
أَكادُ أُؤمِنُ، مِن شَكٍّ ومن عَجَبِ
هَذيِ الملايينُ لَيْسَتْ أُمَّةَ العَرَبِ
هَذيِ الملايينُ لم يَدرِ الزمانُ بها
ولا بِذي قارَ شَدَّت رايةَ الغَلَبِ
ولا تَنزَّلَ وَحْيٌ في مَرابِعِها
ولا تَبُوكٌ رَوَتْ منها غَليلَ نَبي
ولا علا طَنَفِ اليَرمُوكِ مِن دَمِها
تَوهَّجَ الصبحُ تَيَّاهاً على الحِقَبِ
أَأُمَّتي، يا شُموخَ الرأسِ مُتلَعَةً
مَن غَلَّ رأسَكِ في الأَقدامِ والرُّكَبِ
أَأَنتِ أَنتِ، أَم الأَرحامُ قاحِلةٌ
وَ بُدِّلَتْ، عن أبي ذَرٍّ، أبَا لَهَبِ !!
***
أَكادُ أُؤمِنُ، مِن شكٍ ومن عَجَبِ
هذي الملايينُ لَيسَتْ أُمَّة العَرَبِ
لولا تَشُقُّ سُجُوفَ الليلِ بارقةٌ
يا شُعلةَ الصبحِ، رُدِّي حالِكَ الحُجُبِ
تَهِيجُ بي ذِكَرُ التاريخِ جامحةً
و يَعتريني الأَسَى حولي، فَيَقعُدُ بي
: تَوَزَّعَتْني دُروبٌ لا لِقاءَ لها:
الذلُّ في الناسِ، والعلياءُ في الكُتُبِ
كأَنما أَنا جَمْعُ اثنينِ: سَيفُ وَغَىً،
مُعَذَّبُ الروحِ في غِمْدٍ من الخَشَبِ
أَغزو «عَمُورِيَّةً» في الليلِ أَحرِقُها
وشِلْوُ أُختي غِذاءُ الطيرِ في النَّقَبِ
***
لو كنتُ مِن مازِنٍ، لم يَستبِحْ وَطَني
بَنُو اللَّقيطَةِ من صَرَّافةِ الذَّهَبِ
لَكُنتُ غَمَّستُ رُمحي في حناجرِهم
أَو غَمَّسوا،هُمْ، رماحَ الغدرِ في عَصَبي
لكنني، وَبَني شعبي، تَخَطَّفَنا
قِيلُ الملوكِ: أَلا لا بُدَّ من هَرَبِ
***
صَنْعاءُ، رُدِّي دماً ما أَنتِ ساحَتَهُ
يافا تَصيحُ به مجنونةَ السَّغَبِ
لا أَذَّنَتْ فيكِ يا صَنْعاءُ مِئذنةٌ
واللّدُّ تَندُب في محرابِها الخَرِبِ
لا أَمطَرَتْ في سماءِ العُرْبِ غائِثةٌ
وفي الجليلِ الرُّبَى محبوسةُ السُّحُبِ
تبكينَ من مَأْرِبٍ قانٍ تَفجُّرُهُ
وَجَفَّ في القدسِ،حتى الدمعُ في الهُدُبٍ!
***
أَكادُ أُومِنُ، مِن شكٍّ وَمِن عَجَبِ
هذي الملايينُ لَيسَتْ أُمَّةَ العَرَبِ
كأَنَّما لم تَلِدْ في اليُتْم «آمِنَةٌ»
ولا «حَلِيمةُ» هَزَّت مَهْدَ مُرْتَقَبِ
كأَنَّما الصَنَمُ الأَعلى مُحَدِّقةٌ
عيناهُ في زُمرةِ الأَزلامِ والنُّصُبِ
وكم مُسَيلِمَةٍ، عَمَّت خَوارِقُهُ
وَعَلَّمَ الناسَ دِيناً، شِرعةَ الكَذِبِ
إِزميلَ شَعبِيَ، يامَنْ صُغتَ مِن حَجَرٍ
رَبَّا، و سُقتَ له النَّجوَى، ولم يُجِبِ
كُنْ مِعْوَلاً في جبينِ الصخرِ ثانيةً
وحَطِّم اللاَّتَ، وارشُدْ مَرَّةً وَثُبِ
***
أَكادُ أُومِنُ، مِن شَكٍّ وَمِن عَجَبِ
هَذي الملايينُ ليست أُمَّةَ العَرَبِ
تََبدَّلَتْ هِمَمُ الصحراءِ، واأَسفا
بَيَّاعةَ النفطِ، عن خَيَّالةِ الشُّهُبِ
مَن شََّمروا لِلوغَى الأَردانَ، مِن وَبَرٍ
فانظر لهم، في طَرِيِّ القَزِّ والقَصَبِ
سَلِ الجواري، وما وُشِّينَ مِن بُرُدٍ
والغانياتِ، وما حُلِّينَ من ذَهَبِ
أَما يُؤرِّقُ ربَّ القصرِ رَجْعُ صدىً
مُعَذَّبٍ في طُلولِ اللّدِّ، مُنتَحِبِ
وفي الجليلِ عذارى يَنْتَخِينَ، فما
تَسري الحَمِيَّةُ في عِرقٍ ولا عَصَبِ
***
إِنا سَقَينا خُطوطَ النارِ من دَمِنا
فَلْيَسقِها الشيخُ بعضَ الزيتِ، إِن يَهَبِ
لا والعُروبةِ، لا كَلَّت سَواعِدُنا
صَوَّالةً بِسِنانِ الرَّوْعِ والقُضُبِ
لا والعُروبةِ، أَو شُلَّت سواعِدُنا
إِن لم نُفَجِّر مدى الصحراءِ باللَّهَبِ
إِن لم نَقُمْ في حُقولِ النفطِ نُشعِلُها
في جنبِ كلِّ دخيلِ الدارِ، مُغتَصِبِ
ما لِلجماهيرِ لم تَفتَح جَهَنَّمَها
لِلفاتحينَ، ولم تَزْأَر، ولم تَثِبِ
أَقد سَرَى خَدَرُ الأَفيونِ في دَمِها
فما تُحِسُّ عليهِ صَحوةَ الغَضَبِ؟!
