حين نتحدث عن الصورة الشعرية، فإننا لا نتعامل معها بوصفها مصطلحا نقديّا جامدا، بل بوصفها روحا خفية تراقب اللغة من الداخل، وتختبر حرارة النص وصدقه، ثم تمنحه شرعيته الجمالية، أو تسحبها منه بصمت..
إخالُ دماغ الشاعر مختبرا غامضا، مزدحما بأدوات لا يستطيع حتى الشاعر نفسه أن يصف ماهيتها بدقة.. أدوات عصيّة على الفهم، لا تُرى ولا تُلمس، وتبدو المعايير التي نصبها النقاد والمدارس النقدية للنص نكتة سخيفة أمام أسرارها الخفية، فهي تعمل في الخلفية لتنتج ذلك الكائن المتوثب والغريب الذي نسميه: القصيدة.
في لحظة الكتابة، تختلط أشياء كثيرة داخل هذا المختبر الخفي؛ يمتزج الصوت بالمعنى، والإيقاع بالصورة، والذاكرة باللغة، حتى تغدو الجملة الشعرية كائنا حيّا لا يمكن فصل عناصره بعضها عن بعض. ولعلّ المبدعين الحقيقيين وحدهم يدركون -ولو حدسا- أسرار هذه التفاعلات الدقيقة التي تُنتج الصورة الغرائبية، والعبارة القادرة على إشعال الدهشة في عقل المتلقي وقلبه.
وتظل الصورة الشعرية، في تقديري، العنصر الأكثر مركزية في النص؛ لا بوصفها زينة لغوية أو مهارة بلاغية فحسب، بل باعتبارها القلب الذي تنبض به القصيدة، غير أن الصورة لا تتجلى في النص لمجرد امتلاك الشاعر قاموسا واسعا، أو قدرة على تركيب الاستعارات، وإنما تتولد من معرفة ذابت في أعصاب الشاعر ودمه ووعيه العميق بالحياة واللغة في آنٍ معا؛ ولهذا، فإن تقنيات الكتابة الشعرية لا تُحصى، ولا تُرى، بل تُحَسّ إحساسا خفيّا أثناء الكتابة. وربما لهذا السبب يستطيع الشاعر المتمرس أن يفرّق سريعا بين النص الحيّ والنص المصنوع؛ فالنص الحقيقي يملك حرارة داخلية لا يمكن اصطناعها بسهولة؛ لكأن النص يتنفس من تلقاء نفسه..
ويبدو أن النقاد القدماء أدركوا مبكرا أهمية الصورة الشعرية ودورها في صناعة الجمال؛ فقد كان الجاحظ من أوائل الذين ربطوا الشعر بفكرة التصوير حين قال عبارته الشهيرة:
“إنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير”.
ولم يقصد الجاحظ بالصناعة هنا المعنى السلبي المرتبط بالتكلف، وإنما أراد أن يؤكد أن الشعر ليس انفعالا خاما، أو تدفقا عشوائيا للمشاعر، بل بناءً فنيا معقدا، يحتاج إلى موهبة وصنعة معا؛ فالسجية تمنح النص حرارته الأولى، بينما تأتي الصناعة لتصقل هذه الحرارة، وتمنحها هيئة قابلة للبقاء، وهو ما يسميه النقاد: “الاشتغال على النص”.. ومن اللافت أن الجاحظ جمع بين “الصناعة” و”النسج” و”التصوير” في عبارة واحدة؛ وكأنه يلمّح إلى أن الشعر عملية تركيب دقيقة، تتشابك فيها العناصر كما تتشابك خيوط النسيج، حتى تتشكل الصورة النهائية للقصيدة.
غير أن مفهوم الصورة لم يتوقف عند هذا الفهم البلاغي المبكر، بل تطور بصورة أعمق مع عبد القاهر الجرجاني، الذي نقل النقاش من حدود الزينة اللفظية إلى جوهر البناء الشعري نفسه. فالجرجاني لم يكن يرى أن جمال الشعر يكمن في المفردات منفصلة، بل في العلاقات التي تنشأ بينها داخل السياق. ومن هنا جاءت نظريته في “النظم”، التي تؤكد أن المعنى لا يولد مكتملا قبل اللغة، بل يتشكل داخلها ومن خلالها، ولهذا لم تعد الصورة عنده مجرد تشبيه أو استعارة، بل أصبحت “صورة معنى”، أي الطريقة التي يتجسد بها المعنى داخل النسيج اللغوي. وقد كان عبد القاهر واعيا لمشكلة تكرار المعاني في الشعر، فرأى أن التصوير هو ما يمنح المعنى القديم حياة جديدة؛ فالمعاني -كما يقول النقاد- مطروحة في الطريق، لكن العبقرية تكمن في طريقة تشكيلها لا في اختراعها من العدم.
