لَا تَزُرْنِي ..
أكْرَهُ الزِّيَارَات تَحْتَ قِناعِ المُفَاجَأََةِ ..
لَا تَزُرْنِي …
رَجَاءً،
لَا تَزُرْنِي ،
اتْرُكْ لِلْبَابِ عُتْمَتَهُ،
فَفِي الْعَتْمَةِ وَحْدَهَا
تَتَعَرَّى الْأَشْيَاءُ
مِنْ أَقْنِعَتِهَا ..
لَا تَأْتِ
بِمَوْكِبِ بِصَفَّاراتِ الشُّرْطَةِ،
وَلَا بِعَصَافِيرِ الْمِيكْرُوفُونَاتِ،
وَلَا بِرِجَالٍ يَزْرَعُونَ التَّصْفِيقَ
فِي أُصُصِ الشُّرُفَاتِ ..
لَا تَمْلَأِ الشَّارِعَ
بِمُخْبِرِينَ يَأْكُلُونَ الْهَوَاءَ،
وَلَا بِحُرَّاسٍ يُطَارِدُونَ ظِلِّي
كَيْ لَا يَهْرُبَ
مِنْ صُورَتِي ..
لَا تَأْتِ
بِمَنْ اسْتَدْعَى الْوَالِي
لِيُلَوِّحَ بِيَدِهِ الثَّقِيلَةِ،
فَالْمَدِينَةُ تَعْرِفُ
أَنَّ بَعْضَ الْأَيْدِي
لَا تُصَفِّقُ…
بَلْ تَعُدُّ الْخَسَائِرَ ..
لَا تَزُرْنِي
لَا عَلَنًا،
حَيْثُ تُذْبَحُ الْحَقِيقَةُ
أَمَامَ الْكَامِيرَاتِ،
وَلَا سِرًّا،
حَيْثُ تَنَامُ الصَّفَقَاتُ
تَحْتَ وِسَادَاتِ الْمُجَامَلَاتِ ..
لَا تُسَوِّقْ وَجْهَكَ
فَوْقَ جُرُوحِي،
فَأَنَا لَسْتُ جِدَارًا
تُعَلَّقُ عَلَيْهِ
مُلْصَقَاتُ قَلِيل انْتِصَارَاتِكَ ..
فَمَا أَكْثَرَ مَا كُتِبَ
عَلَى جُدْرَانِ الْقُصُورِ
مِنْ قَصَائِدَ فِي الْمَجْدِ،
وَمَا أَكْثَرَ مَا كُتِبَ
فِي دَفَاتِرِ الْمَحَاكِمِ
مِنْ قَضَايَا لِمَنْ قَالَ: لَا،
تِلْكَ إِنْجَازَاتُكَ الْخَفِيَّةُ :
طَوَابِيرُ مِنَ الْمَلَفَّاتِ،
وَغُرَفٌ تَحْفَظُ أَصْوَاتَ الرّافِضين،
وَقُرُونٌ مِنَ السُّجُونِ
تَمْتَدُّ كَأَنْهَارٍ سَوْدَاءَ
تَحْتَ أَقْدَامِ الْمَدِينَةِ ..
كُلُّ مَنْ فَكَّرَ
أَنْ يَرْفَعَ حَرْفًا،
كُلُّ مَنْ حَاوَلَ
أَنْ يَفْتَحَ نَافِذَةً
فِي جِدَارِ الصَّمْتِ،
يَجِدُ ظِلًّا طَوِيلًا
يَنْتَظِرُهُ
فِي آخِرِ الْمَمَرِّ ..
أَنَا الشَّارِعُ
حِينَ يَخْلَعُ حِذَاءَ الْخَوْفِ،
أَنَا النَّافِذَةُ
الَّتِي كَسَرَتْهَا الرِّيحُ
وَلَمْ تَدْخُلْ مِنْهَا رَايَاتُكُمْ ..
فِي جَيْبِي
بَقَايَا وَطَنٍ صَغِيرٍ،
وَفِي حَلْقِي
أَصْوَاتُ الَّذِينَ
لَمْ يَجِدُوا مَقْعَدًا
فِي صُوَرِكُمْ ..
