كان الحب، في الحيّ الذي نشأتُ فيه، يشبه مرضا سِرّيا يخجل الناس من الاعتراف به.
الأمهات يربّين أبناءهن على الصمت، والآباء يوزّعون الخوف كما توزّع نشرات الطقس، والفتية يتعلّمون مبكرا أن النظر الطويل إلى نافذة الجيران قد يجرّ على صاحبه فضيحة مدوية..
لهذا بلغتُ الثامنة عشرة دون أن أعرف شيئا حقيقيا عن الحب، سوى ما كانت تقوله الأغاني القديمة.. كنتُ أستمع إلى فيروز صباحا فأشعر أن العالم أكثر رقة مما يبدو، ثم تأتي أمّ كلثوم مساء لتقنعني بأن القلب خُلق أصلا كي يتعذّب، بينما كان عبد الحليم يهمس من مسجلي الصغير برومانسية أحس بحاجتي إليها.. كانت تهزّ شيئا خفيا داخلي.
غرفتي كانت ضيقة، بالكاد تتسع لسرير خشبي ومكتب معدني قديم ورفّ تئنّ فوقه كتب الفيزياء والرياضيات، وروايات ودواوين شعر، اشتريتها من مصروفي، وقد ملأها الغبار قبل أن أفتح أيا منها..
ومن نافذتها كنتُ أرى الشارع الرئيسي للمدينة؛ شارعا مزدحما دائما، تعبره السيارات كأنها تهرب من شيء غير مفهوم، وعلى الطرف الآخر منه كانت بناية رمادية ذات شرفات متشابهة، معلّقة فوق الضجيج والغبار..
في ظهيرة باهتة، بينما كنتُ أحاول حفظ معادلة كيميائة صعبة، رفعتُ رأسي مصادفة نحو النافذة.. هناك رأيتها.. كانت تقف في الشباك البعيد، نصف مختبئة خلف ستارة بيضاء، وتلوّح بيدها الصغيرة.. التفتُّ خلفي فورا، ظانا أن الإشارة لشخص غيري.. لكنّها ابتسمت، وأعادت التلويح..
لا أعرف لماذا ارتبك قلبي بتلك القوة..؟!
ربما لأن أحدا لم يلوّح لي بهذا الفرح من قبل..
أو لأنني كنتُ في السنّ التي يتحوّل فيها أيّ فراغ صغير إلى هاوية مخيفة..
أشرت لها بيدي ببطء، كمن يرتكب خطأ لا عودة عنه.. ومنذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء..
صرتُ أراجع دروسي قرب النافذة.. أفتح الكتب، وأراقب شباكها أكثر مما أفعل مع دروسي..
وكانت هي تظهر غالبا قبيل الغروب، حين يمتلئ الشارع بضوء نحاسي حزين، فتلوّح لي وتبتسم تلك الابتسامة الغامضة التي بالكاد تُرى، ثم تختفي..
شيئا فشيئا، بدأتُ أبني شخصيتها في خيالي.. تخيّلتُ صوتها ناعما وابتسامتها ساحرة، وعينيها تقولان أحبك..
تخيّلتها تقرأ الروايات، وتحبّ الشعر، وربما تسمع فيروز هي الأخرى مع نسيم الصباح..
كنتُ أُحمّل تلك الابتسامة الصغيرة أكثر مما تحتمل؛ فأحوّلها إلى لغة كاملة، وأحوّل إشارات اليد العابرة إلى رسائل سرّية لا يفهمها أحد غيري..
وحين كانت تغيب يوما أو يومين، كان القلق يأكلني بصمت.. أجلس قرب النافذة متظاهرا بالدراسة، بينما عيناي معلّقتان بذلك الشباك البعيد، كأنّ روحي سكنت هناك..
مرّت الشهور بالوتيرة نفسها.. حبّ مكتمل، نما بين نافذتين، دون كلمة واحدة..
وفي يوم قائظ من أيام الصيف، خرجتُ إلى دكان قريب من بيتها؛ لأشتري بعض حاجيات البيت، وحين دخلتُ، رأيتها هناك فجأة، عرفتها من فستانها الأحمر الموشى بالدوائر البيضاء.. ومن وجهها المبتسم..
كانت أقرب مما ينبغي.. شعرتُ أنني فقدتُ توازني دفعة واحدة.. هذا هو الوجه الذي سهر قلبي عليه شهورا.. هذه هي الفتاة التي كانت تجعل الغروب يبدو أقل اصفرارا..
وقفتُ قربها مرتبكا، أحاول أن أتذكر كل الجمل التي كنتُ أهيئها لهذا اللقاء المتخيّل.
ثم قلتُ بصوت مرتعش: كيف حالك؟
التفتتْ نحوي.. وفي اللحظة التي التقتْ فيها عينانا، شعرتُ بشيء غامض يتصدّع داخلي.
قالت، بينما كان اللعاب ينساب من زاويتي فمها: أريد شوكولاتة، ثم ضحكتْ ضحكة طفولية عالية..
تسمّرتُ في مكاني..
كانت عيناها فارغتين على نحو موجع، كنافذتين مفتوحتين في بيت مهجور..
ظننتُ أول الأمر أنني لم أفهم.. لكنّها لكزتني بخفة وأعادت الجملة نفسها:
قلتُ لك أريد شوكولاتة..
ناولتها ما أرادت.. أخذتْ الشوكولاتة بفرح طفولي، ثم راحت تضحك بينما يسيل اللعاب من فمها على الغلاف الملوّن..
وقفتُ أحدّق في عينيها، كأنني أرى للمرة الأولى تلك النافذة البعيدة التي أحببتها شهورا.
كم كانت المسافات رحيمة!
دفعتُ ثمن الشوكولاتة ومناديل اشتريتها لها لتمسح بها فمها، وخرجتُ.
في الطريق إلى البيت، كانت إشارات المرور تلمع حمراء في الزجاج المبتلّ بمطر موسمي خفيف الظل، والسيارات تعبر مسرعة كأن المدينة كلّها تهرب من شيء ما..
وحين وصلتُ غرفتي، فتحتُ النافذة تلقائيا..
كان شباكها مضاء.. ظهرتْ هناك بعد قليل، ولوّحتْ لي بيدها الصغيرة، بالابتسامة نفسها..
ظللتُ أحدّق فيها طويلا.
وللمرة الأولى، لم أحاول أن أتخيّل شيئا خلف تلك الابتسامة..
رفعتُ يدي ببطء… ولوّحتُ لها، وأبقيت الشباك مفتوحا على الفراغ،
أدركتُ متأخرًا أنني كنتُ أحب المسافة، لا الفتاة التي لم أجدها.. لم تكن هي التي أحببتها، بل تلك الحياة التي اخترعتها لها..
أدركت حينها أن قلبي كان يملأ الصمت بما يشتهي، لا بما تهمس به الصدف..!
سألت نفسي بحسرة وإحساس عميق بالخيبة:
أهذه أول قصة حب تطرق نافذتي؟!