مرة أخرى، أقرأ كتابا ألمانيا حول مدينة مغربية يأتي شاعر وكاتب من بعيد ليكتب عن مكان بعيد أحبه. ليس النص من قبيل الكتابة السياحية العابرة، تلك التدوينات التي تثقلها الدهشة والسطحية والانفعال السريع، وإنما هو نص شاعر ينبثق من دائرة تجربة المكان ذاتها، من داخلها، من عمقها التاريخي والسوسيوثقافي، ومن مشهديتها اليومية المكثفة بالصور والأفكار، الممتلئة بالأصوات والألوان والروائح…
يكتب رينهارد كيفي عن مدينة أكادير، جنوب المغرب. ومن داخل مقهى موكا، حيث اعتاد الجلوس ومتابعة المشهد اليومي المتحرك، يشرع في تدوين اللحظات، ما يراه وما يسمعه وما يعبر جسده وفكره وذاكرته. مقهى موكا بؤرة المكان كله، وبؤرة النص كله أيضا. من هذا المقهى، ينطلق الحديث التلقائي الدافئ الناعم عن المدينة، ومن المدينة يمتد الخطاب ليشمل البلاد كلها بفضائها، بعمقها الثقافي والروحي والرمزي والسياسي.
ولأن رينهارد شاعر، فهو يدرك منطق مهنته، مهنة الشاعر التي لا تشبه المهن الأخرى. إن الشاعر يعرف أن الكتابة عن العالم، تبدأ بمكان مثلما تبدأ بمنديل جيب ألقي به على الأرض. من مقهى موكا إذن، من كأس القهوة المعتادة تبدأ الكتابة، يبدأ النص، ويبدأ الحفر في المكان، وفي ذاكرة المكان.
نص صديق يشتغل بكل حواسه، خصوصا حاسة العين، كتابة مقتضبة، نفس شذري سريع الذوبان كحلوى في اللسان. جملة قصيرة. لغة شاعرية. وهناك ذات متكلمة (ذات كاتبة في الواقع) تحرك ترسانة من المرجعيات والأفكار والأسماء الكبرى، لا لكي ترصع النص فحسب، وإنما لكي ترتقي الكتابة من مستوى الانفعال مع اليومي والامتلاء به إلى رفعة القضايا الفكرية والوجودية الكبرى، إلى مستوى المتعاليات، وعلى ما يعمق التأمل والوعي بالأشياء.
ليس هناك نظرة سائبة، خفيفة انطباعية، سريعة، وإنما هناك نظرة تكاد تكون مقيمة في المكان وداخل ذاكرته وأنساقه الداخلية. إن رينهارد يكتب نصه الشخصي، ولكنه يكتبه معززا بشهود كبار. يحضر إلياس كانيتي بنصه المضيء العميق الفاتن ‘أصوات مراكش’. يحضر معه ريلكه، الشاعر المدهش، الذي عضه كلب في مدينة القيروان بتونس، كلب لا يختلف عن قطيع الكلاب المتسكعة طوال الوقت في أكادير. يحضر إرنست يونغر، نيتشه هيبرت فيشته، غيرهارت مايا، يوهان جورج هامان، هوفمان ستال. كما يحضر الأصدقاء كشهود فعليين يقتسم معهم الكاتب المشاهد والأفكار والملاحظات.
