يمثل الحلم في الرواية الفلسطينية، فضاءً يتجاوز حدود الواقع المادي ليتيح للكاتب استكشاف الأعماق النفسية والجمعية لشخصياته. في ظلّ الاحتلال والاقتلاع التاريخي، فالحلم في الرواية الفلسطينية ليس مجرد تجربة فردية، بل آلية لاستعادة الهوية وحفظ الذاكرة.
الإطار النظري للحلم في السرد
- الحلم من منظور نفسي
ينظر فرويد إلى الحلم بوصفه الطريق الملكي إلى اللاوعي، أي المنطقة الأعمق في النفس حيث تُخزَّن الرغبات المقموعة والصراعات التي يعجز العقل الواعي عن التعامل معها مباشرة. وعلى هذا الأساس، فإن الحلم عند فرويد ليس مجرد سلسلة صور أو أحداث عشوائية، بل هو خطابٌ نفسي مُشفّر، تظهر فيه الرغبات المكبوتة على هيئة رموز وإزاحات واستعارات تتطلّب التأويل. ويشير فرويد إلى أن الحلم يحقق نوعًا من “الإشباع الرمزي” للرغبات التي لا يمكن تحقيقها في الواقع بسبب القيود الاجتماعية أو الأخلاقية أو السياسية.
أما كارل يونغ، فقد وسّع مفهوم الحلم ليشمل بُعدًا آخر يتجاوز الفرد إلى ما أسماه اللاوعي الجمعي، وهو مساحة رمزية مشتركة تتضمن الموروث الثقافي والأسطوري والخبرات التاريخية الجماعية للأمم والشعوب. وهكذا يصبح الحلم عند يونغ حاملًا لرموز كبرى (أو “نماذج أصلية”) ترتبط بالمجتمع والذاكرة الجمعية تمامًا كما ترتبط بالذات الفردية.
انطلاقًا من هذا التصور، يمكن فهم الحلم في الأدب – ولا سيما في الرواية الفلسطينية- ليس بوصفه تجربة نفسية فردية معزولة، وإنما باعتباره فضاءً تُستعاد فيه الذاكرة الجمعية للشعب بأكمله، وتُعاد صياغة آلامه وتطلعاته ضمن مستويات رمزية. وبهذا يجمع الحلم بين الشخصي والجمعي، بين الرغبة الفردية والمخيال الوطني، فيتحول إلى وسيلة لإعادة بناء الهوية في مواجهة التمزق والاقتلاع
.2. الحلم من منظور سيميائي
يُنظر إلى الحلم في المقاربة السيميائية بوصفه فضاءً رمزيًا عالي الكثافة، تتحول فيه العناصر المرئية واللغوية إلى علامات تتجاوز معناها المباشر. فهو ليس مجرد إعادة إنتاج للواقع، بل هو مجال يسمح بإعادة تركيب البنى الدلالية خارج شروط الزمن والمكان الموضوعيين. في هذا الفضاء، تنفلت العلامة من روابطها الطبيعية بالواقع، لتدخل في شبكات جديدة من العلاقات، حيث يصبح البسيط مُحمَّلًا بالمعنى، واليومي مُحمَّلًا بالتاريخ.
ووفق هذه المقاربة، يعمل الحلم على تفكيك المدلول الواقعي وإعادة بنائه وفق منطق رمزي خاص، يتأسس على التكثيف، والانزياح، والاستعارة، وتعدد مستويات الإحالة. ولذلك يُعد الحلم في النصوص السردية أداة تمنح الكاتب حرية مضاعفة في بناء المعنى، إذ يسمح بتشكيل فضاء دلالي يعبّر عن ما لا يمكن قوله مباشرة أو ما يثقل كاهل الشخصية في وعيها الصريح.
