في اللغة العربية كلمات تحمل من الثقل ما لا تحتمله حروفها، “ليت” واحدة من تلك الكلمات التي تجمع في مقطعين قصيرين كل ما عجزت عنه الأفعال. حين يفتتح محمود النجار قصيدته بـ”ليتنا”، فهو يسجل اعترافا جماعيا بذنب طال صمتنا عنه.
“ليتنا عرفنا كيف نقتل الذئب/ قبل أن يلغ في شرايين البلاد”
هذه ليست أمنية رومانسية يرسلها شاعر نحو القمر. هذه صرخة رجل يقف على أطلال ما كان.. يعرف أن الجرح صار عميقا، ويعرف كذلك أين كانت اللحظة التي كان بإمكاننا أن نتصرف فيها ولم نفعل. الفعل “يلغ” بكل ما يحمله من حيوانية مكشوفة، يرسم صورة الذئب وهو يغرس فمه في الشريان الحي النابض، في الدم الذي يحمل هوية هذه الأرض وروحها، والبلاد هنا كائن حي يذبح ونحن نتفرج.
ما يجعل هذه القصيدة تختلف عن كثير من قصائد المقاومة والرفض، أن شاعرها لا يرسم الشر غريبا قادما من وراء الأفق. الذئب الذي يتحدث عنه النجار ذئب مألوف، ذئب نشأ بيننا وعرفنا أباه وجده.
“ليتنا لم نستهن بنابه الأزرق/ مذ خلقنا نعرفه ونعرف أباه وجده”
هذان السطران تحديدا يحملان في طياتهما نقدا اجتماعيا جارحا. الاستهانة بالخطر حين يكون صغيرا، تلك الطبيعة البشرية التي تميل إلى تأجيل المواجهة، وتصغير الأشياء الكبيرة، هي التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه.
“الناب الأزرق” تعبير يستوقفنا طويلا، فاللون الأزرق في الموروث الشعبي العربي محمل بدلالات الغدر والخبث المستتر، وكأن الشاعر يقول إن هذا الذئب كان يحمل علامته منذ البداية، وكنا نراها ونتغافل عنها.
الجد والأب في هذا السياق هما تراكم تاريخي للفساد والاستبداد والانتهازية التي تتوارثها طبقات بعينها، تنمو في مناخ الصمت الجماعي وتتغذى على تسامح الناس الذين اعتادوا الانحناء أمام الريح ظنا منهم أنها ستمر.
يمضي النجار في قصيدته ليبني عالما كان قائما قبل أن يأتي الذئب، ويرسمه بتفاصيل تخترق القلب لأنها تفاصيل مألوفة، تفاصيل الريف العربي البسيط بكل ما يحمله من دفء وانتماء وحياة طبيعية كانت كافية ليسعد بها الإنسان.
“أتعب الفلاحين والرعاة/ أثخن المروج بالدم/ ولوث الماء”
ثلاثة أفعال متتالية تحكي ثلاث خسارات متراكبة. الفلاح الذي أتعبه الذئب لم يتعب من العمل، فالفلاح لا يشكو من العمل لأن العمل هو روحه، بل أُتعب من العبث بثمرة عمله، من رؤية ما زرعه ينهب وما بناه يهدم. والمرج الذي أُثخن بالدم كان مرجا حقيقيا، مكانا للرعي والحياة وربما للقاءات العشاق في الصباح الباكر. والماء الذي تلوث كان نقيا يوما ما، كان يحمل انعكاس السماء ووجوه الصبايا اللواتي يملأن منه جرارهن.
“لم تعد الجرار على أكتاف الصبايا تروي الصغار”
هذه الصورة بالتحديد هي روح القصيدة كلها. الجرة على الكتف صورة أزلية في الموروث الإنساني، صورة تجمع الأمومة والعطاء والانتماء إلى المكان والماء. حين تختفي هذه الصورة، فليس معناها أن الصبايا لم يعدن يحملن الجرار فقط، بل معناها أن نمطا كاملا من الحياة الآمنة المستقرة قد انتهى. الصغار الذين كانوا يروَون من تلك الجرار ليسوا أطفالا مجهولين ، هم نحن، هم أبناء هذه الأرض الذين نشؤوا على ماء نقي.. وفي أمان كانت المرأة فيه تحمل الجرة وتمشي دون خوف.
في منتصف القصيدة يتسلل سطر قد يبدو للوهلة الأولى هامشيا، لكنه في الحقيقة يضيء زاوية لم تضئها معظم قصائد الرثاء السياسي.
