الناقد الصحفي يكسر حاجز الجمود الأكاديمي ليعيد المتعة للقراءة ويجذب جيل الشباب عبر خطاب نقدي عصري وتواصلي.
حين يكون هاجس الناقد الصحفي استعادة القراء إلى حضن الكتاب، واستدراجهم لاكتشاف متعة القراءة الواعية، حين يؤمن الناقد الصحفي بمسؤوليته في “خدمة الكتاب” ويعي دوره الأساسي في مدّ جسور الثقة بين الكاتب والقارئ، لا بد أن يكون سبيله مختلفا عن الناقد الأدبي والناقد الأكاديمي ، ذلك أن حلمه أبعد من مجرد التعمق في مجال أدبي بعينه و تمحيصه تأويلا وبحثا . حين يتصل الحلم بفعل القراءة و “حضرة الكتاب ” لابد أن يكون التواصل مع القارئ مختلفا ومتجددا.. لابد أن يكون أجمل وأكثر تنوّعا، بل أكثر تلقائية وصدقا..
ذلك هو السبيل الذي اختاره الناقد الصحفي المصري مصطفى عبد الله في كتابه الأخير “متون مضيئة” (دار غراب للنشر، القاهرة، ط1, سنة 2026 / خطوط الغلاف للخطاط التونسي عمر الجمني). وقد أعلن الكاتب مصطفى عبد الله انطلاقا من المقدمة عن أهدافه بوضوح: “أسعى إلى فتح باب القراءة الرحب أمام جيل من الشباب لم يجرّب هذه المتعة على حقيقتها.. هؤلاء الشباب الضحايا يحتاجون إلى من يستعيدهم إلى حضن الكتاب.. بخطاب يثق فيه هؤلاء الشباب”.
كيف رسم الكاتب طريقه نحو عقل القارئ وقلبه؟ وأي السبل يمكن أن تقودنا إلى تذوق متعة الكتب التي اختارها في متونه المضيئة؟
ما يلفت الانتباه في مرحلة أولى هو الحجم الكبير للمدوّنة التي اعتمدها في “متون مضيئة” (ما يقارب 100 كتاب) والتي انعكست على الفهرس وعلى عدد صفحاته ( 586 ص) .وما يشدّ الانتباه أكثر هو موسوعيتها، أو انفتاحها على شتى أنواع المضامين والأجناس : منها السيرة الذاتية والغيرية ،والاعترافات ، والسير التشكيلية والفنية ، و الحوارات وكتب الرحلة و النقد النظري والتطبيقي ، ومنها الدراسات الأدبية والأعمال الإبداعية والكتب المنشغلة بالخطاب الديني والديبلوماسي .
وهو ما يفترض مبدئيا صعوبة خوض كل هذه المجالات والإبحار في كتابات متنوعة المشارب. ولكن بما أن الهدف هو خدمة الكتاب (عنوان الفصل الأول “كيف كنت خادما للكتاب”) فلا بد أن السبل متيسرة ، فالمنهج المعتمد في ذلك هو خلاصة خبرة اكتسبها مصطفى عبد الله قرابة نصف قرن في مجال الصحافة الأدبية، فضلا عن دراسته الأدب والنقد في أكاديمية الفنون .
في أساليب إغواء المتلقي:
يصرّح الكاتب في المقدمة بأحد خياراته المنهجية في تصنيف الكتاب وهي نزوعه نحو الاختصار في تقديم الكتب التي اختارها، وهو ما يسمح بتجنب الملل عند التوسع في تناول المواضيع، وباختيار ما يراه المؤلف مناسبا من المسائل هامة في الكتاب لتكون جديرة بإثارة الاهتمام.
وقد عمد مصطفى عبد الله إلى تبسيط المفاهيم وتجنب التعقيد الاصطلاحي الذي يسم بعض الدراسات النقدية والأدبية وحتى الفنية، في لغة قال عنها إنها “لغة عصرية” ملمّحا إلى فئة القراء التي يتوجه إليها وهي الشباب، فاتسمت العبارة بالوضوح والتبسيط (دون إخلال بالمعرفة). وقد يكون أثر الصحافة في هذا التوجه بديهيا لتنوع أصناف القراء الذين يخاطبهم. كما شكل التنوع في مجالات الكتابة والأجناس الأدبية وحتى البلدان التي تنتمي إليها ميزة حقيقية لشدّ انتباه العدد الأكبر من القراء. وكما نجح مصطفى عبد الله في موهبة صيد المواهب (تمّ تكريمه بفلم عنوانه “صيّاد المواهب”) نرى أنه نجح بذكاء في اصطياد القارئ العربي المتنوع المشارب والاهتمامات والأذواق.