أما في الرواية الفلسطينية، فيكتسب الحلم قيمة سيميائية مضاعفة؛ إذ لا يحمل دلالات فردية فحسب، بل يربط بين الفرد والجماعة، ويستدعي الأرض كعلامة مركزية، ويعيد تمثيل التاريخ بوصفه نصًا مفتوحًا على التأويل. فالحلم هنا لا يعيد تشكيل العلامات فحسب، بل يعيد شحنها بمعنى مقاوم، إذ تتحول الأرض في الحلم إلى فضاء مستعاد، والقرية إلى رمز للثبات، والخيول إلى مدلول الحرية والكرامة، والوجوه القديمة إلى علامات على الاستمرار والتجذّر.
وبذلك يغدو الحلم في السياق الفلسطيني شبكة دلالية معقدة تتفاعل داخل النص مع مستويات السرد الأخرى، لتنتج طبقة رمزية تكشف عمق التجربة الجمعية وتعيد كتابة الواقع من منظور تتجاوز حدوده وتحدياته.
- الحلم كأداة سردية
الحلم ليس مجرد حدث زخرفي، بل عنصر بنيوي يعيد ترتيب الزمن، ويكشف ما يخفى، ويتيح تنوعًا في مستويات القراءة بين الواقع والتخييل.
- الحلم في الأدب الفلسطيني
ويتجلى حضور الحلم بوضوح في أعمال غسان كنفاني، ولا سيما في «رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا»، حيث يظهر الحلم بوصفه مساحة يعاين فيها الفلسطيني ذاته الممزقة، ويواجه الفقد والاقتلاع، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الانتماء والهوية والمصير. الحلم عند كنفاني ليس هروبًا من الواقع، بل كشفًا جذريًا لحقيقته، إذ يكشف ما يخفيه القمع واللجوء من طبقات الوعي.
كما يتجلى الحلم في أعمال جبرا إبراهيم جبرا، وخاصة في (البحث عن وليد مسعود) و(صيادون في شارع ضيق)، حيث يكتسب الحلم أبعادًا فلسفية ونفسية، ويصبح جزءًا من البنية العميقة للشخصيات، ودخولا إلى مناطق الخوف والرغبة والقلق الوجودي… عند جبرا، يمثل الحلم نافذةً إلى الحرية الفردية، وإلى إعادة تشكيل الذات في مواجهة العنف السياسي والاقتلاع الثقافي.
ومع تطور السرد الفلسطيني، اتسعت وظيفة الحلم لتغدو عنصرًا بنيويًا في مشروع إبراهيم نصر الله الروائي، خاصة ضمن مشروع (الملهاة الفلسطينية). ففي أعماله لا يظهر الحلم بوصفه حدثًا عابرًا أو تقنية تزيينية، بل جزءاً من إعادة كتابة التاريخ عبر الذاكرة الداخلية للشخصيات، ومساحةً لإحياء الأرض والقرية والوجوه الغائبة. وهكذا تتحول الأحلام إلى وثائق مقاومة، وإلى طريقة لتوليد سرد موازٍ يواجه سرد الاحتلال، ويعيد تثبيت الهوية الفلسطينية في الواقع والمخيلة معًا.
وعليه، فإن الحلم في الأدب الفلسطيني ليس مجرد عنصر فني، بل هو آلية لاستعادة الوجود الفلسطيني نفسه؛ وجودٌ صودر في الواقع، لكنه يستعاد في الحلم بوصفه فضاءً حرًا يعيد للإنسان أرضه، وتاريخه، وصوته المقموع.
ومن هنا تأتي روايات مشروع «الملهاة الفلسطينية» لإبراهيم نصر الله لتقدّم نموذجًا بارزًا لهذا التوظيف، حيث يُعطي الحلم دورًا محوريًا في بنية السرد، ويصبح وسيلة لإعادة إنتاج التاريخ الفلسطيني من الداخل. وتهدف هذه الورقة إلى دراسة وظيفة الحلم في الرواية، والبحث في كيفية تفاعله مع الذاكرة والهوية والمقاومة، مع التركيز على رواية “زمن الخيول البيضاء” نموذجاً رئيساً.
