القراءة في نص (الصخرة والبحر والإلهام) قد تتعدد وجهات النظر حولها، وتتعدد الانطباعات بتعدد القارئين ومشاربهم وثقافاتهم، وبداية فإن مهمة الناقد لا تقل إبداعا عن صاحب النص الأصلي، لأن النص الذي يكتبه الناقد يتحول إلى عملية إبداعية، يضفي الناقد من خلالها إيحاءات وظلالا على النص قد لا يراها المؤلف أثناء العملية الإبداعية، ويستنطق النص دلالاته الهامشية، التي قد تكون تلقي بظلالها على النص أثناء ولادته، وقد تمثل خلفية تسيطر على المبدع يتحرك من خلالها، ويدور في فلكها، من دون أن تكون هي المقصودة لذاتها، وإنما تسهم في إبراز الفكرة الأصلية التي يعبر عنها المبدع.
من هذه القاعدة فإن نص (الصخرة والبحر والإلهام)، هو مشهد واحد له ظلال متعددة، وتختلف هذه الظلال، وإن كانت تصل في النهاية إلى نتيجة واحدة، هي موضوع القصة، فنستطيع قراءة النص من خلال الإيحاءات الصوفية التي وظفتها الكاتبة، كما نرى الظل النفسي الذي يصور العملية الإبداعية، ومعاناة المبدع لإخراج عمل إبداعي يتسم بالجدة والطرافة، وأخيرا نجد الظل الاجتماعي الذي يبدو جليا في رسم مشاهد الحياة الاجتماعية، والبحث عن آفاق جديدة، وأجواء رحبة تتسم بالحرية.
وتصب هذه الظلال جميعا في بؤرة واحدة تمثل لب الموضوع الأساسي للقصة، وهو الحرية، لكنني سألقي الضوء على أحد هذه الظلال، وهو الظل الصوفي، لنرى كيف وفقت الكاتبة في توظيف تلك الإشارات والنظريات الصوفية، في بناء نص بلغ من البراعة مبلغه.
روحانية صوفية.
هناك جزئيات في النص مترابط بعضها ببعض، إذا تم تجميعها فإنها تساعدنا على إدراك هذا المشهد الروحاني، هذه الجزئيات هي أشبه بقطع الفسيفساء التي تشترك في تكوين صورة بديعة، لكن إذا نظرنا إلى كل قطعة منها ككل قائم فإننا لا نستطيع أن ندرك جانبا، ولو كان صغيرا، من هذه الصورة، فإذا نظرنا مثلا إلى قول الكاتبة: (ظلام الغرفة يزيد في حلكة الظلام الذي يسكن أفكاره)، مع قولها: (ولكن الشمس لم تدخل إلى حجرته ولم تزح الظلمة من أفكاره)، وقولها: (الظلام يحجب الأفق، لقد انعكس سواده على نفسه)، أدركنا أن هذه الغرفة الضيقة ليست سوى هذا الرأس المعلق بأعلى هذا الجسد المتداعي المتهالك، الذي يشغل حيزا من هذه المزبلة (الخاكدان بتعبير شعراء الفرس) المعبر عنها بـ(الدنيا)، فالكاتبة قد مازجت بين ظلام الغرفة والظلام الساكن في أفكار بطل القصة ونفسه، في صورة لا يمكن الفصل فيها بينهما، حتى إن قارئ القصة لو حاول أن ينظر إلى هذا المشهد بعيدا عن ذلك الظل، فلن يستطيع رؤية الصورة واضحة، بل ستستحيل (صورته ضبابية متداخلة التقاسيم)، لذلك فإنه بعد أن أتم قراءة الأسطورة، شعر في هذه اللحظة بضيق الغرفة؛ لأنه أدرك ذاته وعرف أنه كان غارقا في جهل مطبق، فعمد إلى كسر هذه المرآة التي لم يكن يرى من خلالها إلا نفسه لا سواها، وكانت (تحاصر صورته وتضعه في مواجهة جدار يحجب عنه الشمس)، لذلك فإن قطرات الدم التي تقاطرت من يده هي الثمن الذي دفعه حتى يكتشف (درجة حماقته البالغة) ليخرج إلى عالم النور، إلى البحر غير المحدود، وأمواجه الهادرة، وهذه الفكرة تتأكد بالمضي قدما في قراءة النص، وننطر إلى هذه التغيرات التي أحسها البطل، فإن الصورة التي تخيلها لعروس البحر (أوجدت في حياته نسقا مغايرا للحركة والنوم والرسم والحديث مع الآخرين)، وبدأ يدرك عوالم رحبة لم يكن على وعي بها من قبل، ساعده على ذلك هذا الخيال الذي أعمله في صورة عروس البحر، (وبعد مدة اكتشف أنها قد انتشلته من المرايا التي كانت ملامحها تتعدد على صفحاتها دون أن يدرك أيها تمثله حقا)، ولذلك أراد أن يخرج من حدود جسده الضيق إلى آفاق الخيال الرحب، ولذلك (انصهرت صورة عروس البحر في ذلك الحلم الذي باغته منذ أن اعتقلت تلك الأفكار مشاعره وحررته من جسده)، إن هذه الفكرة هي التي ذكرها سمنون البغدادي الصوفي في قوله: (أول وصل العبد هجرانه لنفسه، وأول هجران العبد للحق مواصلته لنفسه).
