عشرُ سنين انقضت من عمري وأنا أتنقّل بين ملاحظة القلق المفرط والخوف المفاجئ والوسواس القهري، أسافرُ بين شعور المرضى بالحزن وإحساسهم بالذنب، في حقيبتي أفكار وأوهام وهلاوس، أقل ما يُقال عنها أنها غير طبيعية، وفي ذكريات عملي وجوه رسمتها ريشة التوتر والاكتئاب والرهاب، أكاد لا أنساها، بعضها نظرت إليّ بصمتٍ عنوانه الرجاء ولكن على استحياء، وبعضها تحدّثت معي كما لو كنا وحدنا من نسكن الأرض ونتقاسم الهواء، أما البقيّة فقد حلّقت بعيداً وبعيداً إلى العوالم الأخرى دون أن تراني وربما دون أن تعود.
أغلقتُ باب عيادتي في الثامنة مساء فتفاجأتُ بتمرّد أبواب معدتي المشرعة في داخلي، طلبتُ منها التريّث قليلاً حتى نصل إلى بيتي فزجرتني ثم غمزت لي بأن أحد المطاعم ليس ببعيد عنّا، حاولتُ إلهاءها بتشغيل المذياع لكنّ سيارتي أبت إلا أن تنتصر لها فحطّت رحالها أمام المطعم، وطلبت مني النزول، اخترتُ الطاولة القريبة من النافذة وبدأتُ أشاهد المارّة وأقول لنفسي، إن لكل واحد منهم قصته القابعة في يومه، اقترب مني شاب يسألني عن الطعام الذي أريده بينما كلمات الترحيب المصطنعة والابتسامات المفتعلة تغلّفه كقطرات الندى المعلّقة على أوراق الأشجار في الصباح الباكر، وما هي إلا دقائق معدودة حتى هممتُ بطعن إحدى قطع اللحم المكدّسة في صحني برمح شوكتي، كان الطعام شهياً والهدوء لا يمخر عبابه سوى صوت أم كلثوم الجميل،
تلفّتُّ حولي فرأيت رجلاً في عقده الرابع يجلس عند الطاولة المقابلة لي، يرتدي قميصاً أزرق وبنطالاً أسود ويتصافح شعر شاربه مع شعر ذقنه بخطّين رفيعين مقوّسين يُغلقان الدائرة حول فمه، أثار فضولي تمركز رأسه على يده المثبتة على سفح الطاولة وهو يحدّق مليّاً بالجدار الموجود في الناحية الأخرى بلا انقطاع، بدأ طعامه يبرد دون أن يحرّك ساكناً، أكمل رجلٌ وزوجته طعامهم فمروا من أمامه ولم يقطعوا خطوط الضوء الساقطة على عينيه السابحتين، تدحرج أحد الصحون من إحدى العربات، فأحدث صوتاً وتناثر قطعاً ولم يتزحزح ذلك الرجل عن موقفه قيد أنملة، حاولتُ القفز فوق شِباك فضولي المهني، فخسرت الرهان أمام أسئلتي وبقيت حائراً خلف أجوبتي، لماذا هو منشغل بالنظر إلى ذلك الحائط بهذه الطريقة؟ لماذا لا يأكل من الطعام الذي طلبه ولماذا طلبه إن لم يرغب بأكله؟ لماذا لم ينتبه لي وأنا أراقبه كلّ هذه المدّة؟ هل هو أعمى؟ لكنّ عينيه سليمتان ولا توجود أي عصا بالقرب منه، هل هو مريض، وهل يعاني من مرض نفسيّ يجعله منفصلاً عن محيطه؟ هل أحاول مساعدة هذا المسكين وإخراجه من حالته ولو مؤقتاً؟ لكنه لم يطلب مساعدتي، وقد يعتبرني متطفلاً على شخصيته الخاصة به، وقد يقوم بردة فعل غير متوقعة أنا في غنى عن مواجهتها، لكن أين أخلاق عملي التي تدفعني لمساعدة المريض، حتى لو لم يطلب العون مني؟