نبذة مختصرة عن حياة إبراهيم نصر الله وإنجازاته:
ولد إبراهيم نصر الله عام 1954 في مخيم الوحدات بالأردن، هو شاعر وروائي فلسطيني، يعدّ من أبرز الأصوات الأدبية فلسطينيا وعربيا. نشأ في بيئة مخيمات اللجوء؛ ما ترك أثرًا عميقًا على كتابته التي تمزج بين الذاكرة الفلسطينية وتجارب المنفى.
تلقى تعليمه في مدارس وكالة الغوث، ثم عمل في بداية حياته في التعليم بالسعودية لعدة سنوات، قبل أن يعود إلى الأردن ليستقر في عمّان.
عمل لاحقًا في الصحافة واشتغل في مجال تحرير الصفحات الثقافية، ثم عمل مستشارًا ثقافيًا في مؤسسة عبد الحميد شومان لأكثر من عقدين.
يُعد مشروعه الأبرز هو “الملهاة الفلسطينية”، وهو سلسلة روائية ضخمة ترصد مئة عام من تاريخ فلسطين عبر نتاج متعدد الأصوات. نشر أكثر من 20 رواية و15 ديوانًا شعريًا، إضافة إلى كتب في الرحلة والسيرة والمقالة. حصل على جائزة بوكر العربية 2018 عن روايته “حرب الكلب الثانية”، ووصلت عدة أعمال أخرى إلى القوائم القصيرة والطويلة للجوائز العربية والدولية.
تُرجمت أعماله إلى أكثر من 15 لغة، ويُعرف بأسلوب يجمع بين الشعرية العالية والبناء الملحمي، مع حضور قوي للذاكرة والرمز، خصوصًا في سرديات فلسطين.
تعريف برواية (زمن الخيول البيضاء) وعالمها:
رواية “زمن الخيول البيضاء” تمثل قرية فلسطينية زراعية تمتد أحداثها على مدى نصف قرن، من أواخر العهد العثماني إلى فترة ما قبل النكبة… تعكس الرواية الحياة اليومية لأهل القرية، حيث ترتبط الأرض والزراعة والخيول بنسيج الهوية الفلسطينية.
مع مرور الوقت، تتعرض القرية لضغوط متتالية: سطوة العثماني وتداعياتها، والاحتلال البريطاني وعلاقته بالمشروع الصهيوني، وبدايات مصادرة الأراضي وتهجير السكان من قبل الصهاينة.
يواجه السكان تحديات جسدية واجتماعية: الاعتقالات، هدم البيوت، مصادرة الأراضي، قتل الخيول التي تمثل رمزية الكرامة، وتفكيك النسيج الاجتماعي… وفي ظل هذا الواقع، يظهر الحلم ليس بوصفه هروبًا، بل وسيلة للحفاظ على صورة العالم كما كان واستعادة ما فُقد.
الحلم في رواية (زمن الخيول البيضاء)
- الحلم كأرشيف للذاكرة
المشهد: الحلم الذي تراه الأم أو الجدة عن القرية قبل المصادرة وتغير ملامحها؛ فترى الأمُّ البيادرَ ممتدة كما كانت في مواسم الحصاد، والحقولَ خضراء واسعة لا يقطع امتدادها أي سياج أو حاجز… تعود الخيول إلى المراعي القديمة تركض بحرية، وترتفع أصوات الجيران المتعاونين في مواسم الزراعة… الوجوه القديمة للأقارب، والأصوات التي اندثرت، وحتى رائحة التراب الرطب، تعود في الحلم بكامل حضورها، كأن الزمن قد توقّف عند لحظة ازدهار القرية الأولى.