ولأن الكاتب ليس سائحا، فهو يشتغل على نصه متشابكا في علائقه المختلفة مع المكان. وبروحه الشعرية، ينسى ليكتب. السائح يتذكر ليحكي ويدون لكي لا ينسى التفاصيل. الكاتب هنا ينسى. لقد امتلأ بالأمكنة حتى بات ينسى الطريق التي تعيده إليها مجددا. نسي بركة السلاحف التي اكتشفها، ولم يعد يتذكر من أين قاده خطوه إليها. وحده صوت الماء حين كانت تقفز إليه السلاحف، بقي يملأ سمعه ولا تبرح الصورة مخيلته. لو كان الكاتب سائحا لسأل، ولعثر على من يقوده إلى البركة الضائعة. لو كان سائحا لاستشار خريطته وتصميم المدينة والمنطقة وما لديه من كتب وأدلة. ولكنه لحسن الحظ شاعر وكاتب يعرف قيمة النسيان، ويعرف قيمة التيه، ويعرف معنى أن يكتشف المكان المدهش دون دليل ومعنى أن يفقده في نفس الآن. أليست له مجموعة شعرية تحمل عنوانا له معنى في هذا السياق ‘من داخل مدينة النحاس’. تلك المدينة التي لطالما داعبت خيالاتنا الفردية والجماعية، وما زلنا دائما مشدودين إلى صورها الفاتنة دون أن نهتدي يوما إلى صواب الطريق نحوها، هل هي وراءنا في الماضي لنحن إليها أم تراها في المستقبل نشتاق ونتطلع إلى أفقها
وكنت قبل وقت قريب، لخط ألماني جميل مفرح أعتز به، قد قرأت نصا حول مراكش وساحتها الكونية (ساحة جامع الفنا) كتبه شاعر وكاتب ألماني آخر هو كريستوف لايستن. ولدهشتي، اكتشفت أن رينهارد كيفر لم يكتب فقط عن مدينة أكادير ومقهى موكا بنفس النفس الشعري، بنفس الروح الشذرية الممتلئة بالمعرفة وبالخبرة الإنسانية الثرية، وبنفس الانحياز الموضوعي الذي يبدي الحب ويكشف عن رؤية نقدية غير متطفلة أو مختلقة، وإنما اكتشفت أن الشاعرين صديقان في الحياة، وفي الكتابة. وأكثر من ذلك، سأجد أن رينهارد في نصه هذا ولكي أستعمل تعبيرا عاميا مغربيا بليغا ‘سيخطف رجليه’ قليلا ليتحدث عن مراكش وساحتها في غمرة تقدير دون شك لكريستوف لايستن. ولأقل إذن، كان لي صديق ألماني فصار لي الآن اثنين، على الأقل في حقل الكتابة والإبداع الشعري وفي مسارات الشغف بالأمكنة.
إن رينهارد لا يتحدث عن مدينتنا الجميلة الوديعة المتكئة هناك جنوب المغرب على شاطئ الأطلسي بنظرة برانية محايدة. على العكس، إنه يتحدث عن أكادير التي صار يعرفها أكثر مما يعرفها الكثير من أبنائها وبناتها. وليست المدينة وحدها، بل محيطها السوسي الممتد إلى أوتاد تايمد إلى مدينة تارودانت، التوأم المجاور، وباقي الأمكنة.
لقد كتب عن أكادير، نهارها وليلها. كتب عن الناس في مختلف مظاهر حياتهم اليومية، عن لحظات الاحتفال الرسمي، عن انكسارات الواقع وهشاشة الكثير من العلائق. كتب عن الكلاب، عن القطط، عن الأفاعي، عن الطيور، عن السلاحف، عن القصر الملكي، والصور الملكية المعلقة في الشارع، عن النباشين، عن شعار المملكة (الله. الوطن. الملك) المرصع في أعلى المرتفع هناك في ‘أكادير’ وعن الميناء، عن الأبنية والألبسة، عن الجلبة والصمت…، ودائما، نراه يستأنس في صوته بأصوات أخرى متعددة، بعيدة وقريبة، وبأسماء كبرى نعرف سطوتها المرجعية وأسماء أخرى اقتسم معها لذة المكان ودفء الصداقة.
وثمة ثراء النظرة الشاعرية، ثمة عمق المتأمل الفاحص الذي لا يكتفي فقط باختبار الأمكنة، لنقل أمكنة النص، وإنما يمتد بعيدا عميقا نحو مخزونه المعرفي والثقافي كي يعمق النظرة، كي لا تبقى النظرة سطحية جاهزة. وهنا، نكتشف الوجه الآخر للشاعر، وجهه الأكاديمي كمختص في الأدب الألماني في جامعة آذن، ولا حاجة لأن نؤكد على أهمية أن تلتقي الشعرية والمعرفة والنظرة الحداثية في الشخص وفي نصه.
