ظل إدوارد سعيد يلحُّ على مسألة جوهرية في توصيف المثقف الحقيقي وعلاقته بالسلطة، مؤكدا وقوفهما التاريخيّ كلٌّ على ضفّة، فإذا كانت السلطة بحدّ ذاتها تشكل عدوا للثقافة، فما شأن الاحتلال؟
المثقفون العرب في الغالب، يرون إسرائيل عدوّا حقيقيا، وهذا أمر لا خلاف عليه، ولكن الأمر الأكثر غرابة على مر العصور، أنهم ينظرون بعين المحبة والفخر إلى احتلالات أخرى تقصم ظهر الأمة، من أوضح هذه الاحتلالات الاحتلال الفارسيّ، الذي يمتدّ إلى أكثر من 50 قرناً، بين مدّ وجزر، والذي كللته إيران – الوريث الشرعي لدولة الفرس- باحتلالها عام 1925 لدولة الأحواز العربية، التي تحد العراق من الشرق، حيث يقع الخليج بين الجزيرة العربية والعراق من جهة والأحواز من الجهة المقابلة، ليكون بذلك خليجا عربيا صافيا، فلم يطرأ اسم خليج فارس، إلا بعد احتلال الفرس لهذه الدولة المغيبة تماما عن مخيلة العرب، حتى أن هناك من يتساءل عن شعبها ودورهم في التحرر، فيما يقاسي شعبها أبشع أنواع التطهير العرقي في العالم، أبسطه يتجلى في الشنق على الملأ بواسطة الرافعات في الشوارع والساحات العامة، هذا الإقليم المحتل يشكّل نفطه ما نسبته 90% من النفط الإيراني، ما يعني أنه القوة الحقيقية التي يستمد منها الغول الفارسيّ طاقته الاستعمارية.
إن الثابت تاريخياً أن المنطقة ظلت تتعرض لاحتلالين؛ واحد من الشرق برعاية فارسية، وآخر من الغرب برعاية روميّة، إلا أن الاحتلال الغربي لم يخطط مرة للسيطرة على الأرض، إنما كان يسعى دوما للسيطرة على الثروات، ولكنه كلل مهمته في المنطقة بالاستيلاء على فلسطين التاريخية، لأسباب تعود أيضا إلى رغبته بالاستحواذ على الثروات من خلال تفريق العرب الذي يعبّر عنه خلق كيان غريب في قلب أراضيهم. ويحسب للاحتلال الغربي ـ وهو الوريث الشرعي للروم- أنه جاء بصورة مصغرة عن حضارته، وزرعها في بلداننا التي أصبحت واهيةً وصغيرةً بفعله الشنيع في سايكس ـ بيكو. ولكن أليست هذه المعاهدة مجرد خيال في رؤوسنا؟ ألسنا قادرين – كمثقفين عرب على الأقل- على تجاوز هذه الحدود ولو في أذهاننا ؟ لمَ لمْ يحدث هذا حتى الآن ؟
في المقابل كان الاحتلال الفارسي يسعى دوما إلى احتلال الأرض، واحتلال البشر أيضا، وطمس الحضارات ودفنها كلّيا، وهذا ليس مسحوبا على الحضارة العربية فحسب، إنما على كل الحضارات التي كانت جيوشه تمر بها، وخير مثال على ذلك نجده في إسبارطة.
إذن فنحن منذ الأزل نقع بين قوسين، واحد من الشرق وآخر من الغرب، ترمينا سهامهما أنى شاءت، ونتلهّى نحن بعدّ ضحايانا والانقسام على تمجيد أحدهما، فمنذ زمن الغساسنة والمناذرة ونحن نعبد الاحتلالين، وننقسم عليهما، ولم ننجح في التصدّي لهما إلا لمرتين في التاريخ الحديث: المرة الأولى كانت على يد سعد بن أبي وقاص شرقا، وخالد بن الوليد غربا، أيام الدولة الراشدية العربية، والثانية كانت في قادسية صدام حسين شرقا، حيث حرر الفاو، ودخل الأحواز محاولا تحرير عبدان والمحمرة واللتين تعتبران من كبريات مدن الإقليم المحتل، وثورة التعريب في الجزائر غربا والتي قادها الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين. هذه الحقيقة التي ما إن وضعتُ جزءها الأول على صفحتي الشخصية على فيسبوك، حتى تلقيت كمّاً هائلا من الشتائم على بريدي، كما تلقيت كماً لا بأس به من ‘البلوكات’ أو الحظر، لم يكن أمر كهذا ليستفزّني، إلا عندما عرفتُ أن معظم الفاعلين كانوا من المثقفين، شعراء وكتاباً وفنانين، ومنهم من وصفني بأنني ‘واحد من أيتام الطاغية المقبور’، في الوقت الذي يصفق هو لطغاةٍ فُرسٍ يعيثون فسادا في العراق وسوريا، وفي إيران أيضاً. لن أعلّق على ما تلقيت من شتائم، ولا حتى على أي اختلاف في وجهات النظر، ولكن أليس الأجدى بنا – كمثقفين نطالب السلطة بالحوار- أن نحافظ على جسر حوار بيننا مهما اختلفت رؤانا؟ فبأي حق تحظر صديقك الفيسبوكي، ثم تلوك كلامه بسخرية، وتجعل منه مهرجا أمام قرائك ؟ أليس هذا طغياناً ؟ أليس هذا إرهاباً ثقافياً ؟ أليس هذا ترجمة حيّة للقاعدة السماويّة التي تشير إلى أننا من نصنع طغاتنا ونجلسهم على أكتافنا ؟
سأتفق لحظياً مع هؤلاء ‘المثقفين’ وأسلم بأن صدام حسين كان طاغية، وأنهم تخلصوا منه، الآن مات الرجل ومضى على موته سنون، ولم يفعلوا شيئاً سوى أنهم انغمسوا بالدم الذي أشاعه الفرس من جديد، حدث ذلك لأنهم رهائن طاغية عملاق، غير الذي ‘قتلوه’، إنهم في الحقيقة رهائن طاغية يسكن أعماقهم، يعشش ويفرّخ في الداخل، فهؤلاء المثقفون الذين يعيشون الآن في بلاد الحريات بجوازات سفر حمراء وكحليّة، أصبحوا مجيدين تماما للغات أوروبا، ولكنهم لم يجيدوا بعد لغة التعبير عن أرائهم بسلام، لم يحفظوا أبسط أسس احترام الآخر، وأول حقوق التعبير عن الرأي والحرية.
