شاركها
قراءة تفكيكية تأويلية في البؤرة الدلالية لرواية «علي بابا والأربعون حبيبة» لعز الدين جلاوجي
ليست الروايات الكبرى تلك التي تستعيد الحكايات القديمة لتمنحها حياة جديدة، وإنما تلك التي تجعل من الذاكرة نفسها مادة لإنتاج معنى جديد. لذلك يبدو من المجحف أن تقرأ رواية «علي بابا والأربعون حبيبة» على أنها إعادة كتابة لحكاية تراثية ذائعة الصيت، أو مجرد اشتغال عجائبي على متن «ألف ليلة وليلة». فمثل هذه القراءة، على أهميتها، تظل أسيرة ظاهر النص، بينما تنأى الرواية بنفسها منذ عتبتها الأولى عن مجرد المحاكاة أو الاستعادة، لتدخل منطقة أكثر عمقا، حيث يتحول التراث إلى لغة للتفكير في الإنسان، لا إلى موضوع للحنين إليه.
لقد صرح عز الدين جلاوجي في أكثر من مناسبة أن الرواية اليوم مطالبة بإعادة بناء الإنسان، وإعادة بناء المعنى في عالم تتآكله الحروب، وتنهشه السلطة، ويتكاثر فيه الزيف حتى يكاد يطمس جوهر الإنسان. ومن هنا يمكن القول إن هذا التصور هو موقف فكري للكاتب خارج النص، كما أنه المفتاح الذي يضيء البنية الداخلية للرواية كلها. فـ«علي بابا والأربعون حبيبة» هي رواية عن الإنسان بامتياز ، وهو يبحث عن نفسه في زمن فقد بوصلته.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح ليس: كيف أعاد جلاوجي كتابة حكاية علي بابا؟ وإنما: لماذا اختار علي بابا أصلا؟
ذلك أن الكاتب، وهو المعروف بنزعته التجريبية ورفضه تكرار النماذج الجاهزة، لم يكن في حاجة إلى استدعاء شخصية تراثية ليعيد سرد مغامراتها. ولو كان قصده إحياء الحكاية القديمة، لاكتفى بتغيير بعض تفاصيلها أو تحديث لغتها. لكنه يفعل ما هو أبعد من ذلك بكثير، إنه يستدعي شخصية مستقرة في الذاكرة الجمعية، ثم يعيد تفكيكها وإعادة بنائها، حتى تغدو مرآة يرى فيها القارئ صورته هو، لا صورة البطل القديم.
ولعل الإجابة عن هذا السؤال تكمن في طبيعة علي بابا نفسه، لا في أفعاله. فعلي بابا، من بين كل أبطال «ألف ليلة وليلة»، هو تحديدا الشخصية التي لا تملك مشروعية البطولة منذ البداية. فهو ليس ملكا كشهريار، ولا حكواتية كشهرزاد، ولا تاجرا محنكا كالسندباد يخوض مغامرته بإرادته وحساباته، إنه رجل فقير يقف مصادفة أمام باب مغارة، فيسمع كلمة لا يملك مفتاحها الأصلي، ويدخل عالما لم يعد نفسه له.
هذه «الصدفة التأسيسية» هي بالضبط ما يجعل الشخصية صالحة لأن تكون استعارة الإنسان المعاصر: فالإنسان الحديث أيضا لا يختار لحظة وجوده في العالم، ولا يستشار في شروط ميلاده، بل يجد نفسه فجأة أمام أسئلة الوجود دون تمهيد أو استحقاق مسبق. علي بابا إذن ليس بطلا «مختارا» بالمعنى الأسطوري التقليدي، بل بطل «مصادف»، وهذا الفارق جوهري في بناء استعارة الحداثة الإنسانية، إذ يزيح الرواية عن سؤال «كيف نمجد البطل؟» إلى سؤال أكثر قلقا وإنسانية: «كيف يتصرف الإنسان حين يجد نفسه، بلا استحقاق ولا استعداد، أمام كنز أو أمام معضلة وجوده؟».
لقد دخل علي بابا إلى المخيال العربي كونه الرجل الذي اكتشف الكنز، وانتصر على اللصوص، وخرج من المغارة محملا بالذهب. غير أن جلاوجي ينتزع هذه الشخصية من ذلك السياق، ويحررها من سطوة الحكاية الأولى، لتصبح رمزا لإنسان معاصر لم يعد يبحث عن الذهب، بل عن معنى الحياة نفسها. وهنا يكمن التحول الجوهري الذي تقترحه الرواية.
