تسعى هذه الدراسة التي نقترح ترجمتها العربية، إلى الاقتراب من بعض سمات وتمثيلات الكتابة السردية للشاعر الأردني الراحل أمجد ناصر، الذي تحل في متم هذا الشهر الذكرى السادسة لرحيله. وتركز الكاتبة آنا ماريا بيانكو، التي تعمل أستاذة في جامعة مارسيليا الفرنسية اشتغالها النقدي على رواية «حيث لا تسقط الأمطار» التي صدرت في طبعتها الأولى عام 2010 عن دار الآداب البيروتية. وقد تمثلت الأطروحة الرئيسية لهذه الدراسة في اعتبار رواية «حيث لا تسقط الأمطار» تخييلا سرديا لسيرة أمجد ناصر وتجربته في المنفى، والعودة إلى الأردن. وقد نشرت الدراسة في مجلة «العالم الإسلامي والبحر الأبيض المتوسط».
النص:
يبدو استعراض الأحداث الرئيسية، والأكثر أهمية في حياة أمجد ناصر بمثابة عتبة لا محيد عنها لفهم روايته «حيث لا تسقط الأمطار»، التي يقوم في سياقها بتفكيك الدعائم الثلاث المشكلة للهوية الوطنية الأردنية: الدين والوطن والملكية. وبعد فحصنا للمعطيات الأسلوبية التي توسل بها الكاتب بغرض تفكيك هذه الثلاثية، سوف نركز اشتغالنا على الدلالات التي تكتسبها تجربتا المنفى، والعودة إلى مسقط الرآس في النص السردي، ثم نختتم بإبراز الكيفية التي يتجلى فيها الفضاء الأدبي بوصفه مكانا رمزيا، نؤسس انطلاقا منه انتماء جديدا بمعزل عن الحدود المعروفة للوطن..
ولد أمجد ناصر، وهو الاسم المستعار ليحيى النعيمي النميرات، في قرية طرة في حضن أسرة من البدو، احترفت العمل العسكري. وقد ترعرع أمجد في سياق محافظ، لم يكن فيها الولاء للسلطة المركزية ابدا موضع مساءلة. كان أبوه وجده ضابطين في الجيش الأردني، وكان أمجد نفسه منذورا للمصير نفسه. غير أنه شرع منذ دخوله إلى الثانوية في مدينة الزرقاء، التي شكّلت بمعية إربد وجرش أحد معاقل العمل الفدائي في الأردن، في كتابة الشعر والاهتمام بالسياسة والنضال في صفوف حزب الشعب الأردني، المقرب من منظمة التحرير الفلسطينية. وقد قدم باطراد دعمه للكفاح الفلسطيني المسلح، ورفضه لانفتاح الملك حسين على إسرائيل وقمعه لمنظمة التحرير. وفي غمرة أحداث سبتمبر (أيلول الأسود) عام 1970 سوف يشن الملك حسين هجمات عسكرية بقصد تخليص المملكة من المقاتلين الفلسطينيين. وسبنجو مرارا من الاغتيال، فيما لم يسعف الحظ الوزير الأول وصفي التل، الذي لقي مصرعه عام 1971. وسوف يضاعف الملك حسين من حدة القمع بفرض القوانين العسكرية السارية المفعول منذ 1957. وقد اضطر أمجد بتأثير ذلك إلى مغادرة الأردن عام 1977 والالتحاق بلبنان الذي التجأ إليه الفدائيون بعد طردهم.
واصل أمجد في بيروت نضاله وشرع في خوض تجربته في الصحافة والشعر، محدثا بهذا الصنيع ثورة في المستويين السياسي والأدبي. وقد نشر في تلك الفترة ديوانه الثاني «منذ جلعاد كان يصعد الجبل» عام 1981 الذي كرسه بوصفه أبرز رموز قصيدة النصر. وخلال سنوات المنفى هذه سيمضي أمجد بضع سنوات في عدن بقصد دراسة العلوم السياسية، وسيتشبع هناك بالأفكار الماركسية اللينينية التي أسهمت في ظهور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي تبنت موقفا نقديا جذريا حيال الأيديولوجية القومية العربية، وأنماط استغلال الأنظمة ما بعد الكولونيالية.