وكان التنوع في أساليب التشويق مسهما في شدّ المتلقي إلى الكتاب، وتوليد الرغبة في قراءة المتن الذكور. من هذه الأساليب اختيار مقاطع هامة من الأثر دون كشف أسراره ودون تلخيصه. لقد أورد مصطفى عبد الله مثلا مقتطفات طريفة وهامة من حوارات مع الروائي بهاء طاهر يستعيد فيها الروائي صفحات من ذكريات طفولته، واصفا شغفه بالقراءة ودور والده في دعم هذا الشغف، وذلك في معرض الحديث عن كتاب حسين عيد وعنوانه “بهاء طاهر بين المنشأ والمنفى”. هو المنهج نفسه الذي اعتمده المؤلف في تقديم كتاب عن جلال العشري بعنوان “جلال العشري أصيلا ومعاصرا”. حين نقل بعض الشهادات الهامة عن الكاتب و علاقته بالعقاد وبعدد من الكتّاب الذين التقى بهم وقدّم لهم أو تأثر بهم .
وقد ينزع مصطفى عبد الله نحو توظيف الفكاهة والخطاب الساخر لإغواء المتلقي حتى لا يشعر بثقل المعلومة، بل يجد في الكتاب متعة مضاعفة هي جزء من الروح المصرية الأصيلة. من ذلك ما قاله بلال فضل في احتفالية أقيمت للروائي بهاء طاهر مشيرا إلى عدم اهتمام الإعلام المصري والجماهير ببهاء طاهر، وعدم استفادة السينما المصرية من رواياته، داعيا إياه إلى الهرب إلى سويسرا مثل لاعب الكرة المصري (حارس الأهلي) الذي هرب إليها حتى يحظى مثله بكثير من الاهتمام.
ويسهم تسريد النقد في شد اهتمام المتلقي وأسره، حين تستثمر التجربة الذاتية والتفاعل التلقائي مع الكتاب المذكور، فتغدو الكتابة النقدية فضاء لعرض الذكريات الشخصية ويغدو الصحفي قارئا يستعيد تجربته الشخصية في وصف أثر الكتب فيه .وهو في ذلك قريب من كتابات ألبرتو مانغويل في “يوميات القراءة” حيث يكون الكتاب وقودا للذكرى ,و شديد الصلة بحياته اليومية .. من ذلك حديث مصطفى عبد الله عن كتاب العالم الفيزيائي ستيفن هوكينج ورسالته إلى المركز القومي للترجمة. واعتزام ابنة هوكينج نشر كتاب للأطفال مطوّعة فكرة أبيها ونداءه لحماية كوكب الأرض. يروي مصطفى عبد الله ذكريات طفولته مع الكتب: فقد ” كانت خالتي بثينة.. تهديني دوما في أعياد ميلادي كتابا أنيقا أذوب بين صفحاته وأنا أحلق في سماء حكاياته..” هذه الذكرى تعود إلى السطح بعد نشر كتاب هوكينج للصغار، فإذا به يعيش مجددا متع ذلك الطفل الصغير وفرحته. يقول ” عندما أمسكت بين يديّ كتاب “أنت والكون” غمرتني فرحة طفل صغير يحتضن ملابس العيد ولا يقوى على الانتظار كي يرتديها.. ذلك أن الأمر ” ليس مجرّد كتاب بل مشروع و حلم راودني” ..
لقد استطاع مصطفى عبد الله في “متون مضيئة” أن يمدّ جسور التواصل بين شتى أنواع الخطابات والفنون رسما وغناء ومسرحا وسينما وأدبا ونقدا.. فهدم الجدران العازلة بين مستويات علمية ومعرفية متباعدة وخطابات متنافرة، وعرض بعض الأطروحات الجامعية بكثير من الدقة والموضوعية، كما قدّم كتب الأطفال والسير الذاتية والروايات والدراسات النقدية معوّلا على تنويع الخطاب والأساليب بما يقتضيه الموضوع والمقام. وسلّط الضوء على عديد الكتابات التي هضمها النقد ولم يوفها الإعلام حقها، أو لم تحظ بما يكفي من الاهتمام والمتابعة رغم قيمتها الفكرية والثقافية.. واستطاع أن ينهض بدور “سفير الثقافة” بين الدول العربية والقراء في شتى أنحاء العالم العربي. لذلك لا يمكن أن نوافقه على ما ذهب إليه في مقدمة كتابه من توجهه إلى نوع مخصوص من القراء هو الشباب، فمهما كان سنّ القارئ وشواغله وميولاته يمكن القول إن “متون مضيئة ” فضاء رحب للتواصل مع الكتب ولاستعادة متعة القراءة ولذة الاكتشاف.