فالكنز الذي كان يختبئ في كهف اللصوص، لم يعد هو الكنز الحقيقي، لأن الإنسان المعاصر لا تهدده قلة الذهب، بل فقر المعنى. وما يحتاج إلى اكتشافه ليس باب المغارة، وإنما باب الذات.
ولعل هذا الانتقال يستدعي أن نتأمل المكان نفسه كونه بنية دالة .
فالمغارة في الحكاية الأصلية مكان لا يفتح إلا بكلمة سحرية، أي أن الوصول إلى الكنز مشروط بامتلاك المفتاح اللغوي الصحيح: «افتح يا سمسم». وإذا كانت الرواية تستبدل كنز الذهب بكنز المعنى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ما الكلمة السحرية التي تفتح باب المعنى في زمننا؟
والجواب الذي تقترحه بنية الرواية ضمنيا هو أن الرواية نفسها، بما تطرحه من أسئلة متناسلة لا تكتفي بإجابة واحدة، تغدو محاولة لصياغة تعويذة جديدة، حيث لم تعد الكلمة تفتح كهفا مليئا بالذهب، بل تفتح وعي الإنسان على ذاته. وبذلك يصبح الفعل السردي نفسه فعلا كشفيا لا وسيلة حكي محايدة: السرد هنا لا يروي رحلة نحو كنز، بل هو الكنز، وهو المغارة، وهو الكلمة السحرية في آن.
ومن هذه الزاوية يغدو علي بابا استعارة كبرى للإنسان، لا بطلا تراثيا. إنه يخطئ ويصيب، يتردد، يتيه، يتعلم، يخدع، ويعيد النظر في اختياراته. إنه لا يشبه الأبطال الأسطوريين الذين يمتلكون الحقيقة منذ البداية، بل يشبه الإنسان الحديث الذي خرج من يقيناته القديمة، وصار يبحث عن يقين جديد في عالم مضطرب.
ولعل أول ما يؤكد هذا التحول هو ميثاق الصعلكة. قد يظنه القارئ لأول وهلة ميثاقا لتنظيم جماعة من اللصوص، غير أن القراءة المتأنية تكشف أنه يتجاوز ذلك بكثير. فهذا الميثاق لا يشرع السرقة، بقدر ما يحاول أن يؤسس لنظام أخلاقي بديل داخل عالم فقد نظامه الأخلاقي. إن السطو لا يكون إلا على الأثرياء، ولا يكون إلا على من يملك القدرة على الدفاع عن نفسه، ونصف الغنائم يعود إلى الفقراء. إنها ليست قوانين عصابة، بقدر ما هي محاولة لاستعادة العدالة في عالم اختلت فيه موازين العدالة.
وهذا الميثاق يقوم، إذا أمعنا النظر فيه، على مفارقة خصبة تستحق أن تستقصى: وهي أن الخروج على القانون هنا ليس فوضى، بل هو الشكل الوحيد الممكن للعدالة حين تفشل المؤسسة الرسمية في تحقيقها. بهذا المعنى، تكون الصعلكة في الرواية «نظام الظل» الذي ينمو في الشقوق التي يتركها النظام الرسمي حين يعجز أو يفسد، إنها عدالة بديلة تنشأ على هامش السلطة المركزية حين تنسحب هذه السلطة من مهمتها الأصلية في حماية القيم. فالصعلكة، من هذا المنظور، ليست هربا من المجتمع، بل نقدا عميقا وفعليا لبنيته، ونوعا من المعارضة الأخلاقية التي تمارس بلغة الفعل لا بلغة الخطاب.
وهكذا يصبح ميثاق الصعلكة إعلانا مبكرا عن المشروع الفكري للرواية كلها، فحين تفشل المؤسسات في حماية القيم، يبدأ الإنسان في البحث عن ميثاق جديد يعيد إليه إنسانيته. ومن هنا لا يعود السؤال: كيف يعيش علي بابا؟ بل: كيف يحافظ الإنسان على أخلاقه وسط عالم فقد أخلاقه؟
إن جلاوجي لا يستخدم التراث ليهرب من الحاضر، وإنما ليحاكم الحاضر.
ولهذا جاءت جميع الإبدالات السردية ذات دلالة عميقة. فاللصوص يتحولون إلى حبيبات. وشهرزاد تتراجع لتمنح دنيازاد سلطة الحكي. والمشرق يفسح الطريق للمغرب. والكنز يذوب في أسئلة الإنسان.
إنها ليست تبديلات شكلية، وإنما إعلان عن انتقال الرواية من إعادة إنتاج الحكاية إلى إعادة إنتاج المعنى. ويمكن أن نلمح، في كل إبدال من هذه الإبدالات، منطقا واحدا يتكرر بصