في قرية منسية بين جبلين يربط بينهما واد مالح كذكريات الجدات ،عاش رجل يدعي البشير بن القاسم ،طويل القامة ،كث اللّحية ، يضع على رأسه طربوشا أحمر كقبة مسجد قديم، لا يقصده الناس إلا لربط الخيوط للمتأخرين عن الإنجاب والزواج وحتى للطلاق .. ويوم الجمعة يلفه بعمامة النبوة ،ولا يفارق جسده جبة صوفية واسعة ، مهترئة الأطراف ، تبدو كأنها غطت كل أزمنة الجزائر: من الاستعمار إلى العشرية السوداء، مرورا بأعراس الفقراء ومآتم الكرامة، وحتى عزائم السياسيين الأغنياء.
كان الناس يقولون عنها: هذه الجبة تشم رائحة الاستعمار، لكنها كانت بالنسبة لعمي البشير راية شخصية،يلبسها كما يلبس الناس أسماء مناصبهم .
وكان البشير شخصية قرآنية الطابع، تُهاب وتُحب في آن.. لسانه لا يعرف المجاملة، إن مازحك ضحكت من قلبك، وإن خاصمك ندمت على الولادة.
لكنه، رغم حدّته، لم يكن يردّ سائلا، ولا ينسى جنازة، ولا يُفوّت أذان فجر.. وكان يَعُدّ نفسه موسوعة متنقلة: في الطقس،و السياسة، وتفسير الأحلام، وتربية البطّ، وفلسفة الحروب.
وكان يتخذ من مقهى”بن اللّبة”، مجلسه كل مساء، ومنبرا لمواعظه وخطبه المستعجلة فأحيانا يشرب شايا مرًّا ويقرأ جريدة قديمة، بينما ينظر لصاحب المقهى بحسرة الذي يغلق بابه كل ليلة بحرقة، وكأنه يغلق على قلبه من ألم فقد حبيبته أسمهان التي خانته وحرقت مع حبيبها لفرنسا على مركب مهترئ..
ومن أكثر خطبه المثيرة للجدل، أنه لا يرى الكفاح في السياسة فقط، بل في الحياة اليومية:
“الكفاح يا أولادي يبدأ مع أول فطور بلا خبز، ويستمرّ حتى مع الزوجات، وحتى في كأس شاي في مقهى ليس بها سكر!
واستطرد، “وكل خسارتنا لمن لا يفهمنا ربح لنا”
ضحك الرجال، وهزّ أحدهم رأسه وقال: “الفقير ديما يخسر حتى الذي لا يبيع مبادئه”!
فردّ البشير سريعًا: “لكننا نربح الكرامة يا وليدي، والكرامة لا تباع لا في سوق “سودة”، ولا في العاصمة”!
وكان له أيضًا حكايات تروى عن حماره الأشهب، الذي عُرف في القرية بتمرّده:
“مرّة قلت أذهب لسوق “سُودة” نبيع شوية خضر، ركبته وقلت: بسم الله… الحمار رفض المشي! قسمًا بالله أدار وجهه للدار كالعروس التي رفضت العريس حتى كدت أشبهه بالنساء المتمردات”!
ضحك الناس وسألوه عن السبب، فقال: منعته من الخروج أسبوعاً، لأنه كل مرة يذهب لرؤية المهرة بنت القاضي.. وأنا بطبعي حكيم فخفت عليه من الحب الكبير! “فحتى الحمير حين يحبوا، يدوّخوا ،ويزهد عقلهم”!
ولأنّ الحياة لا تعطي دروسها مجانًا، تعلم عمّي البشير أن الكرامة في زمن الصمت، مثل الجُبّة القديمة؛ قد تبدو مضحكة، لكنها سترة، وظلّ، وتاريخ لا يُشترى.وكان يردّد دائمًا:
“الناس تحكي عن الحرب والسلام وكأنها نشرة أخبار، وأنا نقولكم: السلام هو كي تقدر تسكر باب دارك، وما تخاف من الجوع ولا من الذل.. الحرب تبدأ من الظّلم، وتموت لما يتسامح الناس، وليس لما يتم توقيع اتفاقية في الأمم المتحدة”.
وذات شتاء، قرّر شباب القرية إقامة مهرجان صغير للفكاهة، فجاؤوا إليه يتلعثمون: “يا عمّي، نحبّوك تشارك في عرض بسيط، تمثّل، تضحّك الناس شوية”.
نظر إليهم نظرة تحمل كل مواسم عمره، ثم قال:”أنا؟ أمثّل؟! أنا يروى عني، ما نتمثّلش”!
فقال أحدهم ضاحكًا: “لكن راه فيها كيس زيتون وعلبة عسل حرّ وقالب زبدة بقري”..
سكت قليلًا، ثم تمتم: “عسل حر؟ هاذي حاجة أخرى”!
وهكذا، وافق العمّ، وأُعدّت المنصة الخشبية في ساحة دار الشباب، وجلس الناس ينتظرون،لا يعرفون إن كانوا سيشاهدون عرضًا هزليًا أم جنازة كلمات..!