***
أَكادُ أُومِنُ، مِن شكٍ ومن عَجَبِ
هَذي الملايينُ ليست أُمَّةَ العَرَبِ
لولا تَشُقُّ سُجوفَ الليلِ بارقةٌ
يا شُعلَة البعثِ، رُدِّي حالِكَ الحُجُبِ
وَقُمْ، فَأَنذِرْ، بأَصنامٍ مُبَجَّلةٍ
غَداً تَدَحْرَجُ في الأَقدامِ كاللُّعَبِ
واسأل ببغدادَ، عن»نُوري»، وخِلفَتِهِ
نَبُوءَتي في طُغاةِ الأَرضِ لم تَخِبِ
إذا الثعالبُ صِيدَتْ في مَكامِنِها
أَيَّانَ يُفلِتُ من شعبِ العراقِ، غَبي
لَعنتُ تِشرينَ، باسمِ اللّدِّ أَلعنُهُ
وباسمِ جُرحٍ على اللَّطرونِ مُنْسَكِبِ
بِدَيرِ ياسينَ، بِالأَرواحِ هائمةً
على الخرائبِ، تَرثي نَخْوَةَ العَرَبِ
لعنتُ تِشرينَ، لا بغدادُ مِن وَطَني
ولا العراقُ، ولا كان الرشيدُ أَبي
إِن لم أرَ الرَّكبَ من شعبِ العراقِ ضُحىً
يَلُزُّ عَرضَ المدى في زَحفِهِ اللَّجِبِ
كأَنَّ، مِن قُبْلُ، لم يَجْلُ النهارُ دجىً
ولا ازدَهَتْ صفحةٌ للعزِّ في كُتُبِ
***
وفي الشآمِ ذَوُو بأسٍ ، مُسَرَّجَةٌ
خُيُولُهم قِبْلَةَ المَيْدانِ كالشُّهُبِ
على النيازكِ فُرسانٌ لهم، وعلى
رَحَى الجنازيرِ جِنٌّ مُرَّةُ الغَضَبِ
جُنْدُ الرسالةِ، مَعقُودٌ لِواؤُهُمو
لِلبَعثِ، عَزَّ على مَسعُورِة النُّوَبِ
ما عَابَهُمْ أَنهم بِالسيفِ نَخوتُهم
وغيرُهم بِضجيجِ القولِ والخُطَبِ
ما عَابَهُمْ أننا لسنا تِجارَتَهُم
ولا الخيامُ بِسُوقِ العرضِ والطَّلَبِ
***
وقِيل «وَهْرانُ».. هل حادَ السبيلُ بها
تُزجِي القوافلَ، «أَنغولا»،عن النَّقَبِ!
هل الطريقُ إِلى يافا مُضَيَّعةٌ
و مِن دِماها مَنارٌ أَلفُ مُلتَهِبِ!
واخَجْلَتا، وَبُيُوتُ الناسِ أَرفُعُها
وبيتُ أَهلي عَوِيلُ الريحِ في الخِرَبِ
عاتبتُ «وهرانَ» في جُرحي، وتَذكُرني
في جُرحِها، وَسُدىً لَوْمي، سُدىً عَتَبي
***
أَكادُ أُومِنُ، مِن شكٍ ومِن عَجَبِ
هَذي الملايينُ ليست أُمَّةَ العَرَبِ
لولا رِفاقُ طريقٍ، في مَلامِحِهِم
وَهْجُ الرسالةِ يُذكي سالفَ النَّسَبِ
تَدري العروبةُ مَن أَبناءُ بَجْدَتِها
مَن المُحامونَ بِالأَرواحِ والقُضُبِ
مَن الذين، إذا أنَّت لِنازِلَةٍ
يافا، تَنَهَّدت الأَصداءُ في حَلَبِ
لَيَهْدِرُ الزَّبَدُ المَحمُومُ مُصطَخِباً
وَيَستحيلُ جُفاءً ساعةَ الحَرَبِ
وَيمْكثُ الحقُّ، في غَوْرٍ أَرُومَتُهُ
وَ فَرعُهُ في جِوارٍ اللهِ كالطَّنَبِ