الاشتغال وفاعلية الذات.. قراءة في ديوان الشاعرة مُنية بن صالح
في الكثير من القراءات للشِّعر العمودي نقف في منطقة الموسيقى، مثلما نقف في منطقة التفاعلات التأويليّة لشطري البيت الشعري، أو لأشطر النصوص التفعيليّة التي تتّخذ من تعدّد البحور الموسيقيّة مجالًا لها.
غير أنّ بعض التجارب الشعريّة لا تكتفي بالوقوف عند هذه المناطق، بل تتجاوزها إلى فضاءات اشتغاليّة أوسع، تتقاطع فيها الموسيقى مع الدلالة، ويتجاور فيها البناء مع الرؤية. وفي هذا السياق، تأتي مجموعة “كأنّي… وكلّ تاءاتي سبايا” للشاعرة التونسيّة منية بن صالح، الصادرة عن دار الفردوس للنشر والتوزيع، بوصفها تجربة تقف في أكثر من منطقة في آنٍ واحد؛ فهي تنشغل بالصياغة، وبالتأويل، وبالمعنى، من دون أن تُضحّي بإحداها لصالح الأخرى. تحمل هذه المجموعة تجربة وجدانيّة غنيّة، تنطلق من عتبة العنوان، وتمتدّ إلى قوافي القصائد ودلالات نصوص التفعيلة، ولا سيّما أنّ الشاعرة اشتغلت على جنسي الشعر: العمودي والتفعيلي، وحملتهما معًا بطاقة رمزيّة عالية، جعلت النصوص تتجاوب فيما بينها ضمن وحدة شعوريّة ودلاليّة واضحة.
العنوان ودلالة المضمون:
يُعدّ العنوان العتبة الأولى للنص، بل المفتاح التأويلي الذي يقود القارئ إلى عالمه الداخلي. وعناوين القصائد في هذه المجموعة، على اختلاف أجناسها، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعنوان الرئيس، الذي اشتغل بوصفه مركزًا دلاليًّا، تتفرّع عنه الأجنحة النصيّة المختلفة. وقد منح هذا الاشتغال العنوان وظيفة مزدوجة: توحيد التوجّه العام، وفتح إمكانيّات متعدّدة للقراءة.
فالارتباط هنا لا يقتصر على المستوى الشكلي، بل يتجاوز ذلك إلى علاقة وظيفيّة بين النص بوصفه قصيدة موزونة أو تفعيليّة، وبين النص بوصفه فاعلًا سرديًّا يمتدّ خارج حدوده التقليديّة، ويعيد تشكيل ذاته كلّما سنحت فرصة للتنوّع التدويني. يتكوّن العنوان، بوصفه عتبة نصيّة أولى، من جملة اسميّة مركّبة تحمل أبعادًا ذاتيّة ولغويّة عميقة.
أوّلًا: (كأنّي) وهي أداة تشبيه تفيد الظنّ أو القرب، وتضع الذات الشاعرة في منطقة وسطى بين الإثبات والنفي. إنّها حالة (بينيّة) لا تجزم بالهويّة المطلقة، ولا تتخلّى عنها تمامًا، بل تتركها معلّقة في فضاء الشكّ والتأمّل. ومن هنا توحي (كأنّي) بضبابيّة الرؤية وبالحيرة الوجوديّة، وكأنّ الشاعرة تعيد اكتشاف ذاتها من خلال مرايا الشِّعر.
ثانيًا: (وكلّ تاءاتي) في هذا الجزء يبدأ التمرّد اللغويّ، ويتجلّى الاشتغال الواعي على الحرف بوصفه كيانًا دلاليًّا. فالتاء هنا ليست مجرّد علامة نحويّة، بل رمز متعدّد الطبقات: هي تاء التأنيث الدالّة على الأنوثة، وتاء المتكلّم التي تحيل إلى الفعل والوجود والاعتراف بالذات. إنّها، بتعبير الشاعرة في الإهداء (الحروف التي انقادت حين احترق المعنى)، أي الحروف التي فقدت حيادها ودخلت دائرة الألم والاحتراق.
