حبيبة المحرزي كاتبة وناقدة تونسية، متخرجة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمنوبة، كرّست مسيرتها للإبداع الأدبي والاشتغال النقدي، فجمعت بين الكتابة الروائية والقصصية والسيرة الذاتية، وبين الدراسات النقدية التي تناولت الشعر والقصة والرواية، إلى جانب اهتمامها بالنقد الفني في مجال الفنون التشكيلية، وقد تميز مشروعها الأدبي بالتنوع في الأجناس الأدبية، وبالانشغال بأسئلة الإنسان والمرأة والمجتمع، مع حرص واضح على الجمع بين الحس الإبداعي والرؤية النقدية.
بدأت تجربتها الروائية برواية «الوزر» الصادرة عن دار الأطلسية للنشر سنة 2000، ثم واصلت مسيرتها برواية «سبع لفتات» التي صدرت عن دار وشمة سنة 2020، قبل أن تصدر في طبعة ثانية عن دار خريف للنشر سنة 2025، وهو ما يعكس استمرار حضورها لدى القراء، كما أصدرت رواية «كفارة… الحبس للنساء» عن دار نقوش عربية سنة 2023، والتي تستعد للصدور في طبعة ثانية، تلتها رواية «حلم… في جسدي» عن دار خريف للنشر سنة 2025، وهي الأخرى في طريقها إلى طبعة ثانية، ثم روايتها «فهل كنت نذلًا؟» الصادرة عن دار خريف للنشر سنة 2026.
وفي مجال السيرة الذاتية، أصدرت كتاب «وقلت كل شيء» عن دار نقوش عربية سنة 2024، وهو عمل يستحضر محطات من التجربة الإنسانية والإبداعية في قالب يجمع بين الاعتراف والتأمل، كما أصدرت مجموعتين قصصيتين، الأولى «قرار أخرس» عن دار النخبة بجمهورية مصر العربية سنة 2019، والثانية «شيطان وحجاب» عن دار خريف للنشر سنة 2025، والتي لاقت إقبالًا تُوِّج بصدور طبعتها الثانية سنة 2026، إلى جانب تجربتها الإبداعية، تواصل حبيبة المحرزي حضورها في الساحة الثقافية العربية من خلال مشاركاتها في الندوات والملتقيات الأدبية، وإسهاماتها في كتابة الدراسات والقراءات النقدية، فضلًا عن اختيارها محكِّمة في عدد من المسابقات العربية المتخصصة في الرواية والقصة والشعر والقراءات النقدية والفنون التشكيلية، مستفيدة من خبرتها الأدبية والنقدية في تقييم الأعمال الإبداعية، بما يعكس مكانتها في المشهد الثقافي العربي ويؤكد حضورها بوصفها صوتًا يجمع بين الإبداع والنقد.
وهذا نموذج من قصائدها:
متاهات هناك
تتفرق الغيمات
تخاتل الروح الكسيحة
تغلف جروحي
فأعتصر خمري
من أوجاع عمري المنفية
في غياهب مرثية
ثكلى
رياح ترسم ألحان طقطقة اللهب
تراقص مراكبي بدخان
يلاحق أشرعتي التائهة
خلف البراري القصية
زنابق سوداء
متاهات هناك
وهنا
وفي الوريد
وبين نبضات قلبي
تجرّ القهر وشذرات الغضب
مباركة لوعة سنديانة
تتمدّد عارية
مرتجفة
مرتدّة
تنتظر الجلد
أو الوأد
سيّان
أو هما سواء
تنتهي الأحجية
تحت الرماد وفوق اللهب
سجينة
رهينة
بين برزخ
وجبل يعلن العصيان
مغلقاً منافذ الهرب
لتخنق الوردة الشذية
ويهوي صرح
كل محب
بين قضبان الندم
محنّطاً من عهد فرعون وثمود
وآدم
وإبليس
ومعهم حواء
بسمّ تفاحة
مغلفة
ترمي شباكاً ألغاماً
على فؤاد مكلوم
يساومه العدم
يدعوه إلى نزال
فوق القمم
بتحكيم
كواسر
وجوارح
تقمع انطلاقة زهرات الحرية
في يوم غائم
بدموع
بلون الدماء
وضحكات ولدت ميتة.
تُعدّ قصيدة «متاهات هناك» نصاً نثرياً مشبعاً بالرموز والإيحاءات، تنسج فيه عالماً قاتماً تتداخل فيه المعاناة الذاتية مع الهم الإنساني، فتتحول التجربة الشخصية إلى رؤية فلسفية تتأمل الوجود وما يكتنفه من ألم وضياع وصراع دائم بين الأمل واليأس، ومنذ السطر الأول تهيمن أجواء الانكسار، إذ إن تفرق الغيمات يوحي بتبدد الرجاء، وكأن السماء نفسها رفضت منح الروح ما تنتظره من مطر الخلاص، ثم تأتي عبارة «تخاتل الروح الكسيحة» لتصور الروح ككائن أنهكه التعب، وهو يجد نفسه عرضة للخداع والتقلبات.
وتتعمق هذه الرؤية عندما تقول: «فأعتصر خمري من أوجاع عمري المنفية»، حيث يتحول الوجع إلى مصدر للخلق الشعري، ويصبح الألم مادةً يُستخلص منها المعنى، تماماً كما يُعتصر العنب ليصبح خمرا، وهي استعارة للخبرة الإنسانية التي لا تولد إلا من الاحتراق الداخلي، أما وصف العمر بالمنفي، فيحمل دلالة الاغتراب، وكأن الحياة نفسها أصبحت بعيدة عن موطنها الطبيعي، تعيش في عزلة عن الفرح والاستقرار.
وتتوالى الصور الحركية لتصنع فضاءً مضطرباً؛ فالرياح ترسم ألحان طقطقة اللهب، فتتداخل الحواس في مشهد تتلاقى فيه الأصوات مع النار، بينما تظل المراكب تائهة يطاردها الدخان، فلا ترى طريقها نحو الشاطئ، وهذه الرحلة البحرية ليست سوى رمز لمسيرة الإنسان في الحياة، حيث يظل يبحث عن مرفأ للأمان، لكن الطريق يزداد غموضاً كلما ظن أنه اقترب من النجاة.
ثم تأتي صورة «زنابق سوداء» لتشكل مفارقة جمالية لافتة، فالزنبق في الوعي الإنساني رمز للنقاء والصفاء، غير أن اقترانه بالسواد يقلب دلالته، فيصبح رمزاً للجمال الذي أفسدته الأحزان، أو للبراءة التي غمرها الألم حتى فقدت لونها الأول، ومن خلال هذه المفارقة تؤكد الشاعرة أن الأشياء أصابها التشوه بفعل القهر.
ويمثل عنوان القصيدة مفتاحاً لقراءتها، فالمتاهة تمتد إلى الداخل حين تقول: «وهنا… وفي الوريد… وبين نبضات قلبي». وهنا تنتقل المتاهة من الفضاء الخارجي إلى أعماق الذات، فيغدو الضياع حالة وجودية لا يستطيع الإنسان الفرار منها، لأنها تسري في دمه وتسكن نبضه، وهذا الانتقال يكشف أن مصدر المعاناة ما يعتمل داخل النفس من صراعات وأسئلة لا تجد جواباً.
وتبلغ القصيدة مرحلة أكثر قسوة عندما تجسد اللوعة في هيئة سنديانة شامخة، لكنها في الوقت نفسه عارية ومرتجفة ومنكسرة، تنتظر الجلد أو الوأد، وكأنها فقدت حقها في الحياة، وهي صورة تكشف مفارقة مؤلمة؛ فالسنديانة رمز القوة والثبات، لكنها هنا تتحول إلى كائن هش ينتظر مصيره، مما يعكس قدرة القهر على إسقاط أكثر الكائنات صلابة.
وعندما تقول الشاعرة: «تنتهي الأحجية تحت الرماد وفوق اللهب»، فإنها ترسم مشهداً يجمع بين النقيضين؛ فالرماد يرمز إلى النهاية، واللهب يرمز إلى استمرار الاحتراق، وكأن الإنسان محكوم بأن يعيش بين موت لم يكتمل وعذاب لا ينتهي، ثم تضيف صورة «بين برزخ وجبل يعلن العصيان»، لتجعل الذات معلقة بين عالمين، لا تستطيع العودة إلى الماضي ولا الوصول إلى المستقبل، فيتحول البرزخ إلى مساحة انتظار وجودية يثقلها القلق.
وتزداد الرؤية اتساعاً باستحضار شخصيات دينية وتاريخية مثل فرعون وثمود وآدم وإبليس وحواء، وهي شخصيات تأتي على سفينة التناص لتشير إلى أن الظلم والخطيئة والإغواء والصراع بين الخير والشر وقائع متكررة في التاريخ الإنساني، ففرعون يرمز إلى الاستبداد، وثمود إلى مصير الطغيان، وآدم وحواء إلى بداية التجربة الإنسانية، وإبليس إلى غواية الإنسان وإغرائه بالانحراف، وبهذا الاستدعاء تربط الشاعرة بين مأساتها الخاصة والمأساة الكبرى التي رافقت الإنسان منذ بدء الخليقة، أما «تفاحة السم» فهي إعادة تشكيل لرمز التفاحة الأولى، لكن الشاعرة تضيف إليها السم لتؤكد أن الإغواء صار يحمل في داخله بذور الفناء، ثم تتحول هذه الخطيئة إلى «شباك ألغام» تُلقى على قلب مكلوم، فيصبح القلب محاصراً من كل الجهات، لا يملك سوى مواجهة العدم الذي يساومه ويستدرجه إلى معركة غير متكافئة،
وفي المقطع الأخير تبلغ القصيدة ذروة مأسويتها، إذ تتعرض زهرات الحرية للقمع على يد الكواسر والجوارح، فتتحول الحرية إلى زهرة يانعة تُسحق قبل أن تتفتح. وتختتم الشاعرة نصها بصورة بالغة التأثير حين تقول: «وضحكات ولدت ميتة»، وهي صورة تختزل فلسفة القصيدة بأكملها، لأن الفرح فيها لا يموت بعد أن يولد، فهو يولد ميتاً، في إشارة إلى عالم فقد القدرة على إنجاب السعادة.
وهكذا تقدم قصيدة «متاهات هناك» رؤية شعرية عميقة تتجاوز حدود البوح الشخصي إلى التأمل في الوجود الإنساني، حيث يصبح الإنسان أسير متاهات لا تنتهي، تحاصره الذاكرة، ويثقله التاريخ، وتطارده الخطيئة، وتخنقه السلطة، لكنه يظل يقاوم بالصورة الشعرية وباللغة التي تحول الألم إلى جمال، واليأس إلى فعل إبداعي قادر على كشف مأساة الإنسان في أكثر صورها عمقاً وكثافة.