
كانت إيزابيلا تسكن في غرفة 2، بجانب الردهة، ودائما أسمع صوتها وهي تذاكر دروسها. كانت بعمر 18 عاما، بوجه أسمر، لها نظارة، وتفضل الثياب المشدودة، إلا بعد الحمام، ترتدي ما تقول عنه البرنص، وهو لا يستر إلا نصفها أو أقل. وإذا جلست في الردهة بعد الاستحمام أغض بصري. لكن هذا لا يمنعنا من تبادل الكلام بأسلوب الرواقيين. إما نعلق على الطقس أو ننتقد حرارة الماء. فهي دافئة في الصيف وباردة في الشتاء. ومهما تذمرنا لإدارة المسكن لا نجني غير الوعود. وبرأي إيزابيلا: كلامهم مثل خططنا الخمسية.
وافقتها. وهل يسعني أن لا أوافق؟ فنحن لم نستلم مرتباتنا منذ 6 شهور، وأرسلنا عدة إيميلات للمحاسب، ودوما يرد بكلمة: قريبا، بعد إقرار الميزانية.
ومنعا لأي التباس.
أنا من حلب. ووالد إيزابيلا من دمشق، لكن أمها إسبانية. وكان الثلاثة في مدريد. ثم استقروا في دمشق. وبعد قليل اختفى الأب. ولم يكن أمام الأم حل غير العودة إلى إسبانيا، وترك البنت مع الجدة. وكانت امرأة فوق السبعين. وهكذا وجدت إيزابيلا نفسها أمام مهمة مزدوجة. رعاية المرأة الكبيرة، وتعلم اللسان العربي.

قلت لها: هذه هي حياتنا. معركة مستمرة لإثبات الوجود.
قالت وهي تبتسم: مثل الحداثة السائلة.
أضفت بين الجد والهزل: أو رافعة أرخميدس.
اشتركنا بضحكة واحدة، ثم سألتها عن جدها.
أجابت إنها لا تعرفه. فقد مات بوقت مبكر، وكانت أمها موجودة، وارتدت لأجله شريط الحداد. وكانت هذه الأم مصدر شقاء دائم لها. فهي كاثوليكية ولكنها غير متدينة. وأخوها – تاجر أسلحة ومطلوب للعدالة، وكان أيضا وبالصدفة عراب إيزابيلا.
شعرت بالتعاطف مع هذه المسكينة. نصف إسبانية وتعيش على راتب سوري. ومكان الأب البيولوجي غير محدد، والأب الروحي غير معروف، بالإضافة لمحنة الأم، وفي أفضل الظروف هي حاليا في كنف زوج آخر. وطيلة هذه المدة اتصلت بها مرة واحدة بالسكايبي. وكانت إيزابيلا لا تزال في دمشق. وحينها لم يكن لدى الجدة إنترنت، فاستعانت بمركز سيرفانتس، وكان بدوره يستعمل الشبكة الداخلية، أو ما يسمى الإنترنت. ويا ليتها لم تتصل. كان كلامها مدعاة لليأس، كأنك تدق على جدار خزان فارغ.
وقبل أن توضح ماذا تعني قاطعنا طالب صيني، وسألنا عن غلاية الماء. انشغلت معه حوالي ربع ساعة، ثم وجدناها في الثلاجة. كانت حركة سخيفة من بقية السكان. مثقفون لكن نتصرف كأبناء الشوارع. في اليوم السابق وجدنا صابونة الاستحمام في الميكرويف. بعد ذلك سمعت صوت هدير مجفف الشعر يأتي من غرفة إيزابيلا. فعادت مأساتها إلى ذهني.
***
دخلت غرفة إيزابيلا مرة بالإكراه. فقد رأيت نظارتها في المطبخ، وحملتها ونقرت على باب الغرفة 2، وكانت تبحث عنها. ولتشكرني قدمت لي علبة بيرة. وأخبرتني أن هذه ثاني نظارة لها في هذا البلد، ولا تعلم أين فقدت السابقة. وخلال زيارتي لم أرفع عيني عن الأرض أو عن العلبة بسبب الخجل الفطري. والحقيقة أنني ورثته عن الوالد. وكان دائما يقول لي: النظرة الأولى لك والثانية عليك. وبعد السفر كان يرسل لي رسائل طويلة نصفها توصيات من هذا النوع. ومن بينها: احذر اليهوديات. ثم انتقلنا إلى موضوع الرواتب. قالت وهي تضحك إنها لم تعد مهتمة فقد وصلتها النجدة من خالها. وأردفت بلهجة رواقية: كما ترى. أنا الآن أدرس على نفقة المافيا. لم أفهم هل كانت تمزح أم توبخ نفسها. لذلك لزمت الصمت، وخلاله سمعت صوت التلفزيون يأتي من الردهة، وكان ينقل نشرة أخبار دموية، من بينها أحداث غزة وجنوب لبنان.
قلت لتبرئتها: الظروف أحيانا تحكم.
ردت بصوت بارد: كما قال داروين نحن أبناء القدر.
مجددا لم أعرف ماذا أقول، وأخلدت للصمت. لم أسمع بهذه العبارة على لسان داروين. وربما هي اجتهاد شخصي من إيزابيلا، إلا إذا كانت تفهم أن القوي أو الأصلح هو نفسه القدر.
في تلك الأمسية لم أكن جاهزا لأي عمل. وكل الوقت كنت أفكر بها. وبكل هذه التقاطعات. تاريخنا في الأندلس، وحاضر قشتالة أو كتالونيا، وجيناتها الهجينة. نوستالجيا بمنتهى الإرباك مثل خيطان متشابكة لا تعرف أين بداية الخيط ولا أين ينتهي. وألحت فكرة تبييض الأموال على ذهني، إذا كانت مساعدة خالها لتنظيف ضميره، من الذي يغسل أمواله في حروب غزة ولبنان؟
هذا الغسيل في نظري لا يختلف عن إشعال سيجارة بورقة من مئة دولار في أحد الملاهي الليلية. وهو استعراض وحرق. وفي النهاية نحن من يدفع الفاتورة. وبالكامل. في اليوم التالي شاهدت باب الغرفة 2 مفتوحا، والغرفة فارغة كأن إيزابيلا وضبت أمتعتها ورحلت، ولكن هكذا فجأة وبسرعة، ودون أي كلمة وداع؟ حاولت أن أسأل عنها في الكلية. فحولني رئيس الدائرة إلى مراقب الدوام، ولم يكن لديه أي معلومات. وكان من الهند، ويحب مثلي قراءة الأدب ولاسيما الروايات. وشاهدت على مكتبه نسخة إنكليزية من رواية «بقايا صور» لحنا مينة. سألته عن رأيه به، فأعرب لي عن إعجابه بخال الراوي. وكان قاطع طريق على نمط روبن هود، يسرق من الغني ويعطي الفقير. وخصص له مينة في وقت لاحق رواية بعنوان «شرف قاطع طريق»، وإن كانت الغاية المرجوة منها التذكير بماضي لواء إسكندرون. وعلى الفور جاء في ذهني خال إيزابيلا، ولاحظت أنني أشعر بغيابها كأن مطرقة ثقيلة حفرت فجوة في رأسي.