ولدت المدونة الشعرية الجزائرية من رحم المقاومة؛ فقد رافقت الثورات الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، ثم واكبت الحركة الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين، وصولاً إلى ثورة التحرير الوطني في خمسينياته، ما ربطها عضويا بقيم الحرية والانعتاق وقضايا الإنسان.
وبعد نيل الاستقلال الوطني عام 1962، انتقلت هذه الروح “الثورية” من مستوى الخطاب المباشر إلى مستوى المعمار الفني والقاموس اللغوي والهواجس الجمالية؛ فطلعت أقلام انتصرت للتجديد في هذه الأقاليم، حتى هيمنت على مختلف المنابر الأدبية، بالرغم من تحفظات أنصار “الذائقة القديمة”.
عودة “الخليلية”
يكشف رصد دقيق لملامح الساحة الشعرية الجزائرية في العقدين الأخيرين عن عودة لافتة للقصيدة العمودية “الخليلية” كظاهرة طاغية بين شعراء الجيل الجديد.
وإذا كان تمسك الرواد بالقالب الكلاسيكي يبدو مفهوما في سياقه التاريخي، فإن إقبال الأقلام الشابة عليها، في ظل بيئة تكنولوجية ووسائطية حديثة، يفرض ضرورة قراءة السياقات الموضوعية لهذا التحول، بعيداً عن منطق المحاكمة الجمالية، وبتركيز على الرصد والتحليل الفني.
تُظهر القراءة في سجلات الجوائز الأدبية الوطنية مؤشرات ملموسة على هذه الهيمنة؛ فمنذ انطلاق جائزة “رئيس الجمهورية لإبداعات الشباب” عام 2007، استأثر شعراء العمود بالمراتب الثلاث الأولى في أغلب الدورات، لدرجة أن فوز ديوان من “قصيدة النثر” بالمركز الثاني في دورة 2024 سُجل كحدث استثنائي في تاريخ الجائزة.
وبخلاف الاعتقاد الشائع الذي يربط هذه النتائج بمواقف “جمالية مسبقة” لدى لجان التحكيم، تشير الوقائع الميدانية ومعطيات الفرز في المسابقات الكبرى إلى أن السبب الحقيقي يكمن في “غزارة النتاج العمودي”؛ إذ تتجاوز نسبة المشاركات بهذا القالب ثلثي الأعمال المقدمة.
ويتكرر هذا المشهد بوضوح في “جائزة أحرار نوفمبر”، و”جائزة شاعر الرسول”، وصولاً إلى “جائزة أحمد رحمون للديوان الأول”، حيث تشير التقارير التنظيمية إلى ندرة المشاركات التي تتبنى الأسلوب الحر، ما يفسر غيابها شبه التام عن منصات التتويج في هذه المحافل الأدبية.
سياقات متعددة: النفسي والاجتماعي
الكاتب والباحث في علم الاجتماع الثقافي محمد بن زيان، الذي أكد أنه لا يمكن اختزال عودة القصيدة العمودية إلى المشهد الجزائري في عامل واحد، كما لا يمكن الخضوع لقولبة نمطية تفصلنا عن ملابسات يتداخل فيها البعد الثقافي بالنفسي والاجتماعي.
ويوضح بن زيان قائلاً: “ثمة دافع مرتبط بعودة الروح المنبرية والغنائية في التظاهرات والمسابقات الشعرية، والتي غالبا ما تشترط أن تكون النصوص عمودية، وهو ما يضاعف التحفيز على الميل نحو الأنماط الكلاسيكية، خاصة أن الامتيازات المالية والإعلامية لهذه المسابقات باتت مسيلة للعاب فعلا”.
ثم إن هناك توجها، يضيف صاحب كتاب “حرائق قلب”، لدى الشعراء الشباب لتأسيس تجربة خاصة، إيمانا منهم بأن التمكن من أدوات القصيدة العمودية هو المرجع الأساسي لتشكل تجربة شعرية قوية؛ فبعضهم يبدأ كلاسيكيا ليثبت تمكنه من الأدوات، ثم يغامر لاحقا نحو أشكال حداثية جديدة بغية الوصول إلى هويته الخاصة.
ولا يستبعد بن زيان أن تكون هذه الظاهرة إحدى ثمار ما أسماه “تخبطات الحداثة”، ليس على الصعيد الشعري فحسب، بل في كل الجوانب، وليس عربيا فقط، بل عالميا أيضا؛ حيث يمكن رصد تمثل الأجيال الجديدة للمرجعية التراثية بحثا عن هوية متجذرة وتأسيسا لها جماليا.
رجع الصدى والتبعية للمشرق
وعند سؤاله “ألا ترى أن الشعرية الجزائرية ظلت تابعة للمركزية المشرقية؟ فقد هيمنت القصيدة الحرة سابقا حين حصل ذلك في الفضاء المشرقي، فهل هذه العودة هي تفاعل مع هيمنتها من جديد هناك؟”.
أجاب بن زيان بأنه ما عدا تجارب قليلة في الآونة الأخيرة، يظهر الخضوع للنموذج المشرقي بوضوح، حتى في توظيف الرموز الأسطورية واستعارة التمثلات المختلفة، وهو ما أفقد الكثير من النصوص العمودية الجزائرية قوة التعبير وعمق الرؤية التي لا تتحقق إلا باستيعاب الخصوصية المحلية.
ويتدارك صاحب كتاب “متاهة المغراوي” بالقول “إن الأمر لا ينحصر في الشعر العمودي فقط، بل يمتد أيضا إلى السرد والكتابة النقدية؛ فما يحدث حاليا يرتبط بهيمنة الصدى وخفوت الصوت الأصيل”.
هارون عمري: بين التصور والتمظهر
من جهته، يعترف الشاعر هارون عمري، الذي يُعد من فرسان هذه الموجة، بأن الحواس البشرية تتعرض اليوم لمؤثرات بصرية وحسية لم تكن موجودة في الماضي؛ “فالشاعر الذي كان يلمس لجام الحصان والدرع والسعف والرمل، يتلمس اليوم باب المترو وصوت الآلة والشاشات الإلكترونية”.
ومع ذلك، يرفض عمري أن تُختزل العمودية في الوزن وشكل “الصدر والعجز” فقط، مؤكدا أنها “موقف ورؤية في كتابة النص، وليست مجرد لباس خارجي له”.