الأنوار خافتة.. الهواء بارد.. والرجل واقف على الخشبة بقامته الطويلة، وجُبّته البالية، وطربوشه الأحمر ،كأنّه يؤمّ الزمان كلّه..
يوم العرض
كان مساءً شتويّاً رماديّاً، اجتمع أهل القرية في ساحة دار الشباب.. الأضواء خافتة، أصوات الكراسي تُسحب كأنها أنين خشب قديم، وأصوات الأطفال تتقافز بين الضحك والصياح، بينما جلس الكبار ينتظرون بشيء من الحذر والفضول: كيف سيُضحكهم رجل علّمهم معنى الصمت؟
صعد عمّي البشير إلى الخشبة، وخطواته تشبه صوت التاريخ حين يمشي على الحصى.
وقف في المنتصف، وسحب طرف جُبّته كمن يضبط حدود الوطن، ثم مسح بطربوشه جبينه، ونظر إلى الجمهور بعينين كأنهما تتذكّران كل شيء: العنزة، الحمار، الجُبّة، الحرب، العسل، والمقهى.
قال بصوته الجهوري:
“السلام عليكم.. قبل ما نبدأ، سؤال مهم: من فيكم لبس جُبّة عمرها أطول من عمر حبّه الأول”؟
ضحك بعضهم، وردّ شاب من الخلف:
“أنا مازال نحبها، لكن الجُبّة راحت معدتش مودة الآن”!
ضحك البشير وقال:
“أنا جُبّتي ما راحتش، لبستني ولبستْ بابا وجدّي.. عايشة معنا، وغسلوها ست مرّات فقط! في الأعياد، ومع ذلك رافقتني في كل شي، حتى في المصايب”.
تنحنح، واقترب من الحافة، وقال: “مرة، في عزّ الصيف، ركبت حمارِي الأشهب لأبيع خضرة في سوق سُودة.. وقبل أن نصل ، وقف الحمار، وأنزل رأسه وقال: “لا”.
فقلت: يا وليدي، من فينا الحمار اليوم؟
قال: أنا لن أقلك على ظهري و(حنحن و زعبط) كالحصان؛ حتى سقطت على فخذي الذي فيه شوكة قنفد منذ وقف إطلاق النار.. أنت حرمتني أسبوعاً من الخروج ومن رؤية المهرة ابنة القاضي، وحتى اللحظة أتحملك أيها العجور الجاهل بفنون الحب، المتقن لفنون الحرب”!
انفجر الجمهور ضحكًا، لا سيما حين قلّد عمّي الرشيد صوت الحمار بحركات وجه مضحكة وواقعية، ثم تابع:
“ذلك الحمار، كان لديه مشاعر أكثر من بعض البشير.. نعاشرهم وهم كعمود الإنارة المنطفئة.
توقّف لحظة، وألقى نظرة على الصف الأمامي، ثم قال:
“في يوم آخر، ابن أختي راح يسرح بعنزته الوحيدة لسفح جبل الحرّة، قال: يتشمم شوية هواء… راحت العنزة، وراحت الدنيا! وقعت في مجرف حنش، والولد لحقها، وسقط معها.. وجدناه مغمى عليه، وحملناهما فـي جُبّة البشير… كانت لحظتها البداية والنهاية: العنزة ماتت، الجُبّة تقطعت، والعيد راح علينا”..
ضحك الحضور بالدموع، فتابع وهو يهز رأسه: “لمّا حكيت القصة في قهوة ولد اللّبة، قال أحدهم: “المهم نجات الروح”! قلت: “صح، لكن الروح كانت تنوي تبيع العنزة وتشتري بها سروال للعيد”!
ثم غيّر نبرته فجأة، وأصبح صوته أعمق، أشبه بإمام في آخر جمعة من رمضان:
“يا أولادي… الضحك نعمة، لكن الضحك على الناس نقمة..
“هذي الجُبّة التي من الممكن أن تضحكوا عليها، سترتني في عزّ العواصف، ومشت بيا لأسواق ما كان فيها غير الحنين”.
جُبّة بسيطة، لكنها كانت علم..
ثم أضاف ،وهو يرفع طربوشه عاليا:
وإذا صادفتم رجلا في الطريق يلبس جبة تشبه خيمة زفاف،لا تقولوا: “ذلك التافه”، بل قولوا: هذا حفيد البشير، الذي ضحك وبكى وهو يرتدي الستر الحقيقي”.
سكت الجمع لحظة، ثم بدأ التصفيق… ببطء، ثم مثل زلزال صغير، قام بعضهم وقبّلوا جبين عمّي البشير، وآخرون طلبوا صورة معه، أما الأطفال، فراحوا يقلّدونه بطربوش ورقيّ وجُبّة من البطانيات..
ومنذ تلك الليلة، سُمّي المهرجان بــ”ضحكة البشير”
وبقيت جُبّته معلّقة في دار الشباب،لا بوصفها مجرد لباس، بل كراية تُذكّرهم بأنّ أجمل الضحكات هي التي تأتي بعد الحزن.. من رجال يشبهون الوطن.