إننا إذن أمام تجربة صوفية، يحاول البطل من خلالها الخروج من أسر هذا الجسد وحدود هذه الدنيا، والانطلاق إلى عوالم الخيال الرحبة، ليرسم صورة الباحث عن المعرفة التي قد نرى من خلالها أيضا المبدع الباحث عن الحرية والإبداع في عالم يخلو من تسلط القوى المهيمنة.
ولذلك فإننا نعجب معه من هؤلاء الفنانين المعدمين (كيف يجدون طريقهم إلى الإبداع بين روائح البول والسمك النتن وبقايا الأطعمة المتعفنة المنبعثة من القمامة التي ما انفكت القطط تنبشها ليلا نهارا؟)، ولقد سبق أن تبنيت في قراءتي نظرة شعراء الفرس إلى الدنيا، ورأيت أن هذه العمارة ليست سوى هذا الجسد المتداعي، والغرفة الضيقة في أعلاها ليست سوى هذا الرأس، لذلك فهو تعجب ممن لا يرون إلا الطبيعة البشرية، هؤلاء الدنيويون الذين لا يرون هذا العفن المتراكم، كيف ركنوا إليها؟ إننا بصدد مفارقة بين هؤلاء الراكنين إلى حدود هذه الدنيا، والباحثين عن أدب جيد في عالم يملؤه الفساد، ورحلة البطل إلى عالم الحرية، عالم البحر الواسع، بين هؤلاء الذين يأتون إلى المزبلة لكي يبدعوا، ورحلته هو للبحث عن مكان يصلح للإبداع، وعن الإلهام الذي يحركه للإبداع.
إن رحلة البطل تتكون من مغامرتين، جاءت المغامرة الأولى في شكل مقتضب بالرجوع في الزمن إلى الخلف، وتذكر حادثة حدثت حينما كان البطل طفلا صغيرا، حينما (خرج ليسوق العربة في العاصفة عبر منعطفات الجبل، مواجها المطر والريح والصقيع، كان الحصان حارنا يصك الأرض بحوافره، رافضا السير على الطريق، ولكنه بقي يصارع الطبيعة والحيوان إلى أن انبسط السهل أمامه، وبدت ذؤابات الأعشاب تتماوج تحتهبات العاصفة، عندها ترك العنان للحصان يسير خببا)، إنها مرحلة المجاهدة للسير في الطريق ومحاولة التغلب على مشاقه وصعابه، ومرحلة تمهيد الطريق لهذا الحصان الحارن، حتى يستطيع أن يسير خببا، ولعل هذا الحصان يذكرنا بالحصان الذي ضرب به أرسطو المثل للعقل، إنه إذن كان يجاهد نفسه وتأملاته، حتى وصل إلى مرحلة ترك فيها العنان لعقله كي يسبح في عالم الخيال، ويسير فيه خببا.
