
إذا كانت الفواعل السردية في علم السرد هي المجال الحيوي لتمثيل الخطاب الروائي، بما تتقاطع أو تلتقي عنده حركة الشخصيات والأشياء والبيئة، فإن ضمائر السرد المستخدمة في الرواية، هي فواعل سردية مشاركة أيضاً، تعمل على تبيين وجلاء الفعل اللغوي من جهة، وتنظمه في تأويل فني جديد، وبيان الرسالة التواصلية بين الراوي والمروي والمروي إليه، أو المرسل والرسالة والمتلقي من جهة أخرى.
في هذا السياق الفني على وجه التعيين، آثر الروائي جهاد مجيد في روايته «الهشيم» الصادرة في بداية السبعينيات من القرن الماضي، استخدام الضمير السردي بوصفه فاعلاً سردياً مشاركاً بين الفعل اللغوي في المراقبة والمخاطبة والوصف، وتمثيل خطاب الرواية على مستوى الضمير المتكلم وتأويله الفني فضلاً عن الأحداث والشخصيات والأشياء.

وقبل ان يكون الضمير السردي فاعلاً ومشاركاً في تحليل الخطاب الروائي، لا بد أن يكون اختياره مبنياً تبعاً لوظيفته، التي تتناسب مع حركة وحوار الشخصيات والوقائع، وفي أكثر الأحيان، تغدو وظائف الضمائر السردية واستخداماتها شائعة ومتفق عليها ومحددة في إطار معين شبه ثابت، مثلاً يترك ضمير المتكلم «أنا» أثراً حميمياً واندماجياً بين الراوي وذات الشخصية، فيما يمنح الضمير «هو» مراقبة ووصف، يتجليان دوماً عبر مسافة مناسبة، وجميع تلك الاستخدامات تراعي بدرجة ما تعبير الراوي عن موقف الشخصية ووضع الوقائع.
مخاطبة الشخصية
في رواية « الهشيم»، اتخذ الضمير السردي فاعليته المشاركة، بناءً تركيبياً يجمع بين المخاطبة وشبه النداء، والتعجب والتشبيه، ويتجه هذا البناء المركب بين «أنت، يا، كأنك» ليكون محورياً، يختص بمنظور الشخصية الرئيسية في الرواية، الذي يبدأ من السجال والتقاطع والغموض، لينتهي الى التركيب والتجريد والظل والشخصية الشبح، التي تندمج مع فضائها الخطابي أخيراً، واقتصرت صيغة المخاطبة بمنظورية الشخصية الرئيسية، لكننا نجد ضمير الشخص الثالث «هو» مستخدما في العموم لدى مراقبة ووصف الشخصيات الأخرى. ومن أمثلة ذلك الكثير، من داخل الرواية «ترتقي السلالم العريضة، ترتفع بك، أنت لا تخلفها، بل تخلف ماضياً سحيقاً، أيُ موكب فخم هذا الذي يحف بك وأنت صاعد، كأنك تصبح أعلى شيء»، (الاعمال الروائية). وحفلت الرواية كلها بهذه الأمثلة التي تمثل محورية الشخصية الرئيسية وما يحمله الضمير السردي المركب من التعبير عن علاقاتها الخطابية داخل النص الروائي.
الشخصية المحور؟
تبدأ الشخصية في إنهاء وحسم سجال عميق مسبق مع الذات، يبدو كأنه محذوف من الاستهلال الروائي، لكنه يتضمنه ويؤكده من خلل نتيجة التحول التي تفتتح به الشخصية حركتها في الرواية، إذ يلقي عدنان، أو كما يبدو لوهلة أولى، جميع أردية الوهم والبؤس والفاقة، ويغدو طليقاً مع الحشود البشرية السائرة والمتدفقة في الأسواق والساحات والشوارع، التي ترفل مفعمة بالهناءة والملابس اللامعة وروائح الأكل اللذيذة. النساء الجميلات والرجال الأنيقون، ثمة عالم آخر أجمل إزاء من يقبع داخل قميص رث، إنه يبحث الآن عن نفسه فيجدها على نحو ما في أن يتخطى وضعه البائس فقط لا أن يقتنع بالمباهج العامة كونها حقيقة، فما زال يعد مجتمعه راكداً آسناً ولا تنمو فيه إلا زهور الدفلى، ولكنه مع ذلك يلقي بحبل الانتماءات والاعتقادات الملتف حول رقبته، ومن ثم يبيع مكتبته العامرة بالمعرفة الحديثة لقاء مبلغ زهيد يكفيه للدخول إلى عالمه الجديد اللامع. إنه الآن، لا يسير مع الجميع وخطوته وحده، كما قال الشاعر البريكان، لكنه يمضي دون مبالاة بشيء على مستوى الفعل اللغوي، غير أن تأويل هذا الفعل على مستوى الخطاب الروائي، يجعله باحثاً عن خطوته بين الجميع، وهو ما سيسفر عنه بناء الشخصية الفني.