هكذا نقرأ هذا الكتاب الذي يصل إلينا ناعما عميقا عبر مصفاة مترجم مغربي متمكن من لغته، العربية والألمانية، متعاطف مع النص الذي يحمله بشغف وتقدير وثقة إلى قارئ مختلف، وبالأخص إلى قارئ مغربي يهمه أن يعرف شيئا ما عن نفسه في مرآة الآخرين الذين قدموا من أفق مختلف فأحبوا بلاده وتشبعوا شعريا بضوئها وظلها وفضاءاتها ولحظاتها الثرية المختلفة.
إن المترجم المغربي ذ محمد خلوق أعطى من نفسه ونفسه لهذا النص الفاتن ما جعله يصل إلينا كنص مضاعف. كأنه أعطى للنص الألماني أجنحة جديدة كي يحلق من جديد في فضاء جديد للقراءة والتلقي.
وأعترف بغبطة أننا نربح، لا فقط كاتبا ألمانيا صديقا ينحاز موضوعه للفضاء الثقافي والحضاري العربي، بالخصوص، وإنما نربح صوتا مغربيا قادرا على أن يمد الجسور بين الأفقين الألماني والعربي المغربي.
أما ما يتبقى بالنسبة إلي، وعلي واجب التصريح به في هذه الكلمة التحية، فهو أن أتساءل: متى سنذهب نحن إلى ألمانيا لنكتب عن المدينة الألمانية، عن المدينة الأوربية والغربية عموما؟ لقد فعل ذلك عرب قدماء قلائل، وأظن أن علينا الآن أن نواصل ذلك وأن نعمقه.
وسيظل ينقصنا الكثير في فكرنا وفي متخيلنا، في تكويننا البنيوي العميق، إن لم نرحل إلى هناك، فنقيم أو ننظم العلاقة المنتظمة، لنكتب بدون استلاب، وبدون افتعال، وبدون سطحية، وبدون خواء، وبدون إحساس بالدنيوية، وبدون ادعاء، وبدون مزايدة. أقصد بالكثير من الحب والاندهاش الشعري، والعق الفكري والإنساني والأخلاقي، وبالكثير ن المعرفة والخبرة وروح التواضع، وبكثير من الانحياز الموضوعي.
آنذاك، سيكون لمثل هذا النص الجميل الذي كتبه رينهارد كيفي عن مدينة أكادير، وكذا النص الذي كتبه كريستوف لايستن بشغف عن مدينة مراكش، أثر مضاعف، أنهما كتبا عنا بحب … داعيين لأن نفتح الأذرع ونمضي لاتجاه الصداقة أيضا. أن نكتب نحن أن وذلك ما نعثر عليه فيما كتبه آخرون أيضا، بالأخص منهم الكبار الخالدين في الذاكرة الأدبية الإنسانية من أمثال كوليت، سنان إكسبيري، كيسيل KESSEL ، مارك توين، أنايسين نن، جيرترود ستاين، إلياس كانيتي، جان جينيه، تنيسي وليمز، روني شا، أندري جيد، صمويل بيكيت، رولان بارت، غينسبيرغ، بوروز، كيرواك، ترومان كابوت، بول وجين باولز، كلود أوليي، خوان غويستيسولو، جان ماري لوكليزيو… والقائمة طويلة.
كتاب صغير جميل ناعم ودود، كتبه شاعر ألماني يؤثر الصداقة، ويعرف كيف يمنح الأمكنة اللسان الذي تستحقه. أبدا، لم يتح لنا فرصة أن نشك في صوته، في خياراته وفي نظرته. إن راينهارد كيفي كتب شهادة رفيعة حقيقية عن مدينة أكادير المغربية، وكأنه يتخفف من عبء التزام شعري، وربما أخلاقي، عقده سرا مع المدينة بكل ضوئها الشاسع، وبكل ما تلقي به من ظلال.