تعوّدت من سنيّ طفولتي البعيدة في الريف القيرواني، عندما كنت أتردّد على الكتّاب في الخمسينيات من القرن الماضي، أن أستيقظ فجراً: الخامسة.. أرتّب أموري، ثمّ أقوم بجولتي من السادسة حتى السابعة صباحاً، ما عدا الأيّام التي أدرّس فيها أعني: جولتي في القيروان القديمة.. من بيتي حتى «باب تونس» فـ»باب الجلاّدين».. وفي زمن غير بعيد، كانت هناك مدينة يُقال لها القيروان؛ وكانت عامرة بأهلها وأسواقها، قبل أن يأتيَ عليها زمنٌ أَكَلَ الأخضرَ واليابسَ فيها، ولولا بقايا صومعة الجامع الكبير، ومقام الصحابي أبي زمعة البلوي والبناءات الخراب بما في ذلك فسقيّة الأغالبة؛ ما صدّق أحد أنّ مدينة تضجّ بالحياة كانت ذات عهد هنا. وكنت حتى عام 2005 أحبّ الجلوس في مقهى شعبيّ قريب من بيتي، أتخيّر ركناً، صار يعرف بي، لأقرأ وأكتب من السابعة إلى ما بعد منتصف النهار عادة. أمّا في السنوات الأخيرة، فقد غيّرت ما بي، وبدأت أستخدم الكمبيوتر أكثر فأكثر.. وأظنّ أنّ مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ويوتيوب والهاتف الجوّال والذكاء الاصطناعي… ممّا خلقَ عالما جديداً لتبادل المعلومات. هو عالم افتراضيّ ولكنّه حقيقيّ واقعيّ.. أو هو شهادة الافتراضي على الواقعي… ولقد غيّر حياتنا كلّها، حيث صورنا.. أجسادنا… ملامحنا.. هي التي تتكلّم.. حتى صرنا أشبه بكائنات فيسبوكيّة.
بل صرنا اليوم ننهل من عربيّة أخرى.. هذه الفصحى التي كانت قد بدأت في التّفاعل مع اللّغات الأوروبيّة، تلك اللّغات التي ننصت إلى أجراس آدابها تُقرع في جنبات عربيّتنا هذه، وتتصادى في ثناياها، وتتفاعل معها، سواء عن طريق الترجمة، أو عن طريق أسلوب أولئك الرّواد الذين برعوا في الكتابة بواحدة من اللّغات الأوروبيّة (خاصّة الإنكليزيّة والفرنسيّة) وبلغتهم الأمّ، بمن في ذلك رواد عرب أمثال، جبران ونعيمة وسائر شعراء المهجر الأمريكي وأدبائه.
ترى هل كانت اللّغة العربيّة تسترق السمع «من خلال» ما قرأناه ولا نزال، من ترجمات أدبية وفكرية، إلى نصوصنا تعتمل في أحشاء تلك اللغات الأخرى في فورة حداثتها؟ أقدّر أنّ الأمر كان كذلك، على الأقل في ما يخصني؛ وأنا أسعى إلى الإفادة من كلّ ما يقع بين يديّ من شعر ورواية وأدب عامة، فضلاً عن شغفي بقراءة الفلاسفة والاطلاع على ما يجدّ في الفنون التشكيلية، وما تعلمته من رحلاتي إلى البرتغال وإسبانيا خاصة. وقد لا يعرف البعض أنني جرّبت الكتابة للسينما والتمثيل أيضاً، فقد شاركت أواخر القرن الماضي في كتابة سيناريو لفيلم وثائقي خيالي قصير 16 مم «يا بلدا يشبهني» عن رحلة الرسّام بول كلي إلى القيروان عام 1914، استئناساً بقصيدتي «عند أبواب القيروان»، ومثّلت فيه وكان ذلك بإشراف المخرج التونسي الراحل هشام الجربي. وقد فاز هذا الفيلم بأكثر من جائزة، كما شاركته في كتابة سيناريو «بانتظار ابن رشد، أو «أفيرويس» كما اشتُهر في الغرب.