ظلَّ أمر عبادة واحد من الاحتلالين يغيظني، ويعتمل داخلي، حتى قرأت لقاءً أجرته بي بي سي مع حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أورد فيه جانبا من حديثه مع نجاد قائلا: ‘تحدثت إلى (الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد) وقال لي: إذا أطلقت صاروخا على إسرائيل، فكم سأقتل من الفلسطينيين؟ وحينها ستدمر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مدن بلادي. لست مجنونا كي أذهب إلى هذا الحد. إنه سلاح من الماضي’. ورحت أفكر لو أننا فقط نكفّ عن تمجيد احتلال وقدح آخر، على الأقل لنضمن وحدة ما، فإما ننبذ الاثنين معا، أو نمجد الاثنين معا، لنصير بذلك شعباً مهزوماً و’قطّاً يحبُّ خَنَّاقّه’، حتى كتبت على الفيسبوك مرة أخرى، ما مفاده أننا نواجه أكثر من عدوّ، وأن العدوّ الفارسي الذي يحتل شرقنا، لن يحررنا من الاحتلال الصهيوني، وأن كل ما يلوّح به من تهديدات لإسرائيل ما هو إلا أفلام كرتون، اعتدنا على مشاهدتها، من ‘حرب’ تموز 2006، إلى سلسة أفلام الكرتون الأطول المعنونة ‘بدولة الممانعة’، وليس انتهاءً بتصريحات نجاد بأنه سيمسح إسرائيل عن الخارطة، وأن عداءنا للاحتلال الصهيوني لا يجب أن ينسينا بأن هناك احتلالا آخر يقضم رأسنا، لأفاجأ مرة أخرى بشاعر و’مفكر’ فلسطيني، يحظرني، ويأخذ كلامي ليضعه على صفحته، ويحرفه عن مساره الصحيح بما يلبي حنقه، ورغبة الطاغية الساكن في داخله.
إذا كنا لا نسمح لبعضنا البعض بنقد ما يجري حولنا من وقائع عامة، ونختار هدم الجسور على بنائها، ونسعى إلى الخراب سعي الأفعى إلى جحرها، فعن أي نقد أدبي سنتحدث، وكيف ستكون ردة فعل واحد من هؤلاء المثقفين الكثر، لو أن ناقداً قال رأيه بمنجز أحدهم ولم يرقه الكلام؟
إن هذا الإرهاب هو الأخطر، فهو حاضنة لكل أشكال العنف المؤدلج، ومفتتح لإرث عريض من العنف، والرفض الجائر للآخر، إنه يشبه تماما حواراتنا كعرب- التي تنتهي دائما باشتباك بالأيدي، دون الوصول إلى أي نتاج حقيقي صالح للاستعمال.
إن هذا يجيب أيضا على سؤال متكرر بأشكال مختلفة، تفتتحه ‘أين الاستفهامية’ دائما:
أين الإعلام العربي؟
أين القصيدة العربية؟
أين الأغنية العربية؟
في الحقيقة، نحن نملك العديد من الأشكال غير الأصيلة في كل حال من الأحوال، نملك 22 إعلاما كل واحد يحمل لوناً وفقا لنسبة تبعيّته للأجندة التي يعبدها، غساسنيّاً كان أو مناذريّاً، وكذلك 22 شكلا شعريا ومضمونا، و22 شكلا غنائيا ومضمونا، كما يمكن لهذه الظاهرة أن تجيب على السؤال الراهن الأهم: لماذا تجلى ‘الربيع العربي’ في صورة ‘فوضى خلاقة’ ؟
ببساطة شديدة، لأن ثورات ‘الربيع العربي’ لم تكن إلا صراخاً عالياً، أو بالأحرى نهيقاً للطغاة الذين يعششون في دواخلنا، بأسنانهم الحمراء، وعيونهم التي تكنّ الوحشيّة عن جهل تسببت به عوامل كثيرة، أهمها تحقير الآخر، الذي أسفر في غير قطر عربي عن صدامات بالأسلحة، وفتح الباب للاحتلال الذي راح يلعب على حبلي الصراع، إن كانا حبلين أصلا، فأغلب الظن أنها الآن 100 حبل. لن ننضوي تحت اسم واحد، إلا حين نعي أننا بين فكّي غولٍ واحد اسمه الاحتلال في الحالتين، وأن نهضتنا تأتي من الداخل لا من الخارج، وأن ربيعنا يأتي من هدوء المكتبات لا من ضجيج الشوارع، ومن الحدائق المفترض وجودها في قلب الشاعر، لا من الوحش البري الذي يسكنه.