
بسبب طول العِشرة بين الفلاح في جنوب إسبانيا وأشجار الزيتون، لاحظ المراقبون تشابها بين وجهه ولحاء الشجرة، كأن الوجود الذي يضمنا فيه كاميرا تنقل الرسوم من الأرض والأشجار إلى البشر. قيل في المَثل: «أرضُ المرء خيرُ نسبٍ له»، وصرتُ أرى أديم الأرض مصورا في وجوه ناسها، ماكثا في سحنات الرجال منهم على الخصوص، أما النساء فهن حبيسات البيوت غالبا في ديارنا، وينتقل إليهن كل شيء بالواسطة. شاهدٌ آخر على ما أقول هو تماثل ملامح الزوج والزوجة عندما يتقدم بهما العمر، فيكادان يكونان توأمين، وهذه الملاحظة خبرتها بنفسي في ما حولي من زيجات متكافئة، وليست من ضروب الخيال أو الوهم، ولا أجد لها تفسيرا غير الكاميرا التي ذكرتها.
أحتفظ في دفتري الخاص بالمختارات الأدبية هذه القطعة الحوارية من رواية «نور في آب» لوليام فولكنر:
« – تحدث عن الجنوب. ماذا يشبه. ماذا يفعلون هناك. لماذا يعيشون على أي حال؟».
«- إنك لا تستطيع أن تفهم. كان يجب أن تولد هناك».

في مقالي اليوم قصة عن جنوب العراق، بطلها رجل عادي يعيش في قرية هي الأبعد عن مراكز الحضارة والتمدن، لكنه يمتلك أكثر من روح، وهكذا صار لقبه: «حسين أبو روحين». جرت الأحداث أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وكان الرجل يقيم مأتما لابنه المقتول في الحرب، وفي اليوم الثاني من مجلس العزاء جاءه عريف في الجيش يخبره بأنه تسلم الجثة عن طريق الخطأ، فالجندي الذي دفنه ليس ابنه.
«ابنك جريح، ويرقد في مستشفى البصرة العسكري».
قال له العريف، وودعه. لم يخبر الأب أحدا من أهل بيته، وكي يتأكد زار مستشفى البصرة العسكري، وعثر على ابنه راقدا في الردهة الجراحية، أُجريت له عملية استخراج طلق ناري من ذراعه، وهو في حالة حسنة. اطمأن الأب، وعاد إلى قريته، وجمع أهل بيته وأخبرهم بالأمر. أُطلقت الزغاريد في الحال، لكنه أخرسها، وطلب منهم الاستمرار في مراسم العزاء ترحماً على روح الجندي الذي دفنه بيديه، فمن سيقيم العزاء عليه سواه؟
يروي هذه الحكاية القاص والمترجم حسن ناصر في إحدى قصص مجموعته «تجليات العابر». الأحداث فيها حقيقية على الأغلب، ويذهب بنا الخيال كيف ظل يتردد صداها في المنطقة، وسوف يشتهر الأب بعد ذلك اليوم بهذا اللقب «حسين أبو روحين»، وأظن أن من ابتكره يمتلك خيالاً قادراً على إبداع صور وصفية فيها سحرٌ نقرَؤُه في كتب الأدب، ونراه في أعمال الفن. هناك إنسان يولد برأسين أو بجذعين أو حتى بأطراف مضاعفة، لكن أمر الروحين جديد وصعبٌ عليّ تصوره، لأن روحا واحدة عزيزة ونادرة لدى إنسان هذا الزمان. أعود دائما إلى هذا (الحسين) الذي لم أره، ولم أتعرف إليه عن قرب، فلم يخبرنا القاص كثيرا عنه، وأحاول الكلام هنا بالنيابة عنه. لأنه ينحدر من بيئة ريفية خَبِرَ سكانُها شظف العيش، فإن ثيابه متقشفة ويمتلك جسدا خليقا بأن يعيش مئة سنة ببصر وعظام حديد. سمرته شديدة سببها شمس الجنوب التي تفتت الحجارة، وهو بدائي أيضا في طريقة عيشه إلى أبعد الحدود. وكل هذا لا علاقة له بالوصف الأهم الذي أريد نقله إلى القارئ، وهو رائحة بشرته – يا لها من طريقة لرسم الأشخاص في دنيا الأدب. إن كل فعل يؤدي إلى تفتح على الحياة، أو اندثارها يكون له عطره الخاص، والإنسان قبل كل شيء عبارة عن منظومة من روائح طيبة وخبيثة، تتأثر كثافتها بسبب الأنماط السلوكية والعادات، بالإضافة إلى البيئة المحيطة. من ينظر إلى غابة السدر والنخل تمتد بجوار النهر في جنوب العراق، وهي البيئة التي عاش فيها حسين أبو روحين، فإنه يراها دوما للمرة الأولى، لأن نقاء الطبيعة وصفاءها، وبالتالي حُسنها، قد تحقق في هذا المشهد واكتمل. وبما أن الرجل لم يُغادر قريته غير مرة واحدة، هي تلك التي زار فيها ابنه في المستشفى، يحق لي أن أجزم أن رائحته ذائبةٌ في بشرته مثلما يتشرب حائط طيني بعطر سدرة تظلله.