“ولم يعد العاشق المتلصص/ يذهب إلى الوادي الذي بهت/ الذئب يخنق نبض العشب”
العاشق المتلصص شخصية شعرية معروفة في التراث العربي، ذلك الشاب الخجول الذي يسرق طريقه إلى الوادي ليلتقي بمن يحب أو ليروي للصخور والعشب ما لا يجرؤ على قوله في العلن. هذا الحب المختبئ الخجول البريء هو أيضا ضحية. الذئب لم يكتف بتعطيل الحياة الكبيرة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل امتدت يده إلى الحياة الصغيرة، إلى تلك التفاصيل الخاصة التي كانت تمنح الإنسان شعوره بأنه إنسان.
“يخنق نبض العشب” عبارة تستحق التوقف عندها طويلا… العشب في العادة صامت وخافت، لكن الشاعر يمنحه نبضا، حياة خفية نابضة، ثم يأتي الذئب ليخنق حتى هذا النبض الخافت. هنا يتجاوز الشعر حدود الوصف ليلمس شيئا ميتافيزيقياً، الذئب يقتل ليس الأجساد فقط بل الروح التي كانت تسري في المكان.
يبلغ النقد الذاتي في القصيدة ذروته في المقطع الذي يعري فيه النجار المتفرجين بلا رحمة.
“ونحن نرقب بصمت شراسته من بعيد/ لا ندري أي مرارة تعصرنا / ولا أيها تشبهنا”!
“نرقب من بعيد”، هي الجريمة الكبرى في هذه القصيدة. المسافة التي آثرنا الحفاظ عليها بيننا وبين الخطر، تلك المسافة الآمنة التي ظننا أنها تحمينا، هي بالضبط ما أتاح للذئب أن يفعل ما فعله. والمرارة التي يتحدث عنها الشاعر ليست مرارة واحدة، بل مرارات متشابكة: مرارة الخسارة، ومرارة الذنب، ومرارة الصمت المتواطئ، ومرارة السؤال المؤجل عن الهوية. “ولا أيها تشبهنا” سؤال وجودي حقيقي، هل نحن المرارة ذاتها؟ هل أصبحنا شبيهين بما نخشاه؟
“صمتنا عليه طويلاً / وبكينا أغنامنا، وطفلين..!!/ نحن من يصنع الذئاب..!!”
هذه الخاتمة من أشد الخواتم النقدية جرأةً في الشعر العربي المعاصر. الشاعر يقلب المعادلة كاملة ويضع إصبعه في الجرح. نحن لم نكن ضحايا بسيطين لذئب قادم من خارج المشهد، نحن صناع هذا الذئب بأيدينا. بصمتنا الطويل أعطيناه الوقت لينمو، وببكائنا المؤجل على الأغنام والأطفال بعد فوات الأوان؛ أثبتنا أن عواطفنا تتحرك حين يكون الفداء قد وقع، لا حين تكون الوقاية ممكنة.
“طفلين” بالتثنية وليس “الأطفال” بالجمع، هذا الاختيار الدقيق يشخصن الألم ويجعله حميما وملموسا. الطفلان ليسا رقما في إحصاء، بل وجهان يعرفهما القارئ أو يتخيل معرفتهما، وهذا ما يجعل الفقدان يخترق الصفحة ويلامس العظم.
ما يجعل قصيدة محمود النجار تتجاوز حدود اللحظة الشخصية لتصبح وثيقة قومية، هو أنها لا تكتفي بوصف الجرح بل تشخص المرض الحقيقي. الذئب في القصيدة رمز بالغ المرونة، يمكن أن يكون الفساد السياسي المتجذر، أو الاستبداد الذي نشأ في كنفنا ونما بصمتنا، أو الاحتلال الذي وجد في تخاذلنا بيئته المثلى، أو ذلك النوع من الأثرياء الجشعين الذين أثخنوا المروج، وملأوا الأنهار بسمومهم ونحن نتفرج…
القصيدة بهذا المعنى قصيدة تحررية في جوهرها، لكن تحررها لا يأتي عبر الدعوة للثورة بالصراخ والشعارات، بل يأتي عبر طريق أصعب وأجدى: إيقاظ الضمير الجماعي ومواجهته بمسؤوليته. التحرر الحقيقي.. في رؤية النجار لا يبدأ بقتل الذئب، بل يبدأ باعتراف أصعب وأجرأ: بالإقرار بأننا شاركنا في صنعه.
حين تضع القصيدة هذه المرآة أمام وجه الأمة، فهي تفعل ما لا تجرؤ عليه السياسة ولا تستطيعه الخطب، تجعلنا نرى أنفسنا كما نحن فعلا ، ثم تترك لنا حرية اختيار ما نريد أن نكون.
محمود النجار، بهذه القصيدة، لا يرثي فحسب، بل يحرض. ليس على حمل السلاح، بل على حمل المسؤولية.