هذه ورقة نقديّة بسيطة أحاول فيها حشد حيرة الشاعرة و الناقدة في ظلّ واقع غيميّ الرؤّى في الإبداع التونسيّ. هي محاولة لكسر علويّة الخطاب النقديّ والعودة به إلى الواقع إلى صلب الحقيقة المغطّى عليها؛ حيث يسكن الخور ويسكن الوجع وتسكن الأقنعة. هي محاولة تأمّليّة في وظيفيّة الشّاعر وعلاقته بالسلطة والمجتمع والنصّ. وقد انتخبت لها مفهوما انطلق منه لأبني على أنقاضه تصوّرا ممكنا لوظيفيّة جديدة لهذا الشاعر. و هو مفهوم “المثقّف العضويّ”.
إن تصوّر غرامشي للمثقف تصوّر جدليّ ماديّ يخرج به من صورة الطوباوي المنعزل إلى محور الفعل و الفاعليّة. فالمثقف ليس المفكّر أو الفيلسوف بالمفهوم اليوناني القديم، و إنّما هو كلّ من “يملك رؤية للعالم و فلسفة خاصّة به. فكلّ الأفراد مثقّفون في نظره ولكن من لهم وظيفة المثقّفين منهم أولئك الذين يتوسّطون مجمل العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج..”
فهم يضطلعون بوظيفة الإسمنت الذي يربط البنية الفوقيّة والتحتيّة للمجتمع. إنّ الوظيفة و المكانة هما المعياران الأساسيان في تكوين المثقّف. وعليه ليس المثقّفون طبقة اجتماعية قائمة بذاتها، كما أنّهم ليسوا فوق الطبقات أو خارجها. فلكلّ طبقة اجتماعيّة مثقّفوها الذين يرتبطون بها عضويّا وينشرون وعيها و تصوّرها عن العالم. يقول غرامشي: “الوعي الذاتيّ النقديّ يعني تاريخيّا وسياسيّا خلق نخبة من المثقفين. فالكتلة البشريّة لا تتميّز و لا تصير مستقلّة من تلقاء ذاتها دون أن تنظم نفسها ولا تنظيم بغير مثقفين.. ومن هنا فالمثقفون شريحة اجتماعية تمثّل الطبقات الموجودة في المجتمع كافة، وهم لسان حالها الناطقون باسمها يمثّلون مصالحها المتفقة و المتعارضة”..
بهذا التصوّر الغرامشيّ يكون للمثقف وظائف مهمّة داخل البناء الاجتماعي والأنساق الفكريّة فهم:
- منظّمو الوظيفة الاقتصاديّة للطبقة التي يرتبطون بها عضويّا.
- هم حملة وظيفة الهيمنة التي تمارسها الطبقة السّائدة في المجتمع المدنيّ.
- هم منظّمو الإكراه الذي تمارسه الطبقة السّائدة على سائر الطبقات بواسطة الدّولة. و ذلك لأنّ المثقّفين عموما تخلقهم الطبقات الاجتماعية أثناء تطورّها.
و الأعمق من هذا انّهم:
منظّمو الزعامة الاجتماعية وذلك باعتبارهم موظّفين في البناء الفوقيّ للمجتمع. لأنهم يستطيعون التوسّط بين عالم الثقافة و عالم الإنتاج و أن يقدّموا أفكارا يتقبّلها الشعب على أنها أفكار شرعيّة؛ لأنها تبدو في الظّاهر تعبيرا عمّا هو أكبر من مصالح الجماعة المسيطرة.
و لكن هذه المتصوّرات تفضي بنا إلى مساءلة هذه العلاقة الوسطيّة البنائية التّي يربطها المثقّف مع السّائد والسّلطة والجماعة. إنّ دوره الالتزاميّ المسؤول- على حد تعبير غرامشي- ينتهي به إلى تكريس الثقافة السّائدة و المصادقة على الواقع و الانخراط ضمن لعبة السلطة.
و إذا خصّصنا هذا المثقّف ليكون المبدع؛ فإنّ استعارة مصطلحيّة في هذا السياق قد تكون جائزة.
أن نقول “شاعر عضويّ” يعني أنّنا نفترض بناء على موروث و مدوّنة وواقع شعريّ، يفضي إلى أن الشّاعر هو طرف وسيط دائما بين المجتمع و الكتابة والسلطة.
لا يوجد شاعر خارج هذه الدّائرة المطبقة؛ فهو إمّا في علاقة مغازلة مع السّلطة أو علاقة صراع.
و الشّاعر العضويّ الخاضع جوهرا لسلطة الجماعة نجده ماثلا في صورة شاعر القبيلة، ذاك الذي يدافع عنها بسيفه وشعره. وهو الذي لا ينفصل السياسيّ عن الشعريّ في تصوّره. فهما متحالفان تماهيا أو تضادّا.. امرؤ القيس الشاعر الأمير، مثلا، وخطاب المدح الذي طالما ورّط الشّعراء في لعبة التشريع للملوك و لممارساتهم؛ “فالجاهليّ يعي أن وجوده مبتور إذا لم يتحقّق داخل اللّغة أو باللّغة”، ويتواصل هذا الوعي بسلطة اللغة لدى جماعات السّلطة. فيمتدّ وجود شاعر القبيلة ليحلّ في شاعر البلاط ذاك الذّي يحوّل صوته الشعريّ إلى ظلّ، وامتداد شائه لمؤامرات السّاسة. يقول ابن هانئ الأندلسيّ للخليفة العباسي الفاطميّ المعزّ لدين الله:
ما شئت لا ماشاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهّار
إنّ هذه العضويّة التّي يصير بموجبها الشاعر خادما للسّلطة هي الوظيفيّة الغالبة التّي ظلّت تحكم الإبداعية العربية. إنّها وظيفيّة القبول والـ “نعم” تلك التّي ستنتقل في الجينات الإبداعيّة للشعريّة؛ فتكون الحلقة الواصلة التّي تنتهي إليها سلسلة شعراء القبيلة؛ فشعراء البلاط هم شعراء المناشدة.