لَا تَزُرْنِي
دَعِ النَّعْشَ الْقَدِيمَ
يُعَلِّمُ الْأَرْضَ الْكَلَامَ،
وَدَعِ الْأَشْجَارَ السَّوْدَاءَ
تَكْتُبُ أَسْمَاءَ الْعَابِرِينَ
عَلَى أَوْرَاقٍ مِنْ رَمَادٍ ..
لَا تَأْتِ
فَأَنَا لَا أُرِيدُ
قُبْلَةً عَلَى الْجَبِينِ
و لَا لَمْسًا مِنْ يَدٍ
كَانَتْ أَمْس
تُحْصِي عَدَدَ الْجُدْرَانِ
الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَصْمُتَ ..
فَقَدْ تَعِبَتِ الآذَانُ
مِنْ حِفْظِ خُطَبِكُمْ،
وَتَعِبَتِ النَّوَافِذُ
مِنْ مُرَاقَبَةِ الْمَوَاكِبِ
الَّتِي تَمُرُّ فَوْقَ فَقْرِ النَّاسِ
كَأَنَّ الْفَقْرَ
سَجَّادَةٌ حَمْرَاءُ ..
فِي الْحَيِّ عَجَائِزُ
يَعْرِفْنَ أَكْثَرَ
مِنْ أَرْشِيفِ الحَيِّ،
يَحْفَظْنَ أَسْمَاءَ الْغَائِبِينَ
مِنْ عَدَدِ الْكَرَاسِي الْفَارِغَةِ
فِي مَوَائِدِ الْعِيدِ ..
لَا تَضَعْ يَدَكَ عَلَى كَتِفِي
أَمَامَ الْعَدَسَاتِ،
فَكَتِفِي لَيْسَ مَنْصَّةً،
وَلَيْسَ سُلَّمًا
يَصْعَدُ عَلَيْهِ الطَّامِحُونَ
إِلَى سَمَاءِ الصُّوَرِ ..
أَنَا لَا أُرِيدُ
مَنْ يَزُورُ قَبْرِي وَهُوَ حَيٌّ،
وَلَا مَنْ يَزْرَعُ وَرْدَةً
فَوْقَ جُرْحٍ
ثُمَّ يَطْلُبُ مِنَ الْجُرْحِ
أَنْ يَشْكُرَهُ ..
فِي الْمَدِينَةِ شَبَحٌ
اسْمُهُ الْحَقِيقَةُ،
يَمْشِي حَافِيًا
بَيْنَ الْمَكَاتِبِ الْمُغْلَقَةِ،
وَيَطْرُقُ أَبْوَابَ السَّادَةِ
بِيَدٍ مِنْ دُخَانٍ ..
وَفِي السَّمَاءِ
قَمَرٌ أَسْوَدُ
يُحْصِي وُجُوهَ الَّذِينَ
بَاعُوا ظِلَالَهُمْ
لِيَسْتَأْجِرُوا ضَوْءًا مُؤَقَّتًا ..
لَا تَزُرْنِي
دَعْنِي مَعَ وَحْدَتِي،
فَهِيَ أَكْثَرُ صِدْقًا
مِنْ جَوْقَةٍ تَحْفَظُ النَّشِيدَ
وَلَا تَعْرِفُ الْوَطَنَ ..
دَعْنِي أَسْمَعُ
صَوْتَ الشَّوَارِعِ الْقَدِيمَةِ،
حِينَ كَانَتِ الْخُطُوَاتُ
تَكْتُبُ أَسْمَاءَهَا عَلَى الْإِسْفَلْتِ،
قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ الْأَخْتَامُ
لِتَضَعَ فَوْقَهَا
خَتْمَ السُّكُوتِ ..
لَا تَزُرْنِي
فَالشُّعُوبُ الَّتِي دُفِنَتْ طَوِيلًا
لَا تَمُوتُ،
إِنَّهَا تَخْرُجُ يَوْمًا
مِنْ تَحْتِ الرَّمَادِ،
وَفِي يَدِهَا
مِفْتَاحُ الْبَابِ
الَّذِي ظَنَنْتُمْ
أَنَّكُمْ أَغْلَقْتُمُوهُ إِلَى الْأَبَدِ ..