باتت ميساء طالبة الطب في سنتها الأخيرة تقلب صفحات المراجعة حتى الفجر، لا يكاد يثبت بصرها على سطر من شدة القلق. وما إن أذن الفجر حتى كانت تتصبب عرقاً، وقلبها يخفق كعصفور وقع في قبضة طفل.
دخلت قاعة الاختبار العملي شاحبة الوجه، خاوية المعدة، فما ذاقت فطوراً، ولا عرفت للنوم سبيلاً.
تقدمت إلى المريض المكلف بالاختبار، وسألته أول سؤال.
أعرض عنها.
ظنت أنه لم يسمع.
فأعادت السؤال.
فقال ببرود: — لن أجيب عن شيء حتى تدفعي.
عرفته من هيئته؛ أحد أولئك المرضى المخضرمين الذين يحضرون الاختبارات عاماً بعد عام، حتى صارت لهم خبرة بالطلاب والأساتذة، وصار بعضهم يعدها باباً للرزق.
قالت متوسلة: — والله ليس معي إلا سبعون جنيهاً، وأحتاج عشرين للمواصلات.
وأخرجت خمسين جنيهاً ومدتها إليه.
هز رأسه.
— لا تكفي.
— ليس معي غيرها أقسم لك
— وهذا الخاتم؟!
أدارت خاتما صغيرا في إصبعها وقالت: — هذا خاتم أمي.
فقال: — إذن أعطيني إياه.
سكتت لحظة.
كان الخاتم آخر ما بقي لها من أمها، ووصية صامتة تحملها معها منذ رحيلها.
لكن الخوف من الرسوب كان أشد من قدرتها على المقاومة.
فنزعته وسلمته إليه.
عندها فقط بدأ يتعاون معها.
حضر الأستاذ للمناقشة أجابت عن الأسئلة إجابات حسنة، فاطمأن قلبها قليلاً.
ثم طلب منها فحص الجهاز العصبي.
أرادت أن تجري اختبار التعرف على الأشياء باللمس.
فقالت للمريض: — أغمض عينيك.
فوضعته في الاختبار، ثم التقطت أول ما وقع تحت يدها ووضعته في كفه وسألته: — ما هذا؟
قال: — لا أعرف.
ابتسم الأستاذ.
وقال للمريض: — افتح عينيك.
ثم أشار إلى يده: — وما هذا الذي في يدك؟
نظر المريض ملياً ثم قال: — لا أعرف.
ازدادت ابتسامة الأستاذ اتساعاً.
وقال: — ولا أنا أعرف.
ثم التفت إلى الطالبة: — ما هذا يا دكتورة؟.
احمر وجهها حتى كاد يلتهب.
وقالت بصوت خافت: — مِسْكَرة…
وفرّت من عينها دمعة قلقة.
فضحك الأستاذ ضحكة أبوية حانية وقال: — يا ابنتي، ضعي في يده مفتاحاً أو قلماً أو شيئاً يعرفه الناس.
ثم أردف: أنت ممتازة، ولا يضرك مثل هذا السهو.
وكان في صوته من رفق الآباء ما هدم السد الذي كانت تقيمه حول دموعها.
ففاضت عيناها.
فقال الأستاذ: — ما بك؟
وحين أخبرته بما جرى، وبأن ذلك الخاتم كان لأمها الراحلة، تبدل وجهه.
مضى إلى المريض، وأخرج من جيبه ورقة نقدية، دسها في يده، ثم قال بحزم لا يقبل جدالاً:
— أعطها خاتمها، وإلا استدعيت الأمن ومنعتك من حضور الامتحانات كلها.
تناول الرجل المال، وأخرج الخاتم وسلمه إليها.
أخذته وهي تكاد لا تصدق.
وقبل أن تغادر، قال لها الأستاذ:
— ستصبحين طبيبة يوماً.
ثم سكت قليلاً وأضاف:
— فإذا أصبحت أستاذة فارفقي بالطلاب، وإذا أصبحت طبيبة فارحمي المرضى.
خرجت من القاعة والخاتم في يدها.
أما كلمات الأستاذ فبقيت في قلبها زمناً أطول من بقاء الخاتم في إصبعها.