لو وجدتُ إنساناً جريحاً في الشارع هل سأنتظر دعوته لي حتى أتدخّل لحقن دمائه؟ ولو تركته بهذه الحالة المربكة وأنا الطبيب النفسي فمن سيساعده إذن؟ سأذهب إليه وسأتحدث معه ما استطعت، وبعد ذلك سأعود لإكمال طعامي اللذيذ. اقتربتُ من طاولته وتعمدتُ الجلوس على الكرسي الذي يخلق عائقاً بينه وبين الجدار الذي لا ينفكّ عن الغرق في غياهب رقعته الخالية من أيّ شيء، قلت له: مساء الخير، أنت لا تعرفني وأنا لا أعرفك وأعتذر عن جلوسي معك بهذه الطريقة المفاجئة، لا أقصد فرض نفسي عليك أبداً، أنا أعمل طبيباً نفسياً في عيادتي الخاصة القريبة من هنا، ولي خبرة طويلة في العلاج النفسي وكثيراً ما كانت لي بصمات في التعامل مع الحالات المستعصية، لقد لاحظتُ انشغالك بالنظر إلى الحائط لمدة طويلة دون مبررٍ من وجهة نظري، كل واحد منا لديه مشاغله وهمومه، وحتى أمراضه التي تلازمه في حياته وقد تسبب له الكثير من الصعوبات. الكثير من الأمراض نستطيع معالجتها والتغلب على أسبابها ونتائجها، في عملي أجد أسباباً وراثية، وأخرى مكتسبة تؤثر علينا وتصنع في دواخلنا مرضاً نفسياً يقضّ مضجعنا، المهم في الأمر أن لا نتعلّق بالإنكار، وأن نثق بالطبيب وأن نمسك بزمام الأمل حتى نُشفى ونعيش حياتنا بشكل طبيعي، أنت محظوظ لأن الطبيب المناسب لحالتك قد جاء إليك بنفسه، ولم تتحمل عناء الذهاب إليه، هيا أخبرني بمعاناتك وسأقترح عليك أن تبدأ بسرد قصتك من أيام طفولتك، ثم ننتقل إلى مرحلة المراهقة وبعدها سنلقي الضوء على مرحلة النضج والاستقرار، لا تخفي عني شيئاً فكل معلومة قد تكون حلقةً مضيئة في سلسلة علاجك وتعافيك، وتأكد أن كل شيء تخبرني به سيبقى طي الكتمان بيننا ولن يعرف به أحد.
نظر الرجل إليّ وهو يحمل ابتسامةً جافةً أعطتني دفعة صغيرة لمساعدته، أزال عمود يده من تحت شرفة فمه ثم استدار نحوي.
الرجل: أشكرك على مشاعرك النبيلة أيها الطبيب، أنا بخير ولا يوجد لدي أي مشكلة جسدية أو نفسية على الإطلاق، لقد طلبتُ هذا الطعام كلّه ثم تذكّرت أنني قد نسيت محفظتي في منزلي، وقد كنت أفكر بالطريقة التي أحلّ بها هذه المشكلة بعيداً عن الإحراج الذي سأتعرض له من قِبل صاحب المطعم، لكنّ السماء قد بعثتك لي كما أرى لتخليصي من هذا المأزق، هل تستطيع إعطائي عشرة دنانير من فضلك مع جزيل الشكر والتقدير.
أخرجتُ محفظتي من جيبي وأعطيته العشرة دنانير دون أن أقول له شيئاً، أخذت ملامح الرضى تنسابُ وترتسمُ على وجهه دفعة واحدة، ثم أطبقَ على مائدته يلتهم الأخضر واليابس دون المبالاة بوجودي قربه، ودّعته بجملةٍ لطيفةٍ فلم يتمكن من الردّ لامتلاء فمه وانشغال يديه، شعرتُ بأنني قد نسيتُ أبجديات الطبّ وفقدتُ مفاتيح النفس وضيّعتُ مكان عيادتي وزمانها، عدتُ إلى طاولتي فوجدتها كالصحراء الجرداء تنتظر غيري، لم يكن عليها سوى فاتورة يتيمة أنا مجبرٌ على تبنّيها عنوةً، لا بدّ وأنهم قد ظنوا أنني قد أكملتُ عشائي فأزالوا الطعام الذي تركتُ معظمه لحين عودتي، غادرتُ المطعم كمن عاد بخفي حنين…