والحقّ أنا كنت قد حاولت منذ محاولاتي الشعرية أواخر الستينيات، وأنا حديث العهد بالجامعة التونسية، أن أشج الصلة بين ذاكرة المكان وذاكرة الكتابة، على الرغم من أن أكثر هذه المحاولات هي أمسّ بالشعر الملتزم؛ حتّى إنّي كتبت مع الراحل المناضل عمّار منصور، الذي قضّى ستّ سنوات في سجن «برج الرومي» في العهد البورقيبي، قصائد جماعية، نشرها البشير بن سلامة بإذن من الراحل محمّد مزالي في مجلّته «الفكر». كنّا جيلاً من الطلبة نتبادل الكتب ونتردّد على دور السينما ومعارض الرسم، ونشهد الأمسيات الأدبية والشعرية.. على أنّي لم أنخرط في كتابة ما يسمّى «الشعر السياسي» على قلق التسمية، وأنا لا أعتبر نفسي كاتباً ملتزماً بالمعنى المعهود، وإنّما أسعى إلى كتابة قصيدة أفعّل من خلاها حياتي؛ ما هو يوميّ فيها وما هو ميتافيزيقيّ، وما أتصوّره الشرط الأدنى لعلاقة الكاتب بالشأن العام. ونصّي الشعري يتحرك في أفق وجودي غير مسيّس بالمعنى الحرفي للسياسة وفي حساسيّة جماليّة لا تقطع صلتها بالسياسي، لكنّها ليست على أيّ حال مسيّسة.
والسّياق تغيّر الآن؛ فلم نعد ضمن معادلة تقليدية معقودة على تقابل بين سلطة وموالاة من جهة ومعارضة ليّنة أو راديكاليّة من جهة ثانية، وإنّما نحن في وضع انتقالي نتيجة «حدثيّة» استثنائية في تاريخ تونس المعاصر تأتّى لي أن أتمثّلها في بعض النّصوص الشعرية والسردية. وقد أتمثلها في نصوص أخرى. وفي الجملة، فأنا مثلي مثل كثيرين أتعلّم بعدُ كيف أتهجّى هذا الوضع الانتقالي شعراً وسرداً.. وأجدني شخصاً آخر مختلفاً وأنا بصدد الكتابة وكأنّي أتملاّه في مرآة، بل أجدني داخل نصّ آخر؛ ذلك أنّ الواقع، أي ما هو خارج الكتابة «بنية جوفاء»، بل نحن قلّما استعملنا أسماءنا في حياتنا اليومية.. وإنّما الآخرون هم الذين ينادوننا بها.. وصِلتنا بأجسادنا، إذا نحن حاكينا المقاربة «الفينومينولوجيّة» لمسألة الجسد؛ تجعلنا ننفصل عنه، أو نتنصّل منه، ونحن نحدّث عنه أو نفكّر فيه.. كيف نحدّ العلاقات ونرسم الحدود بين «الداخل» في العالم مكتوباً و«الخارج»؟ حيث «أنا» أشبه باسم لغير علم، يعقد صلة حميمة أشبه بوشيجة القربى، بين المتكلّم وكلامه. وهذا الضمير على ذيوعه وشيوعه «شديد الغرابة» وليس بالميسور محاصرته، لتعقّده وعدم ثباته. ومن نافلة القول أن نذكّر بأنّ الكتّاب أنفسهم يصرّون على التمييز بين الكاتب من حيث هو «أنا اجتماعيّة»، والكاتب من حيث هو «أنا إبداعيّة. ونعرف من السرديّات الحديثة، أنّه يحسن عدم الخلط بين المؤلّف والراوي، وأنّ النصّ السيري، إنّما هو مختوم، على «واقعيّته»، بختم «الأدبيّة» أي ما يجعل الأدب أدبا، وأنّ الكتابة مهما يكن نصيبها من الواقع، ليست «حقيقيّة» تماما؛ إذ بين الكاتب والمكان حجب من الزمان وحتى من المكان نفسه. وعلى حبّي لأبي العلاء شاعرا وكاتبا وشارحا؛ وقد خصصته بأكثر من قصيدة، فإنّي لا أشاطره تماما قوله بثبات المكان، فالقيروان مدينة وريفا هي اليوم «قيروانات وأرياف»:
أَمّا المَكانُ فَثابِتٌ لا يَنطَوي/// لَكِن زَمانُكَ ذاهِبٌ لا يَثبُتُ
وَالمَرءُ مِثلُ النارِ شَبَّت وَانتَهَت/// فَخَبَت وَأَفلَحَ في الحَياةِ المُخبِتُ
قد لا يعدم القارئ إذن علاقة «حقيقيّة» أو «متخيّلة» بين ذاكرة المكان وذاكرة الكتابة، وهي على «غرابة» بعضها، تتمثل تجربة «واقعيّة»، أو هي «قابلة للوقوع». وهذا ما يجعل النصّ في جانبه الأغنى، يأخذ بـ»ميثاق» السيرة؛ على الرغم من أنّ القارئ لا يملك أيّ وسيلة لاختبار «واقعيّته»، ما عدا مقارنة الحقائق المرويّة بواقع الكاتب، أو بجوانب من سيرته كما هي في نصوصه الشعريّة أو الروائيّة. وحتى لو عرفنا أو افترضنا أن بعض «الحقائق» الواردة في النص لا تتطابق والواقع أو المكان، فإنّنا سنعزو الأمر إلى ذاكرة خذلت صاحبها، أو إلى نوع من «التقية» السيريّة. وهذا افتراض منّي لا غير، أسوقه استئناسا بتسلسل الأحداث وأزمنتها، اطّرادا واستطرادا؛ أي هذا الذي تؤمّنه العلامات، بما يساعد القارئ على إعادة بناء الأحداث، وما إذا كان صاحب النصّ «يحكي» أكثر مما يقول؛ أو ما إذا كان يتخفّى و»يلعب» و»يتلاعب». ومهما يكن فليس من حقّ القارئ أن ينزع إلى المقاربة «الحرفيّة» بين ذاكرة وكتابة، وما يذكره الكاتب من وقائع وكائنات وأشياء، أو أن يقع في ظنّه أنّ «الجودة» تنحصر في «الإصابة» بإقامة أمثلة الأشياء مقام الأشياء نفسها؛ والمسوّغ صوت الكاتب ساردا في النصّ أو شاعرا. إنّ الكِتابة محصّلة أنا أخرى غير التي نظهرها في عاداتنا، أو في المجتمع. وإذا ما سعينا إلى فهم تلك الأنا فإنّما في أعماقنا وحدها نستطيع أن ننفذ إليها؛ ونحن نحاول أن نبتعثها فينا. هل هي «إنشائيّة الأثر»؟ أعني أثر اللغة التي يطويها النسيان، أو ما يتبقّى بعد أن تعفّي الذاكرة كلّ شيء؟ ربّما، فالأشياء والأسماء في النصّ/ المكان تنهض بـ»طوبوغرافيّة متخيّلة» تصل بين أزمنة وأمكنة متحوّلة، وتكتنِهُ الفضاء، من حيث هو المكوّن الجمالي الأظهر بل الأقوى في «شعريّة الأثر»، وتؤسّس الكتابة من حيث هي تغريب لأوضاع طبيعيّة، بل تجعل الشيء الذي ليس له مضادّ، يكتسب بنية مخصوصة في حقل الظواهر، ويتمدّد خارج عالمه الخاصّ؛ فيتحدّث إلينا، ونصغي له؛ ونتواصل معه.
لعلّي أكون بهذا قد أمسكت بضوء هذه العلاقة الملتبسة بين الكتابة والمكان، أو ببعض وميضه؛ وفيه يمكن أن أقول، إنّها تقوّض الحدود والفواصل بين الأجناس الأدبيّة؛ حتّى لكأنّنا إزاء بنية تماهٍ بالمطابقة. وفي حياتي، شأني شأن غيري قطيعة كبيرة بيني أنا والرجل الذي يكتب نصوصاً. فأنا أعرف تقريباً ما أفعله، ولكنّي إذ أكتب، أكاد أهيم تماماً.. كأنّي في الريف، حيث ولدت ونشأت ودرجت.. أو في القيروان العتيقة التي أشبهها اليوم وتشبهني.