ويعمل الحلم هنا كأرشيف حي، ليس لأنه يستعيد صور الماضي فحسب، بل لأنه يعيد إنتاج العالم الذي تهدّم بسبب المصادرة والاحتلال… إنَّ الحلم في هذا السياق يمثل ذاكرة مضادة للطمس؛ فهو يحفظ التفاصيل التي يُراد لها أن تختفي، ويعيد تشكيل الذاكرة الجمعية من الداخل، فيمنح الشخصية وأهل القرية كلهم، إمكانية التمسك بصورة الذات كما كانت قبل التشويه. وبذلك يتجاوز الحلم حدود الذكريات الفردية ليصبح وثيقة هوية ضدّ المحو.
- الحلم كآلية دفاعية
المشهد: حلم الطفل خالد، الذي فقد والده بسبب الاعتقال والاضطرابات السياسية.
الوصف: يرى خالد والده يسير بين الحقول، يراقب الغيوم، يمسد رؤوس الخيول، ويعتني بالبذور كأنه ما يزال حاضرًا في الزمن نفسه. في الحلم، يتحول الأب إلى راوي حكايات القرية القديمة، يتحدث بخفة، ويضع يده على كتف طفله، ويعيد له صورة الحماية التي حُرِم منها في الواقع.
التحليل: تمثل الأحلام لدى الأطفال آلية نفسية لمواجهة الفقد، وفي الرواية يصبح حلم خالد وسيلة لحماية ذاته الهشة من الاضطراب السياسي. فالحلم يعيد للأب حضوره الرمزي، ويعيد للطفل الشعور بالاستمرارية والارتباط بالجذور. ومن خلال هذه الاستعادة، تُرمّم الروابط الاجتماعية والعائلية التي يحاول الاحتلال تفكيكها. هكذا يتحول الحلم إلى مساحة علاجية غير واعية، تعيد تشكيل الأمان الداخلي وتدعم قدرة الطفل على مقاومة واقع التفكك.
- الحلم ككسر لخطية الزمن
المشهد: حلم شخصية وديع، الذي يرى نفسه طفلاً يركض خلف الخيول، ثم ينتقل فجأة لرؤية نفسه شابًا يقف أمام البيت المهدّم.
الوصف: يبدأ الحلم في مراعي طفولته: خيول بيضاء تركض، ضحكات الأقران، أصوات الأمطار. ثم، بدون مقدمات، يتحوّل المشهد إلى حاضر قاسٍ: بيوت مهدّمة، أراضٍ محروقة، وأطلال تشير إلى الانكسار. الزمن في الحلم لا يسير للأمام، بل يلتف ليضع الماضي والحاضر في نقطة واحدة.
التحليل: يستخدم نصر الله الحلم كأداة لكسر خطية الزمن وإظهار التشظي الذي يعيشه الفلسطيني. فالحلم يفضح التقاطعات بين الماضي المشرق والحاضر المثقل بالخسارة، وهو بذلك يتيح للشخصية إدراك حجم التحولات التي طالت القرية. وبهذا المعنى، يصبح الحلم وسيلة سردية تكشف البعد التاريخي للصراع، وتضع الشخصية في مواجهة زمنين: زمن ما قبل الاحتلال، وزمن ما بعده، حيث يُختزل كل تاريخ القرية في مشهد رمزي واحد.
- الحلم كرمز للكرامة وعلاقته بالخيل
المشهد: حلم أحد الخيّالة بعد مشاهدته ذبح الخيول في الواقع.
الوصف: يظهر الحصان الأبيض في الحلم يركض بخفة عبر السهول، لا يوقفه سياج ولا جندي. ريشة الضوء على جسده، وصهيله الممتد في الفضاء، يشيران إلى انفلاته من كل قيد. يتقدم الحصان نحو الفارس، لكنه لا يصل إليه تمامًا، كأنه يذكّره بما فقده وبما يجب الحفاظ عليه.
التحليل: هنا يصبح الحصان في الحلم رمزًا للكرامة المستعادة، بعد أن انتهكت في الواقع. وفي الثقافة الفلسطينية، تمثل الخيول رمزًا أصيلًا للشهامة والهوية الفلاحية. وعندما يذبحها المحتل، فهو لا يستهدف الحيوان، بل يضرب الرمز ذاته. ولذلك يأتي الحلم ليعيد للحصان حضوره، ويحوّل الفقد إلى مقاومة، ويقدّم للفارس إمكانية استعادة ذاته المقهورة. فالحلم هنا ليس رمزًا فقط، بل فعل مقاومة رمزية يعيد تشكيل معنى الحرية في الوعي الجمعي.
