لا نرى حلاّ لحال الفكر الفلسفي العربي الإسلامي إلاّ بكسر طوق الجمود الفكري، وتحقيق استقلال فكري فلسفي في الزمان الحضاري بإعلاء شأن العقل والعقلانية مع أنّ ذلك لن يكون بالخيار السهل ولا الإرادوي، فلا شيء يأتي ويظهر من فراغ فتلك عملية تاريخية مديدة ذات شروط ومستلزمات واسعة، فكرية وحضارية شاملة يستحيل مع الفكر الفلسفي بواقعه الرّاهن أن ينتقل إليها إن لم ينجز أوّلا وفي الأساس عملية إنتقاله إلى صياغة قوله الفلسفي الإبداعي لدخول حداثته الفلسفية التي يفترض أن يكون شرطها الأوّل نجاحه بانتزاع حقّ التفلسف الحرّ من السلطات على
اختلافها، والتي بطبيعتها تخشى نور الفلسفة، أمّا شرطها الثاني فوعيه أنّ الحداثة الفلسفية (modernit’ philosophique) لن تكون بالإتباع أو التقليد إنّما بالإبداع الحرّ الذي يضيف جديدا جوهريا يتجاوز به المعارف الثبوتية واليقينية المتداولة في مضمون الرؤيا أو في بنيتها كما في المنهج الموصل إليهـا. إنّها الإضافة التي تغير موقع القديم، فتتفادى أن تكون الفلسفة العربية الإسلامية مجرّد ميراث جامد يحفظ في أرشيف الذاكرة الجماعية (la m’moire collective) بالتحقيق والتفسير ويزار بين الحين والآخر من أجل التفاخر والتباهي بالأمجاد، أو كــلوح ثابت يحفظ الحقيقة
الفلسفية يتمّ استنطاقه والعودة إليه كلما دعت الحاجة.
تبــدو الحاجة ملحّة اليوم في أن نعيد إلى الفلسفة وظيفتها النقدية (r’le critique) وأدواتها التقويمية (moyens dappr’ciation) لتلعب دورا تحريريا وتنويريا في قضايا الإنسان والمجتمع، ولتعود من جــديد إلى مهمتها في تأسيس نظــرة شاملة حول الإنسان وقضاياه بأبعادها المعيارية الجوهرية (essentiel normative) والإبستيمولوجية والأنطولوجية والمنطقية ينحو بمقتضاها ‘العقلاني’ نحوا استقلاليا، فلا يكون عبدا لأيّـة سلطة، لا سلطة الماضي، ولا سلطة التقاليد بأن يقع تحت وطأة التراث (patrimoine) فيقهر حرّيته في التفكير وفي العمـــل- ولا ســلــطة الإيديولوجيـــة التي تنـــطوي عليها البنية الثقافية لمجتمعه (structure culturelle du soci’t’) ولا سلطة أي نظام، فكريا كان أم اجتماعيا أم سياسيا. وإنّ منجزات الحضارة الحديثة الماديّـة- هي أجدى أدوات الإنتاج وأكثرها نفعا للهيئة الإجتماعية، ولا فكاك عنها رغبة أو رهبة علاوة على أنّ الإستفادة من الثورة العلمية والتقدّم التقني العظيم الذي حصل في مجال الحياة والطب والرقميات والإتصال وتمظهر في تكنولوجيا عالية الدقة من شأنه أن يدفع الفلسفة إلى صياغة نظرية تفكيكيّة وتحليليّة وتأليفيّة في شكل ابستيمولوجيا عامّة تؤسّس قولها المفهومي المجرّد الخاص بها والمعبّر عن وعي الكلّي بذاته لأنّ السبق إلى حوز المعرفة المتجدّدة والتحكّم في تطويرها وفي حدود نشرها، أداتان أساسيّتان لاكتساب عناصر القوّة المعنوية والماديّة معا، مع تزويد الفلسفة بما يلزمها من أدوات للكشف عن الجذور الإجتماعية للفكر، وعن كيفية تسرب التأثيرات الإيديولوجية إليه وكيفية تطويع المجتمع لمفهومات أساسية كمفهومي العقلانية (rationalisation) والحقيقية (v’rit’) وصولا إلى منظومة متماسكة من المفهومات والمقولات والمبادئ المعيارية التي يمكننا ضمنها أن نفهم واقعنا الإنساني فهما شموليا لغرض تغييره، وأن نحوز على فهم شامل للحاجات الإنسانيّة وطبيعتها المتطوّرة وللأهميّة النسبية لكلّ منها في ميزان القيم.
