هِيَ لم تَكُنْ طِينًا وكفَّ عِمَارهْ
بَلْ هَمْسَةٌ باحت بها القِيثَارَهْ
نهرٌ مِنَ المَعنى يَشُقُّ ذُهولَنا
عِبَرًا ، لِيَغسِلَ عن يديه غُبَارَهْ
يَبْنِي مِنَ الضَّوْءِ القَدِيمِ جِلَالَها
وَيَصُبُّ فِي كَأسِ الخُلُودِ نُضَارَهْ
كَانَت مَدَارًا لِلسَّمَاءِ، وَمَن نَأَى
عَن طُورِهَا، زادَ الطَّرِيقُ عِثَارَهْ
( مِصرُ ) التي لَبِسَ الزمانُ رداءَها
فَغدَتْ لِكُلِّ العابرين منارَه
عبروا، وظَلَُ النيلِ يَكتُبُ سِرَّهُ
فوقَ السحابِ لمن سَلا أسرارَه
وعلى القِبَابِ صَلاةُ ضوءٍ لم تَزَلْ
تَبني على سقفِ الزمانِ حَضارَهْ
ليسَ التُّرابُ هو المُقَدَّسُ إنَّما
وَعـيٌ يُحيلُ الأرضَ وجهَ نَضارَهْ
ما قِيمةُ الوعيِ الذي لا يَنتَمِي
لِيَدٍ تَرُدُّ عَنِ الحِمَى أَخْطَارَهْ؟
فَالأرضُ مَحْضُ حِجَارةٍ صَمَّاءَ إنْ
لم يَروِ حُرٌّ بِالدِّمَاء ديارَه
حجرٌ يَبوحُ، ولحظةٌ مَسكونةٌ
بِسؤالِ مَنْ جعلَ الخُلودَ شِعارَه
ما كانَ سِرُّكِ في الحِجارةِ وحدَهـا
بلْ في نبيٍّ أرضُه مُختاره
هِيَ فِكرةٌ خَرَجَتْ مِنَ الصَّلصالِ كَيْ
تُهدي ( لموسى ) في الوجودِ قَرارَهْ
(وَلِيُوسُفَ ) الصِّدِّيقِ بَعْضُ حِكايَةٍ
في مصرَ.. حِينَ اسْتَنْطَقَتْ أَقْدَارَهْ
قَرَأَتْ خَزائِنُها نُبُوءَةَ قَلْبِهِ
فَأَزَاحَ عَنْ أُفُقِ المَدَى.. أَكْدَارَهْ
عَبَرَ السَّنَابِلَ جُوعُ كُلِّ مَدِينَةٍ
إِلَّا حِمَاها.. أَطْعَمَتْ زُوَّارَهْ
لا تَسألي التَّارِيخَ عَنْ أحداثِهِ
مِصرُ التي صَنَعَتْ له مِعيارَهْ
تَتَقادمُ الدُّنيا.. وأنتِ صَبِيَّةٌ
تُهدين (إبراهيمَ ) نفحةَ (سارَه )
فِي كُلِّ مِئذَنَةٍ نِداءٌ سامِقٌ
يَرعى على مدِّ الرُّؤى أنهارَه
وعلى بياضِ الفجرِ طلعٌ بَاسِقٌ
يَبني لِمَدِّ الرُّوحِ.. بَحْرَ طَهَارَهْ
لَمْ تستَلِفْ ضَوءًا، فَمِن أحشائِها
وُلِدَ الـيَقينُ.. وشَكَّلَتْ أنوارَهْ
بحرٌ منَ الآمالِ يَجري خَلفَها
نيلٌ ويَنشُدُ عِندَها استِقرارَهْ
مِصرُ امتِدادُ الذَّاتِ في مِرآتِنا
وَجهٌ يُعِيدُ إلى الضَّميرِ وقارَه
لَوْ بَاعَ كُلُّ النَّاسِ نَبْضَ قُلُوبِهِمْ
مَا بَاعَ طِفْلٌ فِي حِمَاكِ جوارَه
أَسْرَيْتُ نَحْوَكِ وَالقَوَافِي رُحَّلٌ
فَرأيتُ نَبْضِيَ فِي ثَرَاكِ مدارَه
مَاذَا أَقُولُ وَفِي حُرُوفِيَ لَجَّةٌ
وَعَلَى الشِّفَاهِ المِلْحُ خَطَّ “مَسَارَهْ ؟؟
أَنَا مَنْ شَرِبْتُ النِّيلَ حَتَّى صِرْتُهُ
وَنَسَجْتُ مِنْ سَعَفِ النَّخِيلِ عبارَه
قَد حارَتِ الأفكارُ في مكنونِها
سِرٌّ.. وَلَم ينلِ الطُّغَاةُ حِصَارَهْ
بَلَدٌ إذا انكَسَرَ الزمانُ رَأيتَهُ
يَبني مِنَ الرَّحمِ العَظيمِ فِخارَهْ
مِلحُ الحَوادثِ لم يُجَفِّفْ ماءها
باقٍ هو الطُّوفانُ.. يُوقدُ نَارَهْ
هِيَ جودَةُ المَعنى، ومرفأُ غُربَةٍ
لِمُسافِرٍ جعلَ المدى أسفارَه
فاقرأْ بها لغةَ السُّكونِ، فإنَّها
نَطَقَتْ، وليسَ لِمَا تقولُ إشاره
يا مِصرُ، والتَّأويلُ طِفلٌ عابِثٌ
يَلهو، ويَجعلُ سِرَّكِ استِبصارَهْ
يَا مِصْرُ، تَتْعَبُ فِي مَدَاكِ عيوننا
وَالقلبِ يُلْقِي عِنْدَكِ اسْتِغْفَارَهْ
هِيَ بَرزخُ الأرواحِ.. كُـلُّ قَصيدةٍ
عَطشى، تَرومُ مِنَ المجازٍ غِمارَه
كلُّ اللُّغاتِ تَموتُ في أعتابِها
وِيَظَلُّ همسُ الضادِ فيك مزاره
يا مِصرُ.. ولو جَفَّ الزَّمانُ بِرِيـقِنـا
لبقيتِ في ثَغرِ البشير بشارهْ
الفجرُ يطلعُ مِنْ مَسَامِ ترابِها
لا يَستعيرُ مِنَ السَّما أنوارَه
يا مِصرُ.. والتَّارِيخُ يقرأُ سِفْرَهُ
تبقين في وجه العدوٍّ شرارَه
فالنِّيـلُ يَمشي في العُروقِ كأنَّهُ
نبضٌ.. يُعيدُ لِمَنْ يموتُ نَهارَهْ
إنْ كانَ لِلأمجادِ في الدُّنيا فَمٌ
كانتْ حُروفُكِ صَوتَهُ وشِعاره
كَمْ مُعتِمٍ مَرَّتْ خُيُولُ جُنُودِهِ
فَانْهَارَ، وَانْتَصَرَتْ ” عيالُ الحَارَهْ”