- الحلم كوسيلة لاستعادة الوطن
المشهد: حلم جماعي لأهل القرية، يظهر فيه الجميع في ساحة القرية القديمة، يعيدون ترتيب البيوت والعناية بالأرض كما لو أن الهدم لم يقع.
الوصف: يتجمع الرجال والنساء في الساحة، يحملون أدوات الزراعة، يرفعون الحجارة إلى مواضعها الأولى، ينظفون الآبار، ويعيدون رسم ملامح القرية على الأرض. الأطفال يركضون بين البيوت، والنساء ينشرن الغسيل، ويبدو المشهد كاملًا كأن الاحتلال لم يمر.
التحليل: هذا الحلم الجماعي يعيد تكوين الوطن بصورة رمزية، ويمنح الشخصيات مساحة لتجاوز فقدان المكان. إنّه وطنٌ منسوج من الذاكرة، وليس من الجغرافيا، وطنٌ يُستعاد في اللاوعي حين يُنتزع في الواقع. يمثل الحلم هنا فعلًا جماعياً للمقاومة الرمزية، ويعمل كبديل معنوي للوطن المفقود، مما يرسّخ فكرة أنّ الأرض لا تُستعاد فقط بالسلاح، بل بالذاكرة والخيال أيضًا.
- الحلم كجسر بين الأجيال
المشهد: حلم العجوز أم حسن الذي يظهر فيه الأبناء والأحفاد والأجداد في بيت واحد، رغم أن الحياة الواقعية مزّقت هذا النسق عبر الهجرة والاعتقالات والتهجير.
الوصف: ترى أم حسن البيت العتيق يفتح أبوابه للجميع: الأبناء الذين غادروا، الأحفاد الذين وُلدوا في المنافي، والأجداد الذين رحلوا منذ عقود. يجلس الجميع حول المائدة نفسها، ويتشاركون الطعام والضحك، بينما تهبّ رياح القرية القديمة على شبابيك البيت.
التحليل: هذا الحلم يوحّد الأسرة ككيان رمزي تتجاوز حدوده الزمنية والمكانية. في سياق الاحتلال الذي يفكك الروابط الاجتماعية، يعمل الحلم على إعادة اللحمة بين الأجيال، ويقترح شكلًا من أشكال الاستمرارية التي يحاول الواقع محوها. وهكذا يصبح الحلم جسرًا يربط الماضي بالحاضر، ويعيد للأسرة الفلسطينية نموذجها الأصلي، بما يحمله من تماسك واستمرارية وذاكرة ممتدة.
الوظائف البنيوية للحلم
- كسر خطيّة الزمن وإعادة تركيبه
الحلم في عالم نصر الله ليس خروجًا من الزمن السردي، بل تفجيرًا لبنيته.
في اللحظة التي يبدأ فيها الحلم، ينفتح الزمن كنافذة متعدّدة الطبقات، بحيث تتداخل الأزمنة التالية:
زمن الذاكرة: حيث تستعاد مشاهد الطفولة، القرية قبل الاحتلال، تفاصيل البيوت، أصوات الأجداد.
زمن الصدمة: الحلم يعيد لحظات الهجوم، القتل، التهجير، لكن في صيغة مُعاد إنتاجها وفق منطق اللاوعي.
زمن المستقبل/الاحتمال: تتحقق في الأحلام أحيانًا أمنيات أو نبوءات، مثل عودة الأرض، أو رؤية القرية قائمة كما كانت.
