جلس عوني يبكي.. لم يكن بكاؤه من ألم ساقيه وحده، فقد كان الألم أهون ما في الأمر، وإنما كان يبكي من ذلك الشعور الموحش الذي يداهم الغريب حين تضيق به الدنيا، فلا يجد إلى جواره يدًا تمتد إليه، ولا قلبًا يأوي إليه، ولا وجهًا يعرفه في زحام الوجوه.
كان يعمل عاملًا في البناء في إحدى دول الخليج، أفنى سنوات من عمره بين الحديد والإسمنت، تحت شمس حارقة، يحمل ما يُطلب منه حمله، ويصعد ما يُؤمر بصعوده، ويعود في نهاية يومه منهك الجسد، مثقل الروح..
راتبه بالكاد يكفيه.
يقتطع منه لنفسه أقل القليل، ويرسل الباقي إلى أسرته؛ فالغربة عند أمثاله ليست بحثًا عن الرفاهية، وإنما بحث عن لقمة العيش، يدفع ثمنها من صحته وعمره وأيامه.
في ذلك اليوم شعر بضعف شديد في ساقيه.. حاول أن يمشي، فتعثرت قدماه وانكفأ على وجهه..
بقي لحظات على الأرض، ثم رفع رأسه، وسالت الدموع على خديه وهو يقول:
“رجلاي لم تعودا تقويان على حملي”.
كانت الكلمات تخرج من فمه مبللة بالدموع.. حاول أن ينهض.. استند إلى الجدار، ودفع جسده بيديه، ثم نهض يغالب حاجته إلى العمل، ويغالب ضعفه، ويغالب وجعه.
لم يكن يملك رفاهية المرض.. ذهب إلى المستشفى..
كان يرجو أن يجد من يطمئنه، أن يسمع كلمة بسيطة تقول له إن الأمر عابر، وإن العلاج سيعيد إليه قوته، لكن المستشفى لم يكن فيه تخصص جراحة الأعصاب..
نظر الطبيب إلى حالته، وكان الزحام شديدًا، والمرضى كثيرين، والطبيب في عجلة من أمره.. حاول عوني أن يشرح:
قال إنه لا يشعر برجليه كما ينبغي، وإنهما لم تعودا تحملانه، وإنه يعمل، وإنه…
لكن ضغط الزحام لم يمنح الطبيب فرصة للرحمة، ولم يمنح عوني فرصة للشرح.
قال له الطبيب إنه يحتاج إلى جراحة أعصاب، وإن عليه مراجعة مستشفى آخر.
خرج عوني..
عاد مهزومًا مأزومًا.. كان يخطو، أو بالأحرى كانت قدماه تخطّ الأرض؛ فلم يعد يقوى على رفعهما..
وفي المساء، تمدد على أريكة قديمة في غرفة بدائية، لا يكاد فيها شيء سوى سرير صغير، وأريكة، ومروحة قديمة، وهاتف أكل الزمن أطرافه..
تحسس فخذيه بيديه.. ضغط على الجلد.. لم يشعر بشيء..
أعاد المحاولة.. ثم قال لنفسه:
“نصي اللي تحت مش حاسس به نهائي”…
شد الجلد بين أصابعه، فبدا مترهلًا ، ضعيف الإحساس، ككيس دقيق فقد نصف محتواه..
أفلت يده، وظل ينظر إلى ساقيه..
ماذا لو لم تعودا تحملانه؟
ماذا لو لم يعد قادرًا على العمل؟
من سيرسل المال إلى أولاده؟ ومن يطعمهم؟ ومن يشتري لهم حاجاتهم؟
كانت الأسئلة تتزاحم في رأسه، وكل سؤال منها أشد وطأة من سابقه..
وبينما كان الهمّ والهواجس يلعبان برأسه؛ رن هاتفه القديم..
نظر إلى الهاتف..
كان عوني لا يعرف القراءة، ولذلك لم يكن يحفظ أسماء الناس في هاتفه بالحروف، وإنما بالرموز..
يرمز إلى ابنته الأولى بنجمة.. والثانية بنجمتين ..
وهكذا…
كان يحفظ أرقام أقرب الناس إليه بالرموز؛ يعرفهم كما يعرف الإنسان وجوه أحبته، من دون أن يحتاج إلى قراءة أسمائهم..
رد على الهاتف؛ فإذا بصوت يعرفه منذ عشرين عامًا..
كان الطبيب محسن..
قال له:
“عوني؟ إنت عوني؟”
قال:
“أيوه يا دكتور.”
سأله د. محسن:
“مالك؟ صوتك مش طبيعي.”
لم يتمالك عوني نفسه.
انفجر بالبكاء وقال:
“ربنا اللي بعثك لي يا دكتور”.
ثم قص عليه ما حدث…
استمع إليه محسن في هدوء حتى انتهى..
قال له:
“لا تحزن يا عوني”..
عوني: “أعمل إيه يا دكتور” ؟
قال محسن:
“ستتعالج وتشفى إن شاء الله”.
قال عوني وكأنه يتعلق بالكلمة:
“تشفى يا دكتور” ؟
قال: “بإذن الله” .
ثم قال له:
“بكرة تيجيلي، وأنا أحجز لك الموعد”..
في الصباح، حضر عوني..
فحصه الدكتور محسن بعناية، وأجرى له الفحوص اللازمة..
جلس عوني أمامه ينتظر النتيجة، وكانت عيناه معلقتين بوجه الطبيب.