انتقلت صورة لحاء شجر الزيتون إلى وجوه الفلاحين الإسبان، وارتحلت بالآلية نفسها رائحة بيئة الجنوب إلى ذات «حسين أبو روحين»، واستقرت فيها، فصارت ذاته الثانية. أصافح هذا الفلاح الفقير غالبا في أحلامي، وأشم رائحته الفريدة، وأفكر في ألوان النهار في بيته عندما كان يُقيم مأتما على جندي لا يعرفه، وأتأمل كذلك ألوان الغروب المنتشي برائحة نهاية الخريف، وظلال الغسق وأضوائه في القرية، والليل الذي لن يكون ليلا.
في كتابه «دراسات في الحب» يقول الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت عن الحب إنه «إبداع أكثر مما هو غريزة»، وهو «جنس أدبي أكثر منه قوة أولية»، كما إنه «موهبة عجيبة تمتلكها بعض المخلوقات كموهبة نظم الشعر والإلهام الموسيقي». ما يمتلكه حسين أبو روحين من عاطفة قوية وحب عظيم للبشر، يماثل وفق هذا الرأي عطاء المبدعين العباقرة في مجال الأدب والفن. إنهما متماثلان ومتناظران ويلتقيان عند نقطتي البدء والمنتهى؛ الحب الكبير والفن الخالد، فيهما ترياق هائل ضد السماجة والغِلْظة والشناعة، وغير ذلك من قبح تزخر به العتمة السفلية في أقبية النفس البشرية.
إذا أعطى الله أحدنا قلبا نقيا فإنه يضم بين جوانحه حبا يكفي لعلاج هذا الكون بأكمله، ويمكن لأي منا امتلاك هذا القلب، والقيام بما أداه حسين أبو روحين للجندي، وتبقى المسألة في الأخير في الفرصة والهداية، أي هداية الرحمن، الأمر الذي يشبه ما يُعرف بالإلهام أو الوحي الذي ينزل على صدور الفنانين فيأتوننا بالمعجزات.
نحن بشر أينما كنا؛ نُخطِئُ ونُصيب، ونقتل وننهب ونحب ونضحي بكل شيء في سبيل ذلك، ويمكن أن تجري جميع هذه الأفعال، وأخرى غيرها، من قبل الشخص نفسِه، وفي اليوم ذاته. كما أن قصص الخداع والغش، والاستبسال والفداء، وأفعال الحب والكراهية والخير والشر عموما تجري كل يوم في عالمنا في نبض مزدوج، وتتنافى. كأن هناك ميزانا يقوم بينها لكي تبقى، فإن زادت أفعال الشر، ليس أمامنا سوى الالتجاءِ إلى قصص الحب، أو إلى إنجازات الفن السامية، من أجل أن يعود التوازن إلى الكون، وتظل الأرض تدور حول نفسها، وحول الشمس.