صادف خروجَه من البيت مُرورُ حافلة نقل مدرسي، فَكَسَتْ وجهَه علامات الكدر قبل أن تلفّه سحابة متكاثفة من الغبار. لعن حظّه العاثر وتمنّى لو ظلّ الشارع على حاله بحفره وتصدّعاته، على الأقل كان حذاؤه الجديد سيجد موطئاً شبه مُمَهّد يُفضي به إلى ساحة السيارات الصغيرة.
تجاهل غُصّة خطواته وتابع المسير… “الساعة تدور لا ترحمنا، والالتزام هو شعارنا”. نَكَزَه النشيد يستحثّه مُنبثقا كتعويذة من زمن الطفولة، فأدرك عبث ولا جدوى تذمّره وسخطه أمام نشيد والدته الطافح بلغة الحمد.. يذكّره دائما بأن كسرة خبز دائمة من يد الحكومة خير من ولائم متقطعة من صُنع الخواص.
خنادق في كل مكان وحواجز تقطع بعض الشوارع وأتربة مكوّمة من كل جانب. ماذا يجري؟ يأتيه الجواب شافياً من دكان جزّار: خريف الانتخابات التشريعية هبّت رياحه فلا تستغربنّ هذا العجيج!
«عجيج يطحن أعصابنا ويملأ خياشيمنا عصافة وغبارا».. ردّد في سرّه مُبدّداً بحركة عصبيّة من كفّه سحابة ترابية صغيرة ثم مال بجسده النحيف ناحية الساحة واستقلّ سيارة. استحسن الأجواء في الداخل فأغمض عينيه لبرهة، وتمنّى لو يفتحهما على مكان آخر، بعيداً عن الجنوب الشرقي وبلداته البائسة.
يعرفه السائق ويعرف وجهته في مثل هذا الوقت، فقد قضى زهاء عقدين في ختم وثائق وطلبات وتراخيص، حتى صارت كل الأجيال تباركه وتتفاءل بدمغته على الملفّات المستعصية، لكن طلبه الانتقال إلى إحدى المدن الكبرى يُقابل بعدم التوفيق كل سنة لأنّ خَتْمَ الظلم والحيف أقوى!
لَفَظَتْهُ السيارة كما لو استشعرت خطرَ توارد أفكاره ومرّرته لرصيف بارد سيقذف به دون رحمة بين دهاليز الواجب المهني لساعات طويلة مُملّة، وسيعالج خلالها ملفات مُكومة بالتفاني ذاته وعين الإخلاص ذاتها، وبين جنبيْه طِلْبَة حارّة تُترجم من دون شك صرخة ورغبة كل نفس شبعت هواناً وجوراً.
طريق عودته أيضا كان محفوفاً بالغبار وهدير الأفكار.. رياح الجنوب الشرقي غضوب تفضح كل شيء، تخلع عن المُنتخبين مآزر الشرف وتلقيها على مرأى من المُصوّتين البسطاء. لكن ما أسرع سقوطهم في كمائن الوعود المُلمّعة إبّان كل دورة، وما أضيق طموحاتهم لمّا تتعلّق طمعاً بغنيمة ليلة! اضطرمت في صدره نيران الغضب، ولولا أن نادته ابنته الصغرى من أعلى البناية مُلوّحة بيدين تستعجلان عناقه، لاسترسل في تقريعه وفضحه جميع المسؤولين والمتعاونين والمتواطئين والصامتين خوفاً وقهراً، إذ ما فتئت أخبار إيداع أحد الناشطين في البلدة السجن الإقليمي، تتصدّر المنصّات الرقمية وتطفو على سطح مجالس المقاهي، مانحة الغول هالة لا تُقهر. أمسك بيد الصغيرة وشرعا معًا يعدّان الأدراج صعوداً إلى الشقة وفي ذهنه يمور خاطر عنيد: «تُرى، تُسقطين الفساد من عرشه ذات يوم»؟