ويخلص الدّارس حينئذ إلى أنّـه بمقدور الفكر الإسلامي أن يخترق حدود هموم ‘جماعة المسلمين’ نحو أفق الإنسانية المعاصرة، على مشروطية الصياغة المنهجية الإنسانية لمقولاته القيمية (نظرا وعملا) من زاوية نظر واقعية إلى ضرب من التصوّر يربط بين العلم ووظائفه ومطالب المجتمع وتوجهاته، تأسيسا لعلاقة جديدة بين ‘عالم الغيب’ و’عالم الشهادة’ من داخل فلسفة معاصرة تقوم على تحريك الوعي ورفعه إلى مستوى الرؤيا النظرية المتناسبة مع مستلزمات التغير الإجتماعي المرجو. وأن لا تكون مجرد فلسفة خادمة للعلم الذي لا يجد حلاّ كاملا لمشكلة السلــوك لاهتــمامه بما هــو كائـــن لا بــما ينبغي أن يكون ولإبدائه أحكاما بالواقع. وهو لذلك يترك مشكلة الأخلاق بدون حلّ ما جعل الفلسفة تتعدّى العلم الوضعي لتقيم علما ‘لما وراء الطبيعة’ وعلما للأخلاق وهي تعبيرات ارتبطت بالموروث الفلسفي الإسلامي- الأمر الذي يفترض متانة هذا المخزون الفلسفي في جميع تعبيراته المؤسسة لعلوم المنهج ولأشكال الحياة الفكرية في الإسلام سواء من خلال المدرسة الفلسفية المتأثرة بالهيلينية أو الكلام أو التصوّف أو أصول الفقه، وهو افتراض يقودنا إلى التفكير في احياء الإستعمال الفلسفي الإسلامي المعاصر والإسهام من خلاله في إعطاء الإنسان بعض الفهم المتعمّق لحياته ووعيا رفيعا لكيفية عمل المجتمع وللإمكانية الموضوعية التي يزخر بها وجوده وما تسمح ببروزه من بدائل ترتبط بتغيير الشروط المادية والإجتماعية لحياته، وفي ترسيم أسباب السلطة بجميع وجوهها التي بوسعها أن تحفظ سيادة الأنموذج الثقافي والحضاري لأية جماعة بشرية فاعلة في الطبيعة المادية وفي الطبيعة البشرية فعلا حقيقيا يتعين بالزمان وبالمكان.
يتضح حينئذ أنّ أي اتجاه للنهوض بالأمّـة وتفعيل طاقاتها نحو استعادة دورها الثقافي والحضاري بين الأمم يشترط بروز المشروع العقلاني الفلسفي في جميع مجالات الحياة. إذ لا يمكن أن يتحوّل الفكر الإسلامي إلى شريك في الجوار الحضاري إذا لم تتحقق له القيمة الشمولية على الصعيد الإنساني بتحوير أولوياته من ‘الفقهي الإجرائي’ الذي أساسه الفتوى إلى إظهار البعد الإنساني في أنساقه وانشغالاته . وليست العودة إلى التراث الفلسفي الإسلامي بمختلف اتجــاهاته مرادفا بالضرورة للماضوية والتقليد بل يكون كذلك إذا عطّل إمكانات التجديد فيه، وكانت عودته
تلك تراجعا وليس وصلا بحثا عن معاني الإتساق والإستفادة من التجارب نحو مستقبل أفضل، فللفلسفة وجها إنسانيا شموليا وكونيّا، ولكـن لــــها أيضا وجها خصوصيا يرتبط بجذور الوضعية التاريخية الحضارية التي تكتنفها، وفي حال تجاهل هذا الوجه الخصوصي والجوهري في الفلسفة يأتي الفكر الفلسفي نوعا من الإنتماء المصطنع والطفيلي، وليس بامكانه تقديم الأجوبة الحقيقية عن تساؤلات إنسانية وحاجات مجتمعية متجدّدة، لأنه في هذه الحال يمتصّ من شجرة تاريخ الفلسفة دون أن يكون غصنا من أغصانها.