مثّل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 نقطة اللاعودة بالنسبة لهذه الحركة الثقافية والسياسية، وأسهمت في تقويض «الآمال الثورية» لهولاء المناضلين المنتمين إلى ما أصبح يعرف بجيل الستينيات، وسوف يغادر ناصر بيروت في اتجاه قبرص التي كانت محطة إجبارية للمثقفين العرب المنفيين، خلال تلكم السنوات. وسوف يقود تفاقم الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط الشاعر إلى الانتقال إلى أوروبا والاستقرار في لندن عام 1987حيث تولى الإشراف على الصفحات الثقافية لجريدة «القدس العربي» والاستمرار في الكتابة. وسيحظى في لندن باعتراف دولي بفضل الترجمات المتعددة لأعماله الشعرية والسردية. وعلى الرغم من وقف العمل بحالة الاستثناء عام ١٩٨٩ والإعلان عن التحول الديمقراطي في عهد عبد الله الثاني، فإن الشاعر لم يقرر إطلاقا العودة للعيش نهائياً في الأردن والاكتفاء ببعض الزيارات المتباعدة. تمثل روابة «حيث لا تسقط الأمطار» وصية روحية سابقة لأوانها يخوض في سياقها الشاعر تفكيرا عضويا حول الماضي، ويدرج في سياقها بقوة، المعطى السياسي. وسوف يختار أمجد لروايته اللغة المجازية ذاتها التي يوظفها في شعره والتي سيدفع بها الى منتهاها في عمل هجين، يقع في ملتقى السيرة الذاتية الغيرية والتخييل الحدسي. يتأطر الحكي في خانة الرواية المفتاح وهو نوع أدبي يجري في سياقه حجب الأحداث والشخصيات التاريخية الحقيقية خلف حجب ملغزة يتعين على المتلقي الخلوص إليها من خلال تأويل القرائن المبثوثة في النص.
يستعرض الكاتب شبابه وسنوات المنفى عبر وسيط الأنا الآخر المتمثل في أدهم جابر. ويتميز الكون الذي يعبر به السارد بجغرافيا بديلة، تجري في سياقها إعادة تسمية كل مكان مخزّن في ذاكرة الكاتب، وفق منطق يحيل على الأسرة، ويكشف التطابق الموجود بين الواقع والتخييل، وتضفي في الآن نفسه حمولة رمزية أرحب على الاحداث المسرودة. وهكذا تتحول بيروت ما قبل الاجتياح الإسرائيلي إلى «المدينة المطلة على البحر»، ثم لاحقا «مدينة الحصار والحرب» فيما تصبح قبرص «جزيرة الشمس» والخليج إلى «بلاد النخيل والنفط» وبغداد إلى «مدينة السندباد».
يصاحب المظهر الغنائي للأسماء كرونولوجيا متفجرة تتضمن ثلاثة مستويات زمنية: المرحلة التي تسبق الرحيل القسري للبطل ومرحلة سنوات المنفى، ثم مرحلة العودة الى البلاد. وتغطي هذه المراحل نصف قرن من تاريخ الشرق الأوسط فقد خلالها حلم القومية العربية حمولته الثورية، مفسحاً المجال أمام انحسار الوهم. ويلقي هذا الإحساس بوطاته الثقيلة على كل الرواية. ونجد إثر ذلك في كلام السارد يونس الخطاط وهو «الأنا» الشاب، البطل والمناضل في منظمة يسارية متطرفة، والمتهم بمحاولة اغتيال الديكتاتور، التي اضطرته للجوء إلى المنفى. حاول أدهم جابر التخلص من هذا الماضي الثقيل بتغيير هويته والتفرغ كلية بعد رحيله للكتابة. وسينبعث يونس من جهته بقوة أعماق لا وعي الكاتب بمجرد حلوله في مسقط رأسه وسيخوض معه حوارا داخليا باستعمال ضمير «أنت» الذي يتجلى بوصفه غوصا مضنيا في الماضي.
يقرر أدهم جابر الذي اشتهر بوصفه صحافيا وشاعرا عربيا مرموقا، الاستفادة من العفو الذي أصدره ملك البلاد الجديد على المثقفين المعارضين والعودة إلى وطنه بعد عشرين سنة من المنفى، كي يبحث فيه وهو ما يثير المفارقة عن الأمان. يحاول البطل الإفلات من وباء الكوليرا، الذي عصف بالمدينة الرمادية والحمراء التي يقيم فيها، والتي أصبحت نهبا للفوضى، والتي يذكّر اسمها بالمخادع التلفونية المميزة للندن وسمائها الرمادية باطراد. ويجري في المقابل تقديم الوطن الأصلي لأدهم جابر بوصفه المكان الذي لا تسقط فيه الأمطار. بيد ان الاسم الحقيقي لهذا المكان هو «الحامية». والسارد الذي يلح بالنسبة للقارئ على اعتبار الحامية مكانا حقيقيا، يفسر بالفعل ان البلاد لم تكن في الأصل غير قلعة صغيرة من الصخر الأسود البركاني، الذي يميز مناطق مختلفة من الأردن الذي تحكمه أسرة عسكرية.
تجري الإشارة إلى الصقر الذي يزين أسلحة الجيش الهاشمي بوصفه أحد الرموز الوطنية للحامية. ويجري تثبيته على القبعات العسكرية ذات اللون الأخضر الزيتوني، وتتحول إلى مجسمات وتماثيل في الشوارع. كما أن وصف طريقة عمل مؤسسة الأمن الوطني التي يذكّر اسمها بمنظمة الأمن الوطني الأردنية، لا يمكنها إلا الإحالة بشكل أوفر إلى البلاد. ويعرف أميرها باسم الحفيد، فيما يعرف أسلافه باسم الأمير الابن والأمير المؤسس، وحيث أن الملك في الأردن هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإننا نجد ذواتنا والحالة هذه حيال صورة كاريكاتيرية بالكاد للملك حسين حفيد الملك عبد الله الأول.