من هنا تستأنف الشخصية صفتيها السجالية والغامضة، فيجد في شخصية صديقه خالد عوناً له في البحث عن وظيفة عمل مناسبة، وإدامة حياته الجديدة التي يخفي فيها رفضه العميق، في الوقت الذي يبدو كأنه لا يتظاهر بمحاولة إنكارها، وشيئا فشيئا بعد دخوله عالم العمل والتقائه بزملاء، يمثلون فئات مجتمعية وسياسية واضحة، تتحول الشخصية السجالية إلى مركبة ومتقاطعة، وربما منشطرة، فهو في مفترق طريق بين أناه الكامن والآخر الخارج، زاد من جملة سلوكه خروجه البدائي وربما المشاعي عن نظم العائلة والتنكر لها علناً أمام القضاء، حتى انتهى إلى إطلاق غرائزه الحسية غير إنه في كل ذلك يبدو كمن يراقب نفسه من ثقب في عالمه القديم.
نقطة تقاطع
ولعل أحد نقاط التقاطع الخطابي في رواية «الهشيم»، التي لا تسعى هذه القراءة إلى الاهتمام بها على نحو أساس ومباشر، هي أن الشخصية الرئيسية في سياقها الواقعي لا تنتمي إلى الوسط الاجتماعي المحيط بين بغداد وطويريج، قدر ما يشكّل كينونتها ومصدر أفعالها الفضاء الثقافي المخطط لها في متخيل الوعي الماركسي والوجودي إزاء العالم، وهو ما اتسمت به الكتابة القصصية والروائية في تلك الحقبة من الزمن، على الرغم من أن الشخصية في هذه الرواية لا تزعم الانتماء إلى وعي معين وتحاول أن تنأى بنفسها عن التعريف والتوصيف، لكنها تبحث عن شيء ما من خلالهما داخل الفضاء الروائي ما يجعلها نموذجاً فنياً، تجتمع فيه خصائص الوسط الاجتماعي في إطار ثقافي. وبذلك، تغادر هذه الشخصية واقعيتها المحضة، بمجرد أن ترتسم وتحل معالمها التجريدية المكتسبة، والعكس صحيح وبين المغادرة والإحلال، تكمن براعة الرواية بالتوازن بينهما حتى نهايتها.
حوارية النفي والإثبات
على المستوى الفني والتقني، كانت هذه المعادلة الواقعية التجريدية المتوازنة، تُشبه حوارية إثبات ونفي دوّارة للذات، لتنتقل بحوارها إلى الخارج فلا تسعف بيانها وتأويلها إلا صيغة المخاطبة التي تدل على تعيين المخاطب، أو أكثر، ولفت الإشارة إليهما وبالعكس أيضاً، بمعنى إنها حوارية مركبة بين الذات أولاً، والآخر ثانية.
إن هوية شخصية عدنان في الرواية كفاعل سردي، تقوم على حوارها الذاتي المزدوج أولا ثم تستكمله إزاء العالم الآخر، أو كما يسميه بول ريكور «التزاوج بين الأنا والغير، الإنية والغيرية»، إذ إن «الأنا لا يمكن أن يعي كونه أنا إلا لوجود الآخر المخالف» بمعنى أن الشخصية في رواية الهشيم تخاطب ذاتها وتعيها من خلال المخاطبة، وتعيين طرفها الآخر النقيض، ومن ثم تقيم العلاقة التفاعلية والتكاملية مع الخارج وإشراك المخاطب الروائي. ويحدد علم الخطاب كما في «معجم تحليل الخطاب»، المركز الوطني للترجمة في تونس 2008، إلى أن صيغة المخاطبة هي المبدأ اللغوي لفعل حواري بين شريكين هما في هذه الحالة الذات المتواصلة «أنا» والذات المؤوّلة «أنت»، فيما يمثل الأول الإنتاج اللغوي والثاني دور التأويل. وبين الذاتين المتواصلة والمؤوّلة كفعل مخاطبة وإشراك، تنتقل الشخصية الرئيسية في الرواية الى أعلى مستوى لها من التجريد في الفصل الأخير، لتصل إلى ذروتها كظل وشبح، وبذلك تنفي وجودها نهائياً لتندمج في فضائها الروائي.
في الفصل الأخير، لا أثر لحوار ذاتي تواصلي أو تأويلي، فالشخصية الرئيسية، تتواصل بخطابها الجديد، وتعيين المخاطب بالاندماج في شخصية القتيل، وتستعيد مشهد القتل بالتماهي معه في مشهد آخر، فيما تنتقل صيغة المخاطبة من النداء والتعجب والتشبيه إلى فعل الأمر «قف، واجه، هرول ما استطعت، مت وأنت تركض». لقد كانت مشاركة الضمير السردي في رواية «الهشيم» للروائي جهاد مجيد في موازاة الفاعلية السردية للشخصيات والأشياء والوقائع.