ومن هنا يمكن فهم مقولة قدامة بن جعفر، الذي شبّه المعاني بالمادة الخام، بينما تكون الصورة هي الهيئة الفنية التي تمنح الشعر قيمته الجمالية. فالمعنى وحده لا يصنع قصيدة، تماما كما أن الرخام وحده لا يصنع تمثالا..
ومع تطور النقد الحديث، اتسع مفهوم الصورة الشعرية بصورة أكبر، ولم يعد محصورا في التشبيه والاستعارة والمجاز بوصفها أدوات بلاغية منفصلة، بل أصبحت الصورة تُفهم باعتبارها بنية شعورية وفكرية متكاملة، فالنقد البلاغي القديم كان يتعامل غالبا مع الصورة بوصفها “جزءا” داخل القصيدة، أما النقد الحديث فصار يرى أن القصيدة كلها قد تكون صورة ممتدة، أو رؤية متماسكة للعالم، وهذا ما نجده عند كمال أبو ديب، الذي ربط الصورة بوظيفتها النفسية والدلالية معا؛ فالصورة، في رأيه، تفقد قيمتها حين تتحول إلى زخرفة لغوية منفصلة عن جوهر التجربة الشعورية.
أما مصطفى ناصف، فقد رأى أن الصورة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل إعادة تشكيل له عبر الخيال؛ فالشاعر لا ينقل العالم كما هو، وإنما يعيد ترتيبه وفق رؤيته الداخلية، لتصبح الصورة وسيلة لاكتشاف العالم لا لوصفه فقط.
وقد وضع أرسطو الأساس الأول لفكرة المحاكاة الفنية، وهي الفكرة التي أثرت لاحقا في كثير من التصورات النقدية العربية، غير أن المحاكاة عند أرسطو لم تكن نسخا فوتوغرافيا للواقع، بل إعادة خلق له عبر الفن.
ويرى الكاتب والناقد (جون مدلتون) أن جوهر الصورة الشعرية يتمثل في الاستعارة، لأنها الأداة الأكثر قدرة على نقل التجربة الداخلية وتحويلها إلى مشهد محسوس، في حين حذر الشاعر والناقد (آي إيه ريتشاردز) من التعامل السطحي مع الصورة، مؤكدا أنها ليست نقلا حرفيا لشيء مرئي، بل استجابة ذهنية وشعورية معقدة، تتولد داخل وعي القارئ لحظة التلقي. أما الناقدة (كارولين سبورجون) ، فقد وسعت مفهوم الصورة، معتبرة أنها تشمل كل أشكال التشبيه والاستعارة والمجاز التي تمنح المعنى حضوره الحسي والوجداني داخل النص.
وربما كان هذا التحول النقدي كله يشير إلى حقيقة واحدة: الصورة الشعرية ليست زينة خارجية تُضاف إلى القصيدة، بل هي روح القصيدة نفسها.. إنها اللحظة التي يتحول فيها المعنى إلى شيء يُرى ويُسمع ويُلمس؛ ولهذا، فإن الصور لا تنفد، ولا تستهلك، لأنها موجودة أصلا في العالم من حولنا؛ في الأشياء الصغيرة والعادية والمألوفة. غير أن “ملقط المخيال” وحده هو القادر على التقاطها، وتحويل العابر والهامشي منها إلى لحظة شعرية إشعاعية.
الشاعر الحقيقي لا يكتفي بوصف العالم، بل يعيد خلقه عبر الصورة. وكل صورة عظيمة، في النهاية، ليست سوى طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء… كأننا نراها للمرة الأولى، وأختم بمقطع لدرويش في قصيدته “أحمد العربي” دلالةً كبرى على خلق الصورة المدهشة:
و أعدّ أضلاعي فيهرب من يدي بردى
و تتركني ضفاف النيل مبتعدا
و أبحث عن حدود أصابعي
فأرى العواصم كلّها زبدا..