، ورثناها عن الأسلاف، ومدونة في سجلات النقد القديم، قد لا تتنازل لصالح الشعر بوصفه معرفة، وشعرا، قلت بدهي أن يكون ـ الشعر – “وعدا بالكشف”، حسب الفيلسوف الوجودي هيدغر، أي إنه كشف للوجود (أليثيا).
إن الشاعر، بهذا المعنى، يُسمي الأشياء بالشعر، ويعطي الوجود إمكانية أن يتحقق، وأن يتصيّر كما النهر الهيراقليطي. والتسمية، ها هنا، “كينونة للماهية، وليست كينونة للشيء ذاته”، كما يقول هيدغر؛ أي إن التسمية، في الشعر، تستدعي الموجود ماهويا؛ أعني، في كينونته الأصلية والأصيلة، على خلاف التسمية (الميتافيزيقية) التي يُحدِّدُ فيها الإسمُ الدلالة بصفة مطلقة. وليس من شك، حسب هذا المفكر دائما، أن الشاعر الحقيقي، هو من يُصغي جيدا لنداء الوجود الذي لا يتحقق إلا بـ”نداء الشعر” (العبارة لصلاح بوسريف)، وتحديدا من خلال اللغة الشعرية. واللغة في الشعر “تنادي في الصمت أكثر مما تنادي في النطق”.
لذلك، على كل ناقد “خيِّر” (أفكر في نيتشه)، ينشغل بالنص وليس بشيء آخر، أن ينطلق من الصمت لتحديد حقيقة هذا النص، بوصفه يضم طرائق وجودٍ متعددة؛ الشيء الذي سيجعل عجلة التأويل، تتحرك بسرعة نحو آفاق لا حدود لها.
في الشعر إذن، تتجلى خبرة الإنسان بالوجود، والشاعر الجدير بهذا اللقب، هو وحده القادر على الإصغاء جيدا لنداء الوجود الكامن، كُلِّه على بعْضِه، في اللغة باعتبارها بيتا للوجود (هيدغر)، وبوصفها “أخطر النعم” (دائما هيدغر).
ثمة الآن، على الرُّغم مما يقال عن الشعر العربي، وعيٌ شعري جديد، يُهجّجُ الكتابة الشعرية الراهنة. وعيٌ شعري نقل الكتابة من خطاب صوتي/ شفاهي في أساسه، بعاداته، وأعرافه، وممارساته، إلى خطاب طباعي/ كتابي مختلف، يستوجب قراءة مختلفة، لا تراهن البتة على الأذن، كأداة تستحكم في الذائقة السماعية، بقدر ما تراهن على العين في علاقتها بالمكتوب على الصفحة.
في مثل هذه الممارسات الشعرية الكتابية، تطوّحُ اليدُ المرتعشة، بالحبر، في وضعٍ لا هيئة له؛ وتخوض صفحتها كشرط من أهم اشتراطات الحداثة الحقة؛ لأن الوعي بالصفحة، هو وعي بالهيئة التي ينبغي أن يكون عليها وجود/ كينونة النص. لذلك في مثل هذه الحالة، يُنظر إلى الصفحة بوصفها “بئرا مرعبة”. ولئن كان الشاعر الألماني هلدرلن، ارتباطا دائما بالموضوع، قد قال جملة مفيدة، أصبحت مأثورة في ما بعد، وهي: “ما يدوم يؤسسه الشعراء”، فإن الشعراء القادرين على استدعاء العالم، أي اللغة في ماهيتها، باعتبارها مسكنا للوجود، هم من يستطيعون ذلك؛ وهم بالمناسبة يشكلون الأقلية في كل زمن.
إن الشعر، هو تأسيس لكينونة أنطولوجية وفنية في الوقت ذاته، وذلك بالتحلُّل من سمْك المعطى الشعري المعياري الناجز، عبر ارتكاب ما سميته في مناسبات سابقة بـ”آثام الخيال”. آثام الخيال تنقلك من مجرى إلى آخر، ومن ماء إلى آخر؛ وتحررك من العوائق والأعراف والقيم المتحجرة، عدوة الفكر والتحرر، مما قد يتولد عنه، حسب أدونيس “فوضى الغبطة التي هي نوع من هدم النظام الثقافي – الأخلاقي القائم، ونوع من الوعد الواثق بمجيء ثقافة لا قمع فيها ولا قيد، ثقافة تخرج على قيم الأمر والنهي، وتتيح الحياة بشكل يتم فيه التآلف بين إيقاع الجسد وإيقاع الواقع في موسيقى الحرية”. الآثام في الشعر، هي وَعْدٌ واثِقٌ بتحرير الكينونة، وذلك بتصديها لثقافة العبيد، وثقافة المعيار التي هي من وضع السادة، في محاولة لتحصين مواقعها/ مصالحها (الضمير يعود على السادة). هنا فقط، تصبح الآثام فضيلة. آثام الخيال، هي الكتابة الشعرية التي تسعى جاهدة لتحقيق كونيتها التي لن تتحقق إلا بالمزج بين التراث والأجناس الأدبية الحديثة، بين المحلي والمشترك الإنساني، في وشيجة يتوالج فيها هذا في ذاك، مثلما يلج الليلُ النهار، في بناء فني متعدد الأضلاع في أفق نص محتمل. الأفق الشعري هذا، هو الذي يحلم به كل شاعر. هو أفق استشرافي يتشوف للممكن، وأبدا يحفر أخاديده في التخوم والأراضي المجهولة، في انتظار فتح مبين يمنح الشاعر قصيدة “استشراف آفاق خلاقة وأنوار واعدة “. إنه أفق منفتح على تلك الصيرورة ما قبل السقراطية بكل روافدها، حتى لو كانت مربكة للشاعر ولقناعاته الخاصة. من هذا الوعي البويطيقي المتوثب في مظان التصيُّر المستمر، تتشكل رؤيا الشاعر (الشاعر هنا بالمعنى الهلدرليني) وهي تأبى الاستقرار في أي شكل ثابت أو نهائي. فطوبى لك أيها الشاعر…