المناشدة باعتبارها مصطلحا ابتدعته السّلطويّات الحديثة و تمارسه النّخب المثقفة باعتباره خيارا أسمى.. و هو في جوهره تسخير لصورة المبدع- الخاضع وفق آليات جديدة تتجاوز مفهوم البناء الفوقيّ للمجتمع والوساطة والوظيفيّة التّي نظّر لها غرامشي بمفهوم الجماعة المسيطرة/ النّسق المهيمن.
و سوف يكفيني في هذا السياق أن أتساءل بحيرة الشاعرة لا الناقدة: أين يمكن أن يُصنّف شعراء السلطة بمراحلهم الثلاث من الشعريّة والالتزام؟؟
و هل تكفي صفة الهيمنة لنتحدّث عن نسق إبداعيّ معترف به؟ وإلى أي مدى يمكن أن نفصل الإبداعيّ عن الإيديولوجي والأخلاقيّ في تصنيفهم؟
و هل لدينا جرأة النّقد ما يكفي لنميّز فعل الكتابة الحرّة عن الكتابة المشبوهة؟
صرنا نتحدّث عن مثقّف تقليديّ متحالف، ضمنا، مع البرجوازيات الاقتصادية والسلطويّة.. عن ناقد تقليديّ متحالف مع وظيفيّات القبول، وسلطة المهيمن والسّائد.. فهل نتحدّث عن ناقد عضويّ من بعد؟
إنّ هذا الإشكال يقودني إلى طرح إشكالات اخرى هي على طرف النقيض، وتتمثّل في الأدب الملتزم أو الفنّ الملتزم. مثاله أدب المقاومة الذي وجد دائما جنبا إلى جنب مع أدب المناشدة. منذ صرخة الشنفرى في الجاهليّة:
أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم فإنّي إلى قوم سواكم لأميل
إنّه نموذج الرفض الذّي لا يمثّل صوتا فرديّا، بل صوتا جماعيّا، صوت طبقة مهمّشة، في الغالب، ومستلبة.
الشعراء الصّعاليك هم الحلقة الأولى في هذا الالتزام -ودون تعسّف على الخصائص التاريخية لكل مرحلة أدبيّة- فشعراء الحكمة الاجتماعية؛ (المعرّي مثلا في نقده لسياسة عصره)؛ فشعراء المقاومة في الأعصر الحديثة..أولئك الذين لم تقدر السّلطة على تدجينهم وظلّوا يتعرّضون إلى كلّ أشكال القمع والتهميش والتبكيت في حين تعلو غوغاء أشباه المبدعين.
إذن هنالك علاقة جديدة مضمرة بين الشاعر والمجتمع والسلطة، هي عضويّة مختلفة، لا ينخرط خلالها المبدع في المهيمن و السّائد و السّلطويّ، بل يصبح صدىً حقيقيّا لنبض المجتمع وهمومه، لا للواقعيّ الذي غالبا ما يطاله التزييف والتمويه.. يصبح الشّاعر منحازا لظلال المجتمع التّي يداريها غيره. و في حين يناشد الآخرون أرباب القمع يصيح الشّاعر العضويّ الحقيقيّ:
“سينحاز دمعي لنار العشيرة
تستعجل القابضين على جرحهم للقصاص”( جمال قصودة)
و يصبح الشاعر العضويّ الحقّ سكّينا تشرّح الموجود و تفضحه في رؤية استشرافيّة مثال ذلك نصّ” نشيد المناشدة لأحمد شاكر بن ضيّة”..
من ناحية أخرى يولّد الالتزام إشكالا جديدا لا بدّ من طرحه وهو (الأدبيّة). حيث إن كثيرا من الأدب الملتزم وفي خضمّ علوّ النبرة الثوريّة يحضر فيه الالتزام ويغيب الأدب.. ثمّ إنّ غياب الفردانيّة والانخراط في الصوت الجماعيّ الهادر قد تجعل الشاعر العضويّ منهمكا في الدّفاع عن جماعة (شعب/ طبقة/ حزب) ضدّ كلّ الآخرين؛ فيصير أقرب إلى شاعر القبيلة أو الداعية بمفهومه الدغمائي التقليديّ.
إنّ سبب هذه التبريريّة والسلطة الجديدة التّي قد تشدّ الشاعر العضويّ من جديد، هو موت الناقد في داخله، فكيف يمكن أن نعيش الالتزام إلى جانب الأدبيّة في فعل الكتابة؟
و كيف نميّز بين “التزام- جوهر” و”التزام- عرض” في واقع تثويريّ يهزّ العالم العربيّ من المحيط إلى الخليج و يربك أنساق السّاسة و مثقّفي السّلطة و ابواقها؟
و كيف يمكن أن نواصل الإقرار بمركز وهامش في الواقع الإبداعي، وقد انقلبت الموازين فعاد الهامش بسلطة الثورات الى موقعه الأصليّ من نبض الوجود.