لم تكن الفلسفة ذات إبداع في التاريخ خارج مدار الشعر في أكثر أبعاده صفاء وتأملا وأقرب الأمثلة إلى عصرنا ما قدمه الفيلسوف مارتن هايدجر من خلال أعمال الشاعرين هولدرلن و ريلكة، خصوصا وأن ريلكة يصنّف مدرسيا على أنه ميتافيزيقي، وشعره تأملي يبدأ بسؤال الوجود، ولا ينتهي عند سؤال العدم، فالشاعر في هذا المثال يلهم الفيلسوف لكن بطريقته غير المباشرة وبإيحاءاته التي تختزل كثافة الفكرة بالصورة .
أما الفيلسوف الألماني هيجل فرغم أن شهرته في الأوساط غير المتخصصة فلسفية إلا أنه عالم جمال بامتياز، وكتب عن الشعر والتصوير والنّحت تحليلات عميقة، وهو أيضا شاعر، له قصائد تعبّر عن رؤاه في الكون والتاريخ، لكن كتاباته في الفلسفة والديالكتيك صرفت الانتباه عن شعريته رغم رصانتها، لكن ثقافتنا العربية التي هيمن عليها، لزمن طويل، تصور غنائي للعالم عزلت الشعرية عن مجالات المعرفة. وما يؤكد ذلك التصنيف الاتباعي والأفقي لشاعر كأبي العلاء المعري، فقد وُصف بأنه فيلسوف الشعراء وأحيانا شاعر الفلاسفة، وكلا الوصفين لا صلة له بواقع الإبداع إلا إذا سلّمنا بأن هناك تضاريس ثابتة وخرائط؛ فالمعري شاعر، لكن شعريته تمرّدت على مجرد الغناء، واقتاده سؤال الوجود إلى تخوم كانت شبه محرّمة، على الشعراء وحين قيل إنه متشائم ؛جاء هذا القول لتفتضح رؤى قاصرة للحياة، لأن ثنائية البشير والنذير في شعر أبي العلاء هي من صميم هذا العالم ومن صلب الشرط البشري .
وقد تضرر الشعر العربي من تلك التضاريس التي عزلت الجبال عن الأنهار والماء عن الصحراء، بحيث أصبح لقب شاعر مهددا بالحذف، إذا اتجه من يملكه إلى آفاق معرفية. ومن الأمثلة المعاصرة أدونيس الذي رأى بعض الاتباعيين والنقاد السكولائيين في أطروحاته الفكرية تهديدا لشعريته، رغم أن ما حدث هو العكس، فقد غذّتها وعمقت أبعادها، وأضافت الى الصورة الشعرية سواء كانت بصرية أو سمعية بعدا فكريا هو شحنة وليس فكرة معلقة على القصيدة .
وقد يكون للقب شاعر في موروثنا الثقافي والاجتماعي سحر وجاذبية، جعلت بعض الشعراء يحرصون على تأطير أنفسهم وأنشطتهم الذهنية في مشهد محدد، هذا على الرغم من أن ما علق بصورة الشاعر في موروثنا خلق اشكالية واشتباكا، يصعب تفكيكه، خصوصا ما يتعلق بسطوة المناسبة على القول، أو الارتهان لتعريف تقليدي للشعر يختزله في الموزون المقفى. اضافة إلى ارتباطه بالكدية والتكسّب؛ لهذا اختلط حابل النظم بنابل الشعر، وهناك آلاف مؤلفة من القصائد، أو ما يسمى كذلك عبر مختلف الأزمنة في تاريخنا يتحقق فيها شرط الموزون المقفى لكنها قد تكون كما يقول لوركا “لحم وعظم، لكن بلا نخاغ” !
ولعل ما سمّاه نقادنا القدامى الندى أو الماء في الشعر هو هذا النخاع لدى لوركا، أي ما يتجاوز الشكل والمضمون معا الى الرّوح والخلق .
مناسبة هذا التداعي حول الفلسفة والشعر هي ديوان فريديريك نيتشة، الذي ترجمه الى العربية محمد بن صالح وأصدرته منشورات الجمل.. بالطبع لم يكن نيتشة في مجمل ما كتب بعيدا عن الشعرية، خصوصا في تأملاته وكتابه الأشهر.. هكذا تكلم زراديشت، لكن صدور قصائده متجاورة في كتاب يتيح للقارئ أن يتجول داخل أروقة قلعة شاهقة كان قد مرّ بها لماما.
نيتشة بصفته شاعرا عصيّ على التصنيف في خانات من طراز فيزيقي أو ميتافيزيقي؛ فهو حسيّ أحيانا حدّ النزيف من كل مسامات الجسد، وهو تأملي أيضا لهذا كما يفعل الشعراء العصيّون على التصنيف المدرسي، يعبر نيتشة الحدود بين الحسي والتجريدي. يقول نيتشة تحت عنوان المسافر وظلّه:
ماعادت العودة ممكنة
ولا مكان منه نتقدم
لا ممرّ حتى لظبي الجبل
إذاً هنا سأنتظر
وبحدة أضم ما يمكن للعين واليد أن تُمسكا به
خمسة أقدام من التراب أضاءها الفجر
ومن تحتي الكون والإنسان والموت..
تلك إذاً هي الأقانيم التي طالما شيّد منها الفيلسوف الشاعر ملكوتا أبديا هي حسب نيتشة “الكون والإنسان والموت” .
حسيّة نيتشة فاضت لتضيف القدم إلى اليد كي تكتب، فهو يحذف الفارق بين الحقل والدفتر، وهذا ما عبّر عنه بشكل آخر والت ويتمان حين سخر من الفارق بين الورقة العشب والورقة الدولار .
يقول نيتشة :
“من كل ما كتب لا أحب إلا ما كتبه المرء بدمه… اكتب بدمك”.
ولكي لا يساء فهم هذا الوصية النيتشوية فليس المقصود بها ما تردد ذات يوم من شعارات سياسية تطالب الشعراء بالكتابة بدمهم، لأن الدم بالمعنى الذي أراده نيتشة وكما يتضّح من سياقه هو الروح..
وما كتبه تحت عنوان الساحرة:
هل أسأنا الظن ببعضنا
كنا بعيدين عن بعضنا
لكننا الآن في هذا السجن الضيّق
مكبلين بنفس القدر، فكيف نقدر على البقاء أعداء
أليس علينا أن نحب بعضنا
حين لا نستطيع الهروب؟
هذه الكلمات التي كتبها شاعر تحت برق الجنون الخاطف استبقت نصوصا لأشهر الكتّاب الأوروبيين في عصرنا، وهي تذكرني على الفور بمسرحيتين على الأقل، الأولى الحلقة المفرغة لسارتر، والثانية بانتظار جودو لصاموئيل بيكيت، ففي العملين ثمة تواطؤ قسري مع الآخر، حيث لا سبيل إلى الهروب من القدر البشري .
إن ترجمة أشعار من هذه السلالة سواء كانت لنيتشة أو هيجل أو ريلكة او هولدرلن بالغة الضرورة لتحرير الشعرية من تضاريس مدرسية وخانات تحولت الى مسلمات نقدية في مناخات النقد الكسول والذي لا يغامر كالنحل في الذهاب بعيدا نحو الرّحيق!