
صدر أخيراً كتاب الباحثة الجامعية (جامعة الجزائر2) زينب ديف [نساء الجزائر من خلال الفن الاستشراقي 1830-1960]، في شكل جميل احترم الخاصيات الفنية والتقنية للكتاب الفاخر، عن دار الكلمة. اختارت الباحثة فترة قرن من الزمن، اختبرت فيها اللوحات المنتَجة بدءاً من 1830 حتى 1930، بعين الباحثة المتفحصة، فالمادة غنية وكثيفة تحتاج إلى جهد كبير. دخلت زينب ديف إلى هذا الميراث من خلال سؤال مبدئي بسيط: [كيف تعامل الاستشراق مع المرأة الجزائرية في مناخ سياسي يحكمه التصَوُّر الاستعماري الذي طغى على كل المظاهر الحياتية بما فيها الفن؟ هل المرأة مجرد أداة للمتعة الجنسية من خلال حريم استفاضوا في تصويره، يجيش بنساء جاهزات لاستقبال الوافد الأوروبي المتحضر، بكل مغرياته؟ أم أن هناك “امرأة أخرى” ظلت متخفية وراء هذه المشهدية المسيطرة وهي الأكثر تعبيراً عن المرأة الجزائرية في نظام حياتها القاسي والجميل

بعيداً عن رؤية الفنانين التشكيليين الذين أمّوا الجزائر بحثاً عن سحرٍ غرائبيٍّ نظمته واشتغلت عليه المؤسسة الاستعمارية؟] سؤال بسيط، لكنه ثقيل أيضاً يقود حتماً إلى تساؤل آخر: [هل كان الفن الاستشراقي في الجزائر كله رهين الرؤية الاستعمارية؟ أم أنه خضع لتحولات داخلية أفضت إلى رؤى فنية متمردة على النموذج؟] فكان من الضروري دراسة استمرارية الرؤية الاستعمارية وتصدعها داخلياً أيضاً محدثة قطيعات في أعماقها (بالمعنى الذي تبناه ميشيل فوكو). تحولات لا نراها بسهولة ولكنها موجودة وقد تجلت بشكل واضح في أعمال الأجيال اللاحقة؟ لتكتشف الباحثة بعد أربع سنوات من الجهود الفنية الكبيرة “أن هذه الرؤية لم تظل على ثباتها” وخضعت للحظتين أساسيتين الاستمرارية والقطيعة/القطيعات. كان للوعي الثقافي الذي اكتسبه بعض الفنانين الجدد والثوريين، دور في ترسخ هذه الرؤية المضادة لنموذج دولاكروا [نساء الجزائر في بيتهنLes femme d’Alger dans leur appartement]. واختار الجيل الجديد من الفنانين الأوروبيين والأمريكيين أن يرسموا أحاسيسهم الصادقة خارج المنظومة المهيمنة، فاقتربوا من الحياة الاجتماعية والثقافية والرؤى المحلية الشعبية ليكونوا رؤية مختلفة عن كل مظاهر الحياة، بما في ذلك الحياة النسوية.
لا يحتاج الأمر إلى كبير دليل، فالفنانون الوافدون عموماً، نحو “الأراضي البكر” لم يكونوا مستقلين، فقد كان أغلبهم مرتبطاً بالمؤسسة الاستعمارية. لم ينجز دولاكروا لوحته حباً في القصبة أو نسائها، لكنه كان يستجيب لمطلب مسبق ترسخ في لا وعيه. وقد حلل إدوارد سعيد، كما تقول الباحثة زينب ديف، بما يكفي، في كتابه “الاستشراق” هذه الظاهرة، فهي عبارة عن “سياسة مطبقة على الشرق بحكم أنه أضعف من الغرب، وأن صورة الشرق قد تمت فبركتها والتلاعب بها تاريخياً لتُظهِر الشرق على أنه أدنى ومتخلف”. فقد قدم دولاكروا نساء الجزائر باعتبارهن سجينات وضعيفات ومستسلمات، ينتظرن الخلاص والتحرر بفضل الرجل الأبيض (الأوروبي). مقاربة بسيطة للوحته [نساء الجزائر في بيتهن] والصور الفوتوغرافية لفتيات شابات كُنَّ يُجبرن بالقوة والعنف على التعري أمام آلة التصوير، تبين هذا التوجه الاستعماري بوضوح. فقد استغلت هذه الصور التي لا يظهر الكم من العنف الذي يختفي وراءها، كبطاقات بريدية كانت توزع في فرنسا، تسويقاً للرؤية الاستعمارية. فاندفع نتيجة لذلك، عدد كبير من الفنانين نحو الجزائر بوصفها [الحلم الشرقي] الذي جسدته “ألف ليلة وليلة” بعد ترجمة أنطوان غالون بدءاً من 1704 بصدور الجزء الأول حتى 1717 تاريخ إصداره آخر الأجزاء التي استقاها من الحكايات الشعبية المروية. وأصبح الكليشيه الجاهز عن المرأة هو المهيمن. الباحثة دققت طويلاً في هذه الكليشيهات لتخرج برؤية مخالفة وأكثر موضوعية فرقت فيها بين تصورين للاستشراق: الاستعماري والحر نسبياً.