ثالثًا: (سبايا) تحمل هذه المفردة ثقلًا تاريخيًّا واجتماعيًّا واضحًا، إذ تحيل إلى القيد والمصادرة والفقدان. وهي تنقل (التاءات) من حيّزها الأنثويّ اللغويّ إلى حيّز دلاليّ أكثر قسوة، يرتبط بالأسر والانتهاك والحرمان. وبهذا التحوّل، تصبح التاءات تعبيرًا عن واقع نفسيّ ولسانيّ في آنٍ واحد، واقعٍ قد يكون أنثويًّا في مظهره، لكنّه مثقل بالحزن والذاكرة والفقد. ويمتدّ هذا الاشتغال إلى عناوين القصائد الخمس والستّين، التي تعود في بنيتها الجناحيّة والدلاليّة إلى العنوان الرئيس، بوصفه مركزًا جاذبًا. فالعنوان يعمل هنا كـ (شِيفرة) تفتح مغاليق النصوص، وتوجّه قراءتها. ويمكن القول إنّ كلّ قصيدة في المجموعة تمثّل محاولة لتحرير (تاء) من السبي، سواء أكانت تاء الحنين، أو تاء الوجع، أو تاء الكتابة ذاتها. وتُعزّز الشاعرة هذا الوعي اللغوي من خلال عنايتها بالتفاصيل الشكليّة، مثل تقديم تنوين الفتح قبل الألف في كلمات من قبيل: (حبًّا، دعاءً، أمانًا)، وهو اختيار يشي بحساسيّة جماليّة خاصة في التعامل مع الحرف والصوت. بهذا المعنى، يقوم العنوان على أنسنة اللغة، فالحروف ليست أدوات محايدة، بل كائنات تشارك الشاعرة معاناتها، وتتحوّل من علامات نحويّة إلى رموز وجوديّة تعبّر عن أنوثة مجروحة تبحث عن خلاص.
الاشتغال البنائي والدلالي
ينطلق البناء الداخلي للمجموعة من العنوان الرئيس أيضًا، حيث تتشكّل ثنائيّة الحضور والغياب بوصفها محورًا ناظمًا للتجربة. فالعنوان يأتي بمثابة محاولة إنقاذ من الفقد، وإعلان رمزيّ عن حضورٍ مهدَّد بالانطفاء. وتُفتتح هذه المحاولة بما صدّرته الشاعرة من علامة أولى على الصرخة، جاءت في شكل قصيدة عموديّة، بوصف الشِّعر خلاصًا وضرورة وجوديّة:
“قالوا؛ تركتِ الشِّعرَ قلتُ:
وكيف لي؟
أيجوزُ تركٌ والهوى أمّارُ”؟
وتتأكّد هذه الرؤية عبر الإهداء، الذي لا يؤدّي وظيفةً شكليّة فحسب، بل يتحوّل إلى عتبة وجدانيّة تستدعي الذين (مرّوا كالحلم وتركوا ظلالهم)، وإلى روح الأب والشقيق (كمال). إنّ هذا الفقد الشخصي هو الذي حوّل الكلمات إلى (سبايا) في يد الغياب، وجعل الكتابة فعل مقاومة ضدّ النسيان.
ومن هنا يمكن قراءة الاشتغال في المجموعة بوصفه محاولة واعية للمّ التشظّي، ضمن قصديّة واضحة ووعي تأويليّ متماسك. فالذات محاصَرة، والعالم أوسع من قدرتها على الاحتمال، والأماني تبحث في هذا الاتّساع عن منفذ، ولو عبر صراخ النصوص:
“مرّوا بباب الشوق فاحـترقوا، يا ليت ما مرّوا… ولا طرقوا”
ص 9.
يتحوّل (الاحتراق) هنا إلى معادل موضوعيّ لحالة السبي؛ فالحرّيّة في الحبّ أو في الشِّعر تقود إلى الاحتراق، والاحتراق يقود إلى الانكسار، والانكسار يفضي إلى الأسر الرمزيّ، الذي لا يُلمّ شتاته إلّا عبر التشبيه والتكثيف الدلالي. وتحمل هذه البنية أبعادًا وجوديّة ووجدانيّة عميقة، تدور حول محاور الفقد، والذات الجريحة، واللغة بوصفها ملاذًا أخيرًا.
ويمكن تتبّع هذه الأبعاد عبر عدّة مستويات متداخلة:
أوّلًا: فلسفة الفقد والغياب، حيث يمثّل الغياب المحرّك المركزيّ للنصوص، وهو لا يُطرح بوصفه حالة عابرة، بل يتحوّل إلى كيان تُخاطبه الشاعرة وتحاوره. يبدأ هذا الغياب من الإهداء إلى الأب (الصرح الذي تهاوى)، وإلى الشقيق (كمال)، الذي تحسّ الشاعرة أنّ حضوره الخفيّ ينهض بالقصائد من تحت التراب.
وتتجلّى هذه الثنائيّة بوضوح في قصيدة (ثنيّات الغياب)، حيث يُختصر العمر في لحظات الفقد، وتبقى أطياف الراحلين محفورة في الذاكرة:
“لملم أنينَ الفقدِ خلف رحيلِهم
“واذكر مساءاتٍ ذكت أعطارَا
واقرأ على أطيافهم وجدًا طوى عمرًا…
ويطوي – دونهم- أعمارَا”
ص 16
ثانيًا: التاءات بين الذات والتشظّي، حيث تطرح القصائد فكرة استلاب الذات بوصفها نتيجة لعلاقة مضطربة بين الفرد ومحيطه. فالهويّة المؤنّثة، التي تُختزل رمزيًّا في (التاء)، تظهر هنا بوصفها كيانًا مسلوبًا، يتأرجح بين الاغتراب الروحيّ والرغبة في الاحتجاج. وغالبًا ما يتجلّى هذا التوتّر في صيغة أسئلة متكرّرة، تعكس عدم اليقين، والبحث المستمرّ عن معنى ثابت. وتتولّد هذه الأسئلة من حالة الاحتراق والوجع، حيث يتحوّل (باب الشوق) إلى معبر لا يورث إلّا الخسارة، ويغدو الوجع لغةً بديلة للصمت:
“أخبّئ نزفي بين كفَيْ هزيمتي
أُنادِمُ جرحًا شتّ فيهٍ تأوّلي”
ص 58.
