بينما كان فرانس كافكا عائدًا إلى بيته من حديقة (شتيغليتز) ببرلين، التي كان يقصدها للمشي، كلَّ يوم، إذا به يقابل في طريقه طفلةً، تبكي بكاءً مرًّا، وعيناها تذْرفان دُموعا غزيرةً، لأنها فقدت دميتَها الجميلةَ، فأخذ يهدئها ويُصَبِّرها، ويعِدُها بأنه حتْما سيعثر عليها!
بحثت الطفلةُ وكافكا عن الدمية المفقودة، في هذا الركن وذاك، وسألا أطفالا عنها، دون جدوى!
ربَّتَ على رأسِها، وطمأنها بأنْ تلتقي به في الغد، ليبحثا عنها ثانيةً في أماكنَ أخرى!
في اليوم التالي، عندما لم يجدا الدميةَ، سلَّم كافكا الطفلةَ رسالةً، بصفته (ساعي بريد) قال لها (كتبتْها وأرسلتْها) لها الدميةُ، تقول فيها:
ـ “أرجوكِ، صديقتي، كفى حزنًا وبُكاءً عليَّ. إنني في رحلة حول العالم، ولن أنساك أبدا، سأكتب إليك عن مغامراتي الممتعة، ولقاءاتي مع أطفالٍ مؤدَّبين مهذَّبين في سنِّنا”!
وهكذا بدأتْ كتابةُ قصةٍ، شغلتْ مئاتِ الصفحات بأحداثها العجيبة، واستمرت حتى نهايةَ حياة كافكا إثْرَ إصابته بالسل!
خــلال لقاءاتــهــما، كـــلَّ صباح، كان كــافـــكــا يقرأ عــلــيــها رسائـــلَ الـــدمــيــةِ المسرودةِ بعــنـــايــةٍ فائــقــةٍ، تــتــضمن مغامراتٍ وحواراتٍ، تصغي لها الطفلةُ بشغــفٍ عارم، فتجدها رائعةً جدًّا، تُسَلِّيها وتُــرَفِّــهُ عــنــها، وتــفـــيـــدها بــمشاهــداتــها، وتملأ فراغَها، حتى كادتْ تنسى دميتَها!
ولكي يضعَ كافكا حدًّا لهذه اللقاءات اليومية، أهدى دميةً أخرى للطفلةِ، اشتراها من متجر اللعب، وسلَّمها لها قائلا بوجهٍ باسمٍ، وليس من عادته أن ترتسم الابتسامةُ عل مُحَياهُ:
ـ أبشري، عزيزتي، لقد عادتْ صديقتُك من رحلتها الطويلة، وطلبتْ مني أنْ أصلَها بكِ!
تأملت الطفلةُ الدميةَ، وهي تضمها إلى صدرها بيدٍ حانيةٍ:
ـ حقًّا، إنها جميلةٌ، سيدي، لكنها لا تشبه دميتي التي كانتْ صديقتي، أعتني بها، وترقد معي،
كلَّ ليلةٍ، على السرير، وتؤنسني في وحدتي، وتستقبلني برحابة صدرِها، كلما عدتُ من مدرستي!!
أخرج كافكا رسالةً أخرى من جيبه، كتبتْ فيها الدميةُ بعضَ الكلمات، وسلَّمها للطفلة، ليُثْبتَ لها أنها من دميتها فعلا:
ـ صديقتي، أنا دميتك الجميلة، التي تبحثين عنها، وتشتاقين دائما إلى رؤيتها بجانبك، وبلا شكٍّ غيرتني رحلاتي كثيرا، لحد أنك لم تتعرفي علي، فلا تنسيْ أنني غِبْتُ عنكِ طويلا!
لم تنبِسِ الطفلةُ بكلمةٍ، واكتفتْ بأنْ طأطأتْ رأسَها حزينةً، ثُمَّ أدارتْ ظهرَها لتعودَ إلى بيتها، وهي تحضنُ الدميةَ بحنانٍ!
وبعد عام توفي فرانس كافكا، الذي نخر الداءُ جسمَه حتى العظم، فانقطع اللقاءُ بينهما!.. لكنْ، بعد سنوات طويلة، عثرتِ الطفلةُ التي أصبحتْ شابةً بالغةً، على رسالةٍ مدسوسةٍ في بطن الدميةِ مُوَقَّعةٍ باسم (كافكا) تحتوي على ما يلي:
ـ “عزيزتي، ربما ستفقدين كلَّ ما تحبينه، لكن في الأخير، سيعود الحبُّ إليكِ بطريقةٍ أخرى”!
كان فقدانُ الدميةِ وضياعُها فاجعةً كبرى بالنسبة للطفلة، لن يشعر بها إلا الكاتبُ الحادُّ الإحساس بالآخر، مما حفَّز كافكا على ابتكار قصص الرحلة والمغامرة الرائعة، الملائمة لسِنِّ تلك الطفلة، كي تتقبَّلَها وتعِيَها، وتتفاعلَ معها، فتنسى دميتَها الأولى!
لقد أدرك كافكا ألمها الكبير، الذي أثر على نفسيتها، وعكَّر صَفْوَ حياتها، وهي في طور طفولتها. فكان عليه أنْ يتحول بقصصه إلى معالج نفسي. ويُقال إنه كرّس بقيةَ حياته في كتابة تلك الرسائل ليرضي الطفلةَ، ويُشْفي نفسَها الحزينةَ، ويُقْنِعَها بأنَّ الحياةَ كافيةٌ بأنْ تُعَوِّضَها بحبٍّ آخرَ، أو أحسنَ منه…وذلك هو الدور الكبير الذي يؤديه الكاتبُ في مجتمعه!..والسؤال: هل عاد الحب إلى الطفلة بشكل لم تألفْهُ من قبلُ؟!
إنَّ رسائل الكاتب كانت هديةً حقيقيةً للحب، وبلسما شافيا لألم الفقدان، الذي نعاني منه جميعا…فقدانُ أعزَّ ما ملكْنا في هذه الحياة!