هذا التحول مر عبر ثلاث مراحل حددت توجهاته العميقة. تَزَامنت المرحلة الأولى مع بداية الاحتلال التي كان الهدف من ورائها دعائياً للمشروع “الحضاري” الاستعماري، وخدمته وكانت جُلها تصوِّر شرقاً ذهنياً أرادته ونمته وفرضته بعد أن أضافت عليه من متخيلها وأزماتها الباطنية للغواية والتشجيع على الاستيطان، وهذا ما جعل الكثير من الفنانين المستشرقين يسارعون لأرض الجزائر لرسم لوحاتهم المثيرة وإشباع رغباتهم الباطنية، في العاصمة، وبسكرة وبوسعادة، وأولاد نايل، والأغواط، في نفس فترة جرائم الاستعمار المفجعة (التي تمت فيها أكبر محرقة استعمارية قبل الهولوكوست بقرن. فقد أمر العقيد بليسيي على مدار يومين: 18-20 جوان 1845 بسد المغارات التي التجأ إليها المئات من ناس قبائل جبال الظاهرة، هرباً من بطش الاستعمار، والقبائل المقاومة، وإضرام النار فيها، فمات الناس حرقاً أو خنقاً). لقد أصيب الجيل الأول بالعمى، من أمثال دولاكروا (Delacroix)، كبروسبي باكو (Prosper Baccuet) والرسام والمكتشف لويس أونسلم لونغا (Louis-Anselme Longa)، الذي استَقَرَّ في مدينة قسنطينة، إضافة للرسام والضابط وعالم الأثار أدولف دولامار (Adolphe Delamare)، الذي رسم ما يقارب 2500 مخطط، واهتمَّ بالأماكن الأثرية كمدينة جميلة. ترسيخ المعطى الاستعماري كان واضحاً وجلياً. في المرحلة الثانية تغيرت الأوضاع؛ فقد تميَّزَت اللوحات بالواقعية والخروج من دائرة المرأة “الأداة الجنسية” نحو المرأة كقيمة جمالية من حيث الحليِّ والأزياء وكإنسان يمارس يومياته بشكل عادي، لكنها أخفت المرأة الأخرى التي تعاني من الاستعمار والتقتيل والتعذيب. وبرز في هذه المرحلة رسامون غير فرنسيين مثل الأمريكي فيرديريك ارتر بريدجمان، والبلجيكي إدوارد فيرشافلت، والإسباني دانييل كورتس وغيرهم. وبعد ترميم فيلا عبد اللطيف من طرف حاكم الجزائر العام جونار، وتحويلها إلى مكان لإقامة الفنانين، تحررت الحركة الفنية من هاجس الوفاء للمؤسسة الاستعمارية. وأقام بها فنانان كبيران هما بول جوف(Paul Jouve) وصديقه ليون كوفي (Léon Cauvy)، والفنانة كيتي كاري (Ketty Carré) التي أقامت في فيلا عبد اللطيف سنة 1909 وهناك تعرفت على حبيبها وزوجها ليون كاري (Léon Carré) الذي اشتُهِر بالرسومات المرافقة لكتاب ألف ليلة وليلة Le Livre des mille nuits et une nuit] traduction littérale et complète du texte arabe par le Dr J.-C. Mardrus, illustrations de Léon Carré, [décorations et ornements de Mohammed Racim, 12 volumes, Piazza, 1926-1932. المرحلة الثالثة هي تطوير للمرحلة الثانية والعودة إلى الخيارات الفنية عند الكثيرين. وقد ضمت فنانين من نوع آخر. والفرنسيون والأوروبيون الذين ولدوا في الجزائر، شكَّلوا حالات فردية، وصوَّروا المرأة في جمالها وبوصفها جزءاً فاعلاً في المجتمع، ورصدوا العادات والتقاليد الاجتماعية، كحفلات الزفاف، وجلسات المقاهي، ويوميات رمضان، والحمام، وغرف النوم، وجلسات السطوح، النسيج والحياكة، والتسوق، وغيرها. هناك العديد من اللوحات التي صورت المناظر بإعجاب واقتربت من الواقع الجزائري بلا تزييف وبجمالية عالية، كما هو الحال بالنسبة للرسام الأمريكي برديجمان، الذي رفع من قيمة المرأة بجعلها تحمل أبعاداً ثقافية وتاريخية وحضارية مجسدة بذلك الهوية الجزائرية وأصالة المجتمع وعراقته.
فقد جعل الاستشراق جزائر القرنين 19 وبداية القرن 20، مقصداً ثقافياً تخترقه مختلف الأهواء. وليس غريباً أن يقول: ثيوفيل غوتييه (Théophile Gautier)، أحد أعمدة الاستشراق الفرنسي، عن مكانة الجزائر بالنسبة للرسامين للمستشرقين: [ إن السفر إلى الجزائر يضاهي في أهميته الحج الضروري إلى إيطاليا].