ثالثًا: قدسيّة الشِّعر والكتابة في ظلّ هذا الاغتراب، إذ يغدو الشِّعر ضرورة وجوديّة لا يمكن التخلّي عنها. فالشاعرة ترفض فكرة ترك الكتابة، وتتعامل مع الشِّعر بوصفه فعل إحياء ومواجهة في آنٍ واحد. وهو ليس ترفًا جماليًّا، بل قدرٌ ملازم للذات:
“أبدًا نموت…
وكلّ معنى خنجرٌ إن غارَ فينا…
يا حروف ضوَّعي”
ص 59.
أو:
“غرقى…
وكفّ الموت أطلق يمَّهُ عطش…
وهذا نميرُه كأسنَّه”
ص 60
هنا تتحوّل التاءات إلى وطن رمزيّ للأنثى الحزينة، وتغدو القصيدة المساحة الوحيدة التي يمكن أن تسكنها هذه (التاءات السبايا) بعيدًا عن قسوة الواقع.
رابعًا: الوجع الإنساني والكوني، إذ على الرغم من انطلاق النصوص من تجربة ذاتيّة واضحة، إلّا أنّها لا تنغلق عليها، بل تتجاوزها إلى أفق إنسانيّ أوسع. فالوجع الشخصي يتحوّل إلى مرآة لخيبة جماعيّة، تعبّر عن صراع الإنسان مع جبروت العالم والحياة:
“ما عاد ينفع كفّ اللوم تجريحي
مذ أن نذرتُ صدى ذكرك للرّيح”
ص 63
وفي الوقت نفسه، تحضر نزعة التوق إلى الوصل المستحيل، حيث يتكرّر العطش بوصفه استعارة للبحث الدائم عن الانعتاق:
“والنخل حين يُسيل دمع جذوعه
يُخفي بطيّ الروح جرحًا ضامَه”
ص 61.
خامسًا: الحبّ والشوق، حيث لا يُطرح الحبّ في هذه المجموعة بوصفه عاطفة عابرة، بل بوصفه قدرًا محفوفًا بالألم. فالهوى هنا قرين الشِّعر، وكلاهما باب للاحتراق. ومن خلال صورة العاشق المضحّي، تتجلّى فكرة الفداء بوصفها معادلًا رمزيًّا لأسر الذات المؤنّثة:
“لئن خاب ظنّي…
ليس فيهم وإنّما عجبتُ لعقلٍ…
كيف فيهم يُغيَّبُ
أسيتُ لغدرٍ كيف ينسف حصننا
كيف جنانُ الحبّ تبلى تُسلب”
ص 109
إنّ الشاعرة تشتغل على هذه الثيمات ضمن تنوّع موسيقيّ محسوب، مستخدمة البحور الخليليّة مثل الكامل والوافر والبسيط والمتقارب، إلى جانب نصوص التفعيلة، مع ميل واضح إلى العمود الشعري الموزون والمقفّى، وانفتاح واعٍ على التفعيلي حين تقتضي الحالة ذلك.
اللغة وتفاعل الفكرة
تمتزج لغة المجموعة بين الأصالة واليوميّ، في محاولة لتحويل الانكسارات الشخصيّة إلى خطاب شعريّ يلامس القلق الإنسانيّ الكوني المتعلّق بالموت والزمن والحبّ الضائع. وتؤدّي القصائد العموديّة، التي تشكّل النسبة الأكبر من الديوان، وظيفة الذاكرة والضبط الإيقاعي، في حين تعبّر قصائد التفعيلة عن التشظّي والبحث عن فضاءات أوسع للبوح. ويُسجَّل للمجموعة غلبة النظم بوصفه بنية جماليّة واعية، تقوم على إحكام الإيقاع وتلوين القوافي بما ينسجم مع الجوّ الوجدانيّ العام. كما تحمل القصائد نفسًا سرديًّا خفيًّا، يجعلها أقرب إلى سيرة شعريّة متّصلة، تبدأ بتبرير فعل الكتابة، وتنتهي بتوثيق لحظات الفقد الكبرى.
وفي المحصّلة، تقدّم مجموعة “كأنّي… وكلّ تاءاتي سبايا” نموذجًا لشعرٍ يحافظ على عموده الكلاسيكي، من دون أن يتخلّى عن قلقه الحداثي. إنّها تجربة تمزج متانة الشكل بسيولة الوجع، وتنجح في تحويل النظم إلى وسيلة لتحرير الصوت الأنثويّ من سجن الصمت، وإطلاقه في فضاء الشعر الرحب.