بهذا تتحول الأحلام إلى بنية سردية تسمح للرواية بإلغاء التسلسل التقليدي للزمن، لتنتج سردًا حلقيًا دائريًا ينتمي إلى فلسفة الذاكرة الفلسطينية أكثر من انتمائه إلى المنطق الروائي الكلاسيكي.
- فتح نوافذ للمعرفة وتوليد البصيرة
الحلم ليس حالة هروب بل آلية كشف.
في كثير من روايات نصر الله، لا يدرك القارئ الحقيقة العميقة للمشهد إلا عبر الحلم:
يكتشف الحالم ما لا يراه في اليقظة: خيانة، موت قادم، حقيقة حدث سابق.
تظهر في الحلم قراءة رمزية للواقع السياسي والاجتماعي.
يتحول الحلم إلى وثيقة نبوئية تمنح الشخصيات قدرة على قراءة ما يحدث لها وما سيحدث.
إنه شكل من المعرفة الرمزية التي لا تكشفها الوقائع المباشرة، وهو ما يجعل الحلم مساهمًا بنيويًا في تطوير الحدث، لا مجرد زينة أسلوبية.
- ربط الفرد باللاوعي الجمعي الفلسطيني
أحلام الأفراد في روايات نصر الله ليست شخصية بالكامل، بل هي تعبير عن ذاكرة شعب، فالحلم يعيد إنتاج مشاهد يتشاركها الفلسطينيون: الدار، السهل، البيّارة، الطريق إلى المدرسة، صوت الانفجارات الأولى. حيث تظهر رموز متكررة: الخيول، العصافير، المفاتيح، المطر… وهي رموز تنتمي إلى اللاوعي الجمعي.
وهكذا يتجاوز الحلم التجربة الفردية ليصبح قناة اتصال بين:
الفرد الفلسطيني / ذاكرة القرية/ الذاكرة الفلسطينية الكبرى.
وبالتالي، يصبح الحلم عنصرًا بنيويًا يتيح للرواية الجمع بين الخاص والعام في بنية واحدة.
الوظائف الدلالية للحلم
- رمزية الكرامة وتجليات الخيول
الخيول، خصوصًا البيضاء، تظهر في أحلام نصر الله بكثافة، وهي ليست كائنات تخييلية فقط، بل رموز ثقافية: الخيل رمز الحرية، الفروسية، الشرف العربي.
عودتها حرّة في الحلم تعني أن الكرامة الفلسطينية، وإن سُحقت واقعيًا، لا تزال حيّة في الذاكرة.
سقوطها، جراحها، أو انطلاقها الجامح، كلها علامات على الحالة النفسية للجماعة؛ بهذا يصبح ظهور الخيل في الحلم مؤشرًا دلاليًا على درجة الصمود أو الانكسار.
- استعادة الوطن وبناء البديل الرمزي
الحلم يعيد تشكيل فلسطين في صورتها الأصلية التي مُحيَت: القرية تعود كما كانت قبل الهدم… الأرض تُرى خضراء، والبيوت مكتملة، والماء يجري في الساقية.
الأشياء الناقصة في الواقع ، الشجرة، البيت، الطريق، يتم ترميمها في الحلم.
بهذا يصبح الحلم خريطة مقاومة للزوال، حيث يتحول المخيال إلى:
أرشيف بصري/ وثيقة انتماء/ وطن بديل ريثما يُستعاد الوطن الحقيقي
وهي وظيفة دلالية عميقة في خطاب “الملهاة الفلسطينية”، إذ يواجه الحلم فعل المحو بفعل الاستعادة.
- الحلم بوصفه مقاومة ناعمة مضادة للتاريخ الرسمي، فالتاريخ الرسمي الذي يفرضه الاحتلال قائم على:
سردية الانتصار/ محو الأرض/ محو اسم القرية/ محو الذاكرة/ بينما الحلم يعمل بوصفه سردية مضادة: يستعيد أسماء الأماكن/ يعيد الضحايا إلى الوجود/ يكشف ما غُيّب/ يعيد ترتيب الواقع السياسي وفق منظور الضحية لا الجلّاد.