قال: “حالتي صعبة يا دكتور”؟
ابتسم محسن ابتسامة هادئة وقال:
“الحالة الصعبة هي التي لا يمكن علاجها، أو التي لا يُضمن شفاؤها” .
ثم سكت قليلًا، وقال:
“أما حالتك، فهي إن شاء الله قابلة للشفاء التام، وترجع لحالتك الأولى من العافية”.
تنفس عوني وكأن جبلًا كان فوق صدره ثم أُزيح عنه.
لكن الطبيب تابع:
“لكن لابد من إجراء جراحة عاجلة؛ لتحرير الحبل الشوكي والضفيرة العصبية”..
انطفأت ابتسامة عوني!
قال: “أنا ما أقدرش يا دكتور”.
سأله محسن: “ليه”؟
قال: “ظروفي صعبة، وهذا موسم شغل. لو بطلت شغل، مين يصرف على أولادي؟ أنا جاي هنا علشان أشتغل”..
نظر إليه الطبيب طويلًا..
كان يعرف أن وراء هذه الكلمات أكثر مما قيل.
كان يعرف أن الرجل لا يخاف من الجراحة بقدر ما يخاف من اليوم الذي يلي الجراحة، من فقدان العمل، ومن انقطاع الراتب، ومن أن يصبح هو نفسه حملًا على من جاء ليحمل عنهم.
قال محسن بحرص شديد:
“أنا لا أريد أن أهول لك الأمر، ولكن التهوين قد يسبب مضاعفات خطيرة”.
نظر عوني إليه بضعف وانكسار..
قال الطبيب:
“لابد من الجراحة بصورة عاجلة، وإلا قد تتحول من حالة ضعف في الأطراف السفلية إلى شلل نصفي كامل، لا سمح الله”.
ارتجفت عينا عوني..
فقال محسن:
“أنا لا أخوّفك يا عوني، ولكن هذه حقيقة طبية يجب أن تفهمها، لأنك بحاجة إلى قرار عاجل وصحيح”.
ظل عوني صامتًا، ثم قال:
“توكل على الله يا دكتور”
كانت كلمات قليلة، لكنها كانت تحمل ثقل سنوات كاملة من الغربة والخوف والفقر والرجاء.
توكل على الله..
أحاله الدكتور محسن إلى جراحة الأعصاب، وتواصل بنفسه مع الجراح المناوب، وشرح له الحالة، وما وجده فيها من عوامل خطورة تستدعي التدخل السريع..
لم يطل الانتظار.. أُجريت لعوني عملية عاجلة..
كانت الساعات ثقيلة.. لكن العملية نجحت..
حين أفاق عوني من التخدير، كان أول وجه رآه هو وجه الدكتور محسن..
قال له:
“حمدًا لله على سلامتك يا عوني”.
فتح عوني عينيه بصعوبة، وقال:
“الله يسلمك يا دكتور”..
ومرت الأيام.. بدأت الحركة تعود إلى ساقيه شيئًا فشيئًا..
وكان كل تحسن صغير بالنسبة إلى عوني حياة جديدة..
في فترة النقاهة، وبينما كان منومًا في المستشفى، سمع أن الدكتور محسن نفسه تعرض لحادث مروري، وأنه يخضع لجراحة دقيقة..
لم يتمالك عوني نفسه..بكى..
رفع يديه إلى السماء وقال:
“يا رب، خد بإيده زي ما أخدت بإيدي.. وساعده ونجّيه زي ما ساعدني ونجّاني”.
وظل يدعو له.. لم يكن يملك له إلا الدعاء..
كان يشعر أن الدعاء في بعض الأحيان يكون أبلغ من المال، وأقوى من الدواء، وأقرب إلى السماء من كل شيء..
ظل ينتظر حتى خرج الدكتور محسن من العمليات.. وكانت إرادة الله أن يوضع سريره في الغرفة نفسها التي يرقد فيها عوني..
فتح محسن عينيه.. كان التعب باديًا على وجهه.. نظر حوله؛ فإذا بعوني جالس إلى جواره يرقبه..
ابتسم عوني، وامتلأت عيناه بالدموع وقال:
“حمد الله عالسلامة يا دكتور”.
نظر إليه محسن وابتسم..
قال عوني: “ربي يخليك لأولادك”..
ثم مسح دموعه..
مد محسن يده، وربت على يد عوني وقال:
“الله يسلمك يا عوني”.
ثم أضاف: “وحمدًا لله على سلامتك أيضا”.
وساد بينهما صمت طويل.
لم يكن في الغرفة سوى سريرين أبيضين، على أحدهما طبيب أنقذ رجلًا من الشلل، وعلى الآخر رجل لا يعرف القراءة، لكنه كان يعرف كيف يقرأ الوفاء..
لم يعد أحدهما طبيبًا والآخر مريضًا.. كان كلاهما إنسانًا احتاج إلى رحمة الله، فأرسل الله إليه من يكون سببًا في نجاته..
وكانت الدموع التي سالت على السرير الأبيض أبلغ من كل الكلمات.
دموع رجل ظن أنه وحيد في الغربة، فاكتشف أن الرحمة قد تأتيه من حيث لا يحتسب. ودموع طبيب أدرك أن اليد التي امتدت يومًا لتنقذ مريضًا، قد تعود إليها يد أخرى بالدعاء حين يصبح الطبيب نفسه على السرير الأبيض.
وهكذا، في تلك الغرفة الصغيرة، لم يكن ثمة قوي وضعيف.. كان هناك إنسانان جمعهما الألم، ثم جمعهما الوفاء.
وكان الله وحده هو الذي مد بينهما خيط الرحمة..