لم يكن وداعُ عمّان مجرّد انتقال من عاصمة إلى أخرى، بل اقتلاعا متأخرا لقلب عاش فيها طويلا، حتى ظنّ أن جذوره نبتت في شوارعها.. ترك وراءه أزقّة تحفظ وقع خطاه، وعائلةً بنكهة الحب والوفاء.. وأصدقاءَ يشبهون رائحة الياسمين في مساءات الصيف..
الأبناء كبروا حتى غدا حضوره بينهم ظلا خفيفا لا يُنتبه إليه إلا إذا غاب.. كان عليه أن يرحل؛ فالبقاء هناك صار اختناقا بطيئا..
تذكّر يوم جاءها سنة 1968، طفلا يتشبّث بخشب شاحنة قديمة تحمل ما تبقّى من البيت الأول. يومها لم يكن يملك سوى اسم واحد وصفة واحدة: “نازح”..
أبوه، الذي ابتلع الاحتلال أرضه ورزقه، لم يجد غير النزوح سبيلا للنجاة.. ترك وراءه بيتا ظلّ يسكنه أكثر مما سكن البيتُ ساكنيه..
وكما فرَّ الأب يوما ليحفظ ما تبقّى من كرامته، ظلّ ميمون يفرّ، عمره كلّه، بحثا عن شيء لم يكن يعرف اسمه؛ ربما جرعة حرية، ربما طمأنينة صغيرة، وربما مجرّد مكان يقال له فيه كل صباح: احذر؛ نحن نراقبك!
كبر في عمّان كما يكبر الطفل داخل قميص العيد؛ فرحا به، ومشدودا إليه، قبل أن يكتشف متأخرا أن القميص نفسه بدأ يضيق عليه. صار يشعر بأن الأسئلة تسبقه إلى الأماكن، وأن الوجوه تفتّش عن هويته قبل أن تستمع إلى صوته.. وحين ضاق صدر المدينة بالرجل الذي صار إليه، أدار ظهره ومضى.
كانت مصر محطته التالية، قبل أن يهبط عليها ثقل العسكر، ويستولي اللصوص على مكتبه في شارع طلعت حرب الذي أكل نعليه جيئة وذهابا إلى “أتليه القاهرة”، مارّا بميدان التحرير؛ ليعود إلى عمّان من جديد، فيعود معه الاختناق بتفاصيله القابضة على الروح، قبل أن تقوده الطريق أخيرا إلى تونس، بعد أن كان زارها مرات عديدة..
وهناك، في تونس، شعر ميمون بشيء يشبه النجاة بعد غرق طويل.. كأن الحياة التي ظلّت تؤجّل موعدها معه، قرّرت أخيرا أن تفتح له نافذة صغيرة على الضوء..
الياسمين هناك له رائحة لا تشبه سواها؛ رائحة مدينة تعرف كيف تُربّت على قلب الغريب دون أن تسأله عن هويته.. وكانت الشوارع تمشي إلى جانبه خضراء، كأنها خارجة للتو من صلاة المطر، فيما البحر يحيط بالروح من كل الجهات، كذراع واسعة تُجيد احتضان المتعبين..
أحبّ ميمون البحر حدَّ البوح الغارق في التاريخ وهو يئن، والجغرافيا وهي تحتضر..
كان يقف طويلا أمام زرقته الصافية، يناجيه كصديق قديم، ثم يبكي بصمت كلما تذكّر أن هذا الامتداد الشاطئي نفسه يمضي شرقا، بعيدا جدا.. إلى شاطئ غزة المنسيّة، حيث ترك الفلسطينيون قلوبهم معلّقة بين الموج والحصار..!
استقبله التونسيون كما يُستقبل المطر بعد أعوام الجفاف.. لم يشعر، للمرة الأولى منذ زمن، أنه عابر سبيل أو ملفّ سياسي متجدد، بل إنسان يحمل قضية تسكن القلوب، ولا تعترف بالشعارات النافقة..
تنفّس أخيرا.. مشى في شوارع تونس بخفّة رجل نجا لتوّه من غرق طويل، لم يحاول أحد إنقاذه منه..