بهذا يصبح الحلم شكلًا من المقاومة الرمزية التي تقف في وجه الرواية الاستعمارية، ليس بالصوت العالي، بل بإنشاء سرد آخر متجذّر في الوعي الفلسطيني.
الخلاصة :
الحلم في عالم إبراهيم نصر الله ليس مجرّد تقنية جمالية، بل بنية سردية ودلالية تُعيد تشكيل الزمن والذاكرة، وتفتح أفقًا جديدًا للمعرفة، وتربط الفرد باللاوعي الجمعي للشعب الفلسطيني…
عبر الأحلام تُستعاد الكرامة، ويتجسد الوطن المفقود، وتتشكل مقاومة ناعمة تواجه خطاب المحو الاستعماري بإنتاج سردية بديلة للذات والتاريخ”، فالأحلام في رواية (زمن الخيول البيضاء) تتحسد في التالي:
– حلم الأم والأرض: يَظهر الحلم بوصفه أرشيفا للذاكرة وحماية الهوية العائلية.
– حلم الطفل: يعيد ربط الأجيال ويشكل جسرًا نفسيًا بين الحاضر والماضي.
– حلم الخيول: يعيد الرموز الأساسية للكرامة والحرية.
– حلم الجماعة: يوفر مساحة لاستعادة القرية بوصفها هوية مشتركة ووطنا رمزيا حيا.
“الحلم” في روايات إبراهيم نصر الله ليس مجرّد تقنية فنية أو حالة رمزية عابرة، بل هو أحد المفاتيح الجوهرية لفهم عالمه السردي كله – خصوصا في “الملهاة الفلسطينية” وما تفرّع عنها من نصوص.
أولا: الحلم كآلية مقاومة
الحلم عند نصر الله فعل مقاومة ضد الواقع المقموع؛ فحين تنغلق الأبواب أمام الفلسطيني في التاريخ والسياسة، يبقى الحلم هو المجال الوحيد الذي لا تستطيع قوة الاحتلال مصادرته.
في رواية زمن الخيول البيضاء، يتجاوز الحلم وظيفته التقليدية بوصفه استراحة نفسية أو انزياحًا عن الواقع، ليغدو بنية مركزية في تشكيل الذاكرة الجمعية. فالحلم هنا ليس مجرد حدث عابر، بل أرشيف داخلي يحفظ ما عجز الواقع الممزق عن الاحتفاظ به. وفي ظلّ القمع والاقتلاع الذي يتعرض له أهل القرية، يصبح الحلم مكانًا بديلاً للوطن؛ مساحة حرة لا تستطيع سلطة الاحتلال اختراقها أو مصادرَتها.
تعمل الأحلام في الرواية كآليات لاستعادة ما فُقد، فهي تعيد إنتاج الأرض والخيول والوجوه الراحلة عبر صورة رمزية تستعصي على المحو. وكل حلم يحمل محاولة لإعادة تركيب العالم وفق شروط الحرية، لا وفق ما يفرضه العنف الخارجي. ولذلك يشكّل الحلم لدى شخصيات الرواية ملاذًا نفسيًا وجماليًا، يحفظ التوازن الداخلي ويمنح الأبطال قدرة على مواصلة المواجهة. كما أنّ الحلم يسهم في حماية الذاكرة من التشظّي، إذ يربط بين الماضي والراهن من خلال صور متجددة تُستحضَر فيها الأرض ككائن حيّ لا يغيب.
ومن خلال هذه البنية الحلمية، يقدّم نصر الله رؤية تُفكك علاقة الفلسطيني بأرضه: فحتى حين يُنتزع منها جسديًا، يبقى قادرًا على امتلاكها تخييليًا. إنها ملكية رمزية تقاوم المصادرة وتعيد الاعتبار للهوية. وهكذا يغدو الحلم في زمن الخيول البيضاء فعل مقاومة ناعمًا، لا يتجلى في المواجهة المباشرة، بل في القدرة على تخييل وطن لا يُقهر ولو على مستوى الوعي.