أما المغامرة الثانية فهي هذه المغامرة التي استولت على معظم أحداث القصة، وهي رحلة البحث عن عروس البحر، والمغامرتان لا يفصل بينهما في القصة سوى حدث القراءة، ذلك الحدث الذي انتهت إليه المغامرة الأولى، وبدأت به المغامرة الثانية، وهي تذكرنا بقوله تعالى: (اقرأ)، تلك الكلمة التي فصلت بين مرحلتين في التاريخ، الأولى مرحلة الجاهلية، وهي المرحلة الضبابية التي عبرت عنها الكاتبة في ذهن البطل، وهي مرحلة الظلام ذلك التعبير القرآني الذي استخدمته الكاتبة ببراعة لتعبر عن الحالة النفسية التي كان يعانيها البطل، والمرحلة الثانية هي مرحلة النور، وهو أيضا تعبير قرآني، وقد استخدمت الكاتبة مرادفا له حين وصفت هذه المرحلة بأنها (قمم من الضوء)، حيث بدأت ملامح الطريقتتكشف أمام البطل.
الصخرة:
إن الصخرة رمز صَوَّفَتْه الكاتبة، بحيث يمكن التعبير به عن صخرتين، الأولى منهما صخرة المعراج، تلك الصخرة التي ارتقى منها النبي الكريم صلوات الله عليه إلى العالم العلوي، ليرى من آيات ربه الكبرى، وقد حاكت الكاتبة تلك الحادثة ببراعة، لتصف لنا تلك النفسية المسيطرة على البطل، فإنه كلما كان (يسير مثقل الخطى، متوتر الأعصاب، خائر القوى، كان كلما شعر بهذه الحالة، يولي وجهته نحو تلك الصخرة)، إن الرمز إذن ليس بعيدا، بل إنها لم تقتبس اللفظ القرآني في قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فحسب، بل اقتبست تلك الحالة النفسية نفسها في مطلع الآية الكريمة: (قَدْ نَرَىتَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)، حين وصفت تلك الحالة المسيطرة على البطل بقولها: (تخيل البحر وهو ينفتح على تلك التساؤلات التي تولد تساؤلات أخرى ولكنها لا تنفتح إلا على أخرى إلى حد الإرهاق والشعور بالضياع وانتفاء تشكل الأفق المرتقب)، فإن البحر هو انعكاس صورة السماء، في لونها، وتلك التلال من الأمواج تشبه تلك الجبال من السحب المتراكمة، وهدير الأمواج الذي يشبه هدير الرعد..
أما الصخرة الثانية التي قصدت إليها الكاتبة، فهي تلك الصخرة التي التقى عندها موسى وفتاه والخضر، لكن في هذا المشهد فإن عروس البحر هي التي اتخذت سبيلها في البحر عجبا، على ما وصفت الكاتبة ذلك المشهد، إنها قصدت إلى هذا الرمز حين رصدت محاولة الفتى الانتحار، ولكنه لما استيقظ وفتح عينيه (وجد نفسه ملقى على الرمال قرب الصخرة وقد وقف عند رأسه رجل هرم إلى جانبه شاب في مقتبل العمر)، إنها هذه الصورة الصوفية التي تجمع في هذا المشهد هذا الشيخ الهرم وفتاه الشاب مع هذا المجذوب لعروس البحرالمجنون بها، الذي أدرك بالإلهام ما لم يستطع هذا الشيخ بحكمته وتجاربه أن يدركه، ولم يستطع هذا الشاب بجرأة الشباب وفورته أن يبحث عنه، لذلك فإنه لم يجادلهما في وجود عروس البحر وفي نظرة كل منهم إلى البحر، (ولكنه موقن أن البحار الشاب لا يرى في ذلك إلا مجرد أسطورة لا أساس لها في الواقع، لذلك يفضل أن لا يتحدث معه طويلا عن نظرة كل منهما للبحر)، لأن نظرته تحتاج إلى تجربة ذاتية، لأن من ذاق عرف، ونظرة هذا البحار الشاب تقنع بأن القلادة ما أحاط بالعنق وحسب، بل إنه (وجد من الصعب أن يشرح له شعور الإنسان الذي يتحرك في عالم وعقله مشدود إلى عالم مغاير)، وهو ما يذكرنا بقول الجنيد: (موافقة الأصحاب خير من الشفقة عليهم).