ومن بين الوجوه الكثيرة في تونس، ظهرت “سميّة”..
كانت تشبه الأشياء الطاهرة التي لا ينتبه الإنسان إلى جمالها الحقيقي إلا بعدما يخسرها. أحبّها بهدوء يشبه الصلاة، وبخوف يشبه خوف المنفي من خسارة الملاذ الأخير. وأحبّته هي أيضا بذات النبض؛ لكنّ أمّا مترددة، وعادات أثقل من الحب، ظلّت تقف بينهما جدارا صامتا لا يُرى، لكنه يصدر ضجيجا لا يسمعه أحد غيرهما، صوت يشبه الضياع.. يشبه التيه.. يشبه الفراغ..
كانت الأم توافق اليوم، ثم تتراجع غدا.. وكلما اقتربا خطوة؛ أعادتهما الطاعة خطوتين إلى الوراء..
لم يشأ أن يكون لصّا في بيت الحب، ولم تشأ هي أن تكون عاقّة في بيت أمها؛ فافترقا بانكسار هادئ، يشبه انكسار الزجاج دون ضجيج..
ومنذ ذلك اليوم، صار الليل أطول.. فكّر ميمون في الرحيل مرّة أخرى، كما يفعل الغريق الذي يبدّل المرافئ ظنّا منه أن البحر سيتغيّر..
تنقّل بين العواصم، حتى غدت المطارات والموانئ وجوها مختلفة لمنطق واحد. كان يشعر، كلّما وقف أمام ضابط حدود، أن العالم بأسره يطرح عليه السؤال نفسه:
من أنت؟ ولماذا جئت؟ ومتى سترحل؟
وذات مساء، بينما كان ينتظر دوره لولوج غرفة التحقيق في أحد المرافئ، كتب على منديل متّسخ التقطه من سلّة مهملات:
“لا تعذليني يا سميّةُ إن تأخّر قاربي
كلُّ المرافئ لا تُجيز حقائبي
ترتابُ من خبزي المخبّأ في جيوبي
وتشكُّ في وجهي الغريب
وتخافُ من شفتيَّ إن قالت: حبيبي”
طوى المنديل ووضعه في جيبه، ثم انتبه فجأة إلى شيء لم يفهمه طوال عمره…
فهم أنه لم يكن يطارد مدينة؛ بل كان يطارد النسخة الأولى من نفسه؛ تلك التي سقطت منه ذات نزوح بعيد، فوق ظهر شاحنة غادرة سنة 1968..
أدرك، متأخرا، أن المنافي لا تتشابه لأنها قاسية فقط، بل لأن الإنسان يحمل منفاه الحقيقي داخله، أينما ذهب..
ولهذا كانت العواصم تتبدّل، بينما تبقى الوحشة كما هي؛ تجلس إلى جواره في الحافلات، وفي المقاهي، وفي غرف الفنادق الرخيصة..
شيئا فشيئا، كفّ عن الركض.. لم يعد ينتظر من المدن أن تمنحه ما عجز قلبه عن العثور عليه..
اقترب من الله بخطوات رجل أرهقته المنافي، فوجد في القرآن طمأنينة تشبه العودة إلى بيت قديم كان يعرفه، ونسي الطريق إليه..
وصارت الكتابة وطنه الأخير.. وطنا من ورق، لا يوقفه أحد عند حدوده، ولا يسأله:
من أين جئت؟ ولماذا تحمل كل هذا الحنين في عينيك؟
وفي مساء شتوي هادئ، بينما كان يقلّب جواز سفره المثقل بالأختام، أدرك أخيرا المعنى الذي ظلّ يطارده عمرا كاملا؛ لم يكن المنفى مدينة يخرج منها الإنسان.. بل شيئا يسكنه..
عندها فقط، فهم العبارة التي ظلّ يردّدها طويلا دون أن يبلغها حقا: “فأرى العواصم كلّها زبدا”…
وحين غربت الشمس، جلس إلى أوراقه المبعثرة، لا ليحكي حكايته، بل كي لا تبتلعه المسافات مرّة أخرى..
لم يعد يبحث عن ميناء.. بعد أن صار هو نفسه الميناء..!