- الحلم كبديل للواقع المفقود
الواقع عند نصر الله شديد القسوة، لذلك الحلم يأتي ليُرمّم الخسارة.
الشخصيات غالبًا ترى في الحلم “نسخة مثالية من ما يجب أن يكون”، أي أن الحلم ليس هروبًا بل إعادة خلق للواقع وفق الرغبة الإنسانية.
- الحلم كذاكرة جمعية
نصر الله يربط بين الحلم الفردي والذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.
الشخص الذي يحلم لا يحلم لذاته فقط، بل يحلم نيابة عن أمة بأكملها.
ولهذا، كثيرًا ما نجد أحلام الشخصيات تتقاطع أو تتكرّر بين أجيال مختلفة، في دلالة على استمرارية الوجع والأمل.
- التقنية السردية للحلم
يوظّف الحلم غالبًا بأسلوب واقعي سحري؛ لا يحدّده بوضوح إن كان حلمًا أم يقظة.
هذا الغموض المتعمّد يجعل القارئ يعيش التجربة النفسية ذاتها التي تعيشها الشخصية.
كما أن الحلم يُستخدم لتفكيك الزمن الخطي، وهو الزمن لا يعود إلى الوراء، ولا يقفز إلى الأمام، ولا يلتفّ على نفسه، ويستخدم أيضا لفتح منافذ بين الماضي والمستقبل في لحظة واحدة.
ختاما:
يتضح أن الحلم في “زمن الخيول البيضاء” يشكل بنية أساسية للسرد الفلسطيني، يحفظ الذاكرة، ويعيد إنتاج الأرض والهوية، ويقدّم سردية مضادة للمحو التاريخي. ومن خلال الحلم، تظهر قدرة الرواية على تحقيق المقاومة الرمزية والفكرية حتى في أصعب الظروف، مما يؤكد أن الحلم ليس مجرد أداة جمالية، بل عنصر وجودي في المشروع الروائي لنصر الله.
في عالم إبراهيم نصر الله، الحلم ليس نقيض الواقع بل وجهه الآخر.. هو مساحة الحرية الوحيدة الممكنة، وهو الذاكرة التي ترفض أن تموت.
وفي النهاية، لا بد هنا من إطلاق صرخة مدوية: فلسطين ستبقى فلسطين، فلسطين لن تموت مستذكرين محمود درويش وهو يقول:
على هذه الأرض
سيدةُ الأرض، أم البدايات
أم النهايات.
كانت تسمى فلسطين.
صارت تسمى فلسطين
وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة
المصادر
1. حسن عطية – إبراهيم نصر الله ورواية الملهاة الفلسطينية – دار الآداب.
2. فيصل درّاج – ذاكرة المغلوبين: كتابة التاريخ والرواية الفلسطينية.3
3. إحسان عباس وآخرون – السرد الفلسطيني: دراسات في الرواية الفلسطينية المعاصرة.
4. محمد عبدالله القواسمة – الرواية الفلسطينية المعاصرة: قراءة نقدية.
5. عبد الرحمن بسيسو – الرواية الفلسطينية وتاريخ المكان.
6. الحلم في روايات إبراهيم نصر الله – دراسة بنيوية دلالية/ (رسالة ماجستير – جامعة اليرموك، الأردن).
7. البناء السردي في مشروع الملهاة الفلسطينية/ (رسالة ماجستير – جامعة القدس المفتوحة).
8. الرمز والدلالة في روايات إبراهيم نصر الله/ (رسالة ماجستير – جامعة الجزائر).
9. شرف الدين ماجدولين – مقال: جماليات السرد التاريخي في زمن الخيول البيضاء – مجلة فصول. (دراسة)
10. سميحة خريس – دراسة منشورة في مجلة الآداب حول بنية الشخصيات في الرواية.
11. سيغموند فرويد – تأويل الأحلام.
12. كارل يونغ – الرموز والأحلام –.