السماع والجذب:
وظفت الكاتبة كذلك بعض آداب الصوفية، كالسماع، حيث بدأت تجربة البطل بسماع صوت حسن، هو صوت عروس البحر، وكان يسائل نفسه: (أكلما شعرت أن الجو المأتمي يأسرني ، ينبعث صوت عروس البحر ليستأصل أشواك ألمي ويبدد قلقي وأشعر أنني ناصع الوجدان ، فترتسم على وجهي علامات الارتياح وتصير خطواتي أكثر عزما؟) إنه حال القبض والبسط، وقد أشارت إليه الكاتبة كذلك وعمقت وصفه، حيث وصفت الحال التي كان عليها البطل قبل خوض تلك التجربة، وما كان يعتريه من كآبة وجو مأتمي، وقلق… وهو ما يقابل القبض، ثم الحال التي آل إليها بعد ذلك، من الوجدان الناصع، واستئصال الألم، وتبدد القلق، والخطوات التي صارت أكثر عزما… إلخ، وهو ما يقابل البسط.
وقد عمقت الكاتبة أدب السماع عند الصوفية ووظفته توظيفا حسنا، فلقد احتفى الصوفية بهذا السماع مع تحذيرهم من يخشى عليه الفتنة، ومنهم من ينكر السماع، لكن الكاتبة نسجت على قول القائلين به، وهم كانوا يحتفون بسماع الصوت الحسن، حتى إن سلطان العاشقين عمر بن الفارض كان له جوارٍ يغنينه، فيقوم ويتواجد، وكان يتغالى في شرائهن لأجل حسن أصواتهن، على ما ذكر الشعراني.
وقد كان هذا حال البطل معنا، فإنه حينما كان (يسير مثقل الخطى، متوتر الأعصاب، خائر القوى، كان كلما شعر بهذه الحالة، يولي وجهته نحو تلك الصخرة التي عزفت الطبيعة على إكمال نقشها، وقربَها يسترسل صوت فتاة تنشد بعذوبة كلمات اللوعة والشوق، فيبلغ قمما من الضوء، لم يحلم بها من قبل)، إنها كانت تنشد بعذوبة، وكانت تنشد كلمات اللوعة والشوق، وهذا يشبه ما حكي عن ذي النون المصري أنه دخل بغداد، فاجتمع عليه صوفيتها ومعهم قوال، فاستأذنوه أن يقول بين يديه شيئا، فأذن لهم، فأنشد يقول:
صغير هواك عذبني
فكيف به إذا احتنكا
وقد جمعت في قلبي
هوى قد كان مشتركا
أما ترنو لمكتئب
إذا ضحك الخليُّ بكى
إنها كلمات اللوعة والشوق التي أشارت إليها الكاتبة.
بل إنهم لم يكونوا يقصرون السماع على الأصوات الحسنة فقط، بل إنهم كانوا يرون السماع في كل شيء، حتى إن أبا عثمان المغربي كان يقول: (سمعت البئر تقول: الله الله الله)، وهنا نرى البطل (يستمع إلى دقات قلبه النابضة بالحيرة ، إلى حد يدفعه إلى الجنون).
