يُشكّل صدور كتاب «أميري بركة ـ مختارات شعرية» عن دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع (2025)ترجمة صادق رحمة محمد، حدثا ثقافيا في المكتبة العربية. فالأمر لا يتعلّق فقط بنقل نصوص شاعر أمريكي أسود إلى لغة الضاد، بل بفتح نافذة على وعيٍ شعريٍّ ثوريٍّ تتشابك فيه السياسة بالاحتجاج، والثقافة السوداء بحركات التحرر العالمي. هنا لا يطلّ أميري بركة 1934 ـ2014 كشاعر عابر، بل كأيقونة ثقافية جسّدت وجدان المهمّشين في قلب الإمبراطورية الأمريكية، ورفعت القصيدة إلى مقام السلاح.
شاعر يقاتل بالكلمات
لم يكن بركة شاعرا مهادنا، أو متأملا في أبراج عاجية، بل كان صوتا متمرّدا ارتبط اسمه ارتباطا عضويا بحركة الفنون السوداء، التي ازدهرت في منتصف الستينيات، لا سيّما بعد اغتيال مالكوم إكس عام 1965، كامتداد ثقافي لحركة الحقوق المدنية، وكدعوة صريحة لجعل الأدب والفن أدواتٍ للتحرر والمقاومة. وقد عبّر بركة عن هذه الرؤية بوضوح قاتل حين كتب:
“نريد قصائد تقتل..
قصائد تغتال،
قصائد تطلق العيارات النارية..
قصائد تقاتل”
هذا ليس استعارة بلاغية، بل إعادة تعريف جذرية لوظيفة الشعر: أن يتحوّل النص إلى جسد قتالي، ينبع من الهامش ليواجه البنية العنصرية والطبقية التي تسند النظام الإمبراطوري الأمريكي.
الجاز كميتافيزيقا شعرية
تتّسم قصائد بركة بانغماس عميق في الموسيقى السوداء، لاسيّما البلوز والجاز، لكن العلاقة لا تتوقّف عند الإيقاع أو الإلهام، بل تمتدّ إلى بناء ميتافيزيقا شعرية موسيقية، حيث يصبح الصمت، والصرخة، والانقطاع جزءا من البنية الدلالية.
في قصيدته «Ka’Ba»، نقرأ:
“نحن شعب جميل
ذو خيال إفريقي
زاخر بالرقصات والأقنعة والهتافات الرنانة”
هنا، الموسيقى ليست زينة، بل لغة بديلة لفهم الكون. القصيدة تتحوّل إلى عزف ارتجالي، حيث تعمل الوقفات والصرخات كإيقاعات الساكسفون. إنها كتابة ـ موسيقى تعيد الاعتبار إلى الجسد الأسود كذاكرةٍ وصوتٍ وتاريخ.
الشعر كمسرح احتجاج حيّ
أكثر ما يميّز بركة أن قصيدته ليست موجّهة للنخبة، ولا معدّة للقراءة الصامتة في غرف مغلقة، بل هي مسرح احتجاجٍ حيّ، تُلقى بصوتٍ عالٍ، وتُجابه الجمهور مباشرة. في نصّه الأشهر بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، «شخص ما فجّر أمريكا»، يحوّل الشاعر القصيدة إلى محكمة شعرية قائمة على الاستجواب المتكرر:
“من يصنع عجينا من الخوف والأكاذيب؟
من يريد العالم مثلما هو؟
من يريد أن تحكم
الإمبريالية والاضطهاد العالم
القومي والإرهاب والعنف والجوع والفقر”؟
هنا، لا تطلب الأسئلة إجابات، بل تُفكّك السردية الرسمية، وتحاصر القارئ بوقعها الإيقاعي والسياسي. نحن أمام نصّ لا يُريد تفسيرا، بل كشف البنية الخفية للسلطة.
القصيدة كأرشيف دموي: من مالكوم إكس إلى لومومبا
أثارت قصائد بركة جدلا واسعا، بسبب لغتها الحادة ومواقفها السياسية الجذرية. ففي قصيدته «من قتل مالكولم إكس؟» يكتب:
“الأشخاص أنفسهم الذين قتلوا
كينيدي
وكينغ
وبوبي
وفريد هامبتون
الأشخاص أنفسهم الذين أطلقوا النار على لومومبا
وكابرال.. القاتل نفسه”
لا نجد هنا رثاء عاطفيا، بل محاكمة للتاريخ. القصيدة تصبح أرشيفا دمويا يربط سلسلة من الاغتيالات ـ من مالكوم إكس إلى باتريس لومومبا وآميْل كابرال ـ بخيط واحد: النظام الإمبريالي العالمي، ويُظهر بركة كيف أن القتل السياسي ليس حوادث منفصلة، بل جزء من آلة قمع مترابطة.
الشعر كمساحة للهشاشة والمقاومة الوجودية
بعيدا عن الصورة النمطية للشاعر الثوري، الذي يواجه العالم بسلاح اللغة فقط، يكشف لنا بركة في قصيدته «مقدمة لرسالة انتحار من عشرين مجلدا» عن مساحة شعرية أكثر حميمية وهشاشة. هنا لا نجد الشاعر المحارب، بل الإنسان الذي تواجهه التفاصيل اليومية البسيطة كتهديد وجودي. ففي هذه القصيدة، يقدّم بركة استعارة مقلقة للعزلة والاغتراب، حيث يكتب:
»اعتدت
مؤخرا على انفراج
الأرض الذي يطوقني
كلما خرجت لأمشي مع الكلب.
أو الموسيقى السخيفة ذات الحواف العريضة التي
تصنعها الريح حين أركض صوب الحافلة»
«انفراج الأرض» الذي يطوق الشاعر ليس سورا ماديا، بل هو حاجز نفسي يصاحب أبسط الأنشطة اليومية، مثل المشي مع الكلب أو الركض نحو الحافلة، حتى الريح، التي ينبغي أن تكون مصدرا للانتعاش، تتحول إلى «موسيقى سخيفة ذات حواف عريضة»، ما يعكس تشويه الشاعر لإدراكه الحسي، تحت وطأة الضيق النفسي. هذه ليست لغة الاحتجاج السياسي المباشر، بل هي لغة المقاومة الوجودية، حيث يصبح الشعر وسيلة لتوثيق الانهيار الداخلي والتصالح مع الهشاشة الإنسانية في مواجهة عالم يتحول إلى فخ يومي.
من هارلم إلى فلسطين: مقاربة عربية مقاومة
من هارلم إلى فلسطين، تمتد رؤية بركة في الوعي العربي، كصوت يلتقي مع شعر المقاومة من درويش إلى النواب، إذ يكتب من قلب المركز الإمبراطوري ضد منطق الهيمنة ذاته الذي واجهه الشعر العربي من الخارج.
صعوبات الترجمة وإنجاز المترجم
يواجه مترجم شعر بركة تحديات جمة، أبرزها:
*استخدام بركة للهجة الأمريكية الافريقية، بما تحمله من ثقل ثقافي واجتماعي.
*جرأته اللغوية، واشتغاله على الإيقاعات الموسيقية المستمدة من الجاز والبلوز.
*طابعه التحريضي المباشر، الذي يرفع التلميح إلى مستوى التصريح.
لكن صادق رحمة تعامل مع هذه التحديات بوعي وحساسية فائقة. فقد حرص على نقل النص بأمانة، مع مراعاة الخصوصية الثقافية للقارئ العربي، دون أن يخون روح النص الأصلي. وهو إنجاز يستحق الإشادة، خاصة في نصوص مثل «مقدمة لرسالة انتحار من عشرين مجلدا» و»تطوير السيدة الميتة»، حيث يمتزج الغضب بالجمال، والواقع بالرمز.
الترجمة كفعل مقاومة معرفية
ما يميّز جهد صادق رحمة أنه لا يكتفي بنقل نصوص أميري بركة، بل يعيد إنتاجها في الوعي العربي، بوصفها فعلا من أفعال المقاومة الثقافية. فالترجمة هنا ليست جسرا لغويا، بل انحيازٌ فكري ومعرفي إلى جانب المهمَّش والمقموع. إنها تُضيء تحولات بركة الفكرية، من القومية السوداء إلى الماركسية الثورية، ومن النضال المحلي إلى قضايا التحرر العالمي، لاسيما قضية فلسطين التي تظل رمزا عالميا للمقاومة. وهكذا تتحول الترجمة إلى صرخة عبر اللغة، لا تقل اشتعالا عن القصيدة الأصلية. فكتاب أميري بركة «مختارات شعرية» ليس مجرد أنطولوجيا شعرية، بل فعل وعيٍ مقاومٍ يعيد تقديم شاعر عالمي بوصفه جزءا من الأدب الإنساني المتمرد على السلطة، أينما كانت.
إنها تجربة تذكّرنا بأن الشعر، كما الترجمة، يمكن أن يكون رصاصة ومرآة في آنٍ واحد: يفضح، ويقاوم، ويكتب بدمه تاريخا آخر.