وكان الشبلي يقول: (السماع ظاهره فتنة، وباطنه عبرة). وهو ما كان متجليا في حالة البطل معنا، فإنه كان في الظاهر مفتونا، بل قد اعترته حالة من حالات الجذب، تشبه حالة الجذب عند الصوفية، حتى إن (الصوت كان يجذبه) إلى الصخرة (فيعود من جديد وهو يسعى رافضا أن يصدق أنه أصبح أسير ذلك الموقع)، وعبرت الكاتبة عن ذلك بقولها: (وكم جرب الجنون)، وهو تعبير قمة في البراعة، إنه ليس مجنونا، بل إنه جرب الجنون، هناك عملية اختيار، وهو يشبه ما قاله سمنون البغدادي الصوفي: (الجنون فنون)، فليس كل الجنون جنونا، وإنما بعض الجنون يكون طواعية واختيارا، وهو ما فعله البطل معنا، إنه قرأ أسطورة أوليس، وعلم أن من يعبر حوض عروس البحر ينجذب إلى الصوت العذب، وتغرق سفينته، ولكنه لم يرض بحيلة أوليس للهرب من الجذب، ولم يضع القطن في أذنيه، إنه أراد أن يجرب، بل إنه حاول أن يستكشف وجه عروسا البحر التي يسمع صوتها ولا يراها، فكان (يتخيل شكل عروس البحر وهو يتملى ملامحها الأولية على صفحة الصخر ، وهو يكمل تفاصيل ملامحها في الخطوط التي تضيفها مخيلته ، وهو يتمنى محاورتها ، وتحسس ملامحها بأنامله)، لكن عدم العمل بحيلة أوليس كان يمكن أن يذهب بالبطل إلى الجنون الحقيقي، ولذلك خاطبته عروسا البحر قائلة: (مجنون أنت يا من سلكت دروبنا! من قادك إلى موقعنا؟ هذا الدرب عفت عنه الأيام ومحوناه من الذاكرة، وضللنا من حاول الوصول إلينا)، إنه جرب الجنون، ولكنه ليس مجنونا، ولذلك كان الآخرون يرون أنه (قد تغير ، وكثيرا ما أشعره الآخرون من خلال كلمات المواساة ونظرات الإشفاق أنه في حاجة إلى طبيب أكثر من قبل ، وكان هو نفسه يعتقد أنه قد تغير منذ أن أصبح يسمع ذلك الصوت وأصبح أكثر ثباتا في الرؤية)، إن نظرة الآخرين تجاهه نظرة إشفاق، هو قد تغير، وهم يشفقون عليه، إنهم كانوا يرونه مجنونا حقا، وإلا فلماذا هذا الإشفاق؟ لكنه أصبح أكثر ثباتا في الرؤية، من خلال رسومه، والمقدرة على التعبير، وهو ما لم ينكره الآخرون، وهذا هو الشق الثاني من قول الشبلي: (وباطنه العبرة)، والسبب في ذلك ما قاله الجنيد: (السماع فتنة لمن طلبه، ترويح لمن صادفه)، والبطل لم يطلب السماع، وإنما صادفه، ولذلك كان ترويحا له، بحسب الحالة التي صورتها الكاتبة.
الفناء والبقاء:
أخيرا وليس بآخر، فلقد وظفت الكاتبة نظرية الفناء والبقاء بشيء من البراعة، في ذلك المشهد الذي اقتحم فيه البطل المياه المجهولة، وأمواج البحر الهائجة، وأدى به الأمر إلى رؤية هذا العالم الغيبي الذي كان يتوق لرؤيته، ولقائه عروس البحر، وخطابه معها، ورؤية صور هؤلاء الناس على جدران الغرفة البلورية، وهم يعذبون بأشكال مختلفة من صور التعذيب، إنه يرى العالم من الداخل إذن، وهو ما كان سيؤدي به إلى الهلاك، أو إلى الفناء، ليتم البقاء مع هؤلاء الناس المصورين على الجدران، لينتمي إلى هذا العالم الذي خفي طريقه وضل من قصده، إنه الفناء والبقاء، يفنى في البحر، ليصير جزءا من النقش الذي تتم به صورة عروس البحر، غير أن الكاتبة سلكت بنا دربا آخر، ولم تتم تلك التجربة إلى النهاية، إنه لم يفن، ولم يبق، إن عدم اكتمال التجربة إلى النهاية، يرمز إلى هدى التي أشارت بها الكاتبة إلى حبيبته التي قتلها.
لعل هذه تكون بعض الومضات التي رأيتها في النص، من خلال قراءة صوفية، أو ملامح صوفية قد وظفتها الكاتبة، حاولت التقاط تلك الإشارات ورسمت تلك الصورة الغائمة التي تشبه ذلك النقش على الصخرة، غير المكتمل، ولعلها جاءت قراءة مبتسرة، لكن أُريدَ منها أن تكون إشارة لا قراءة تامة، وأنا أؤمل أن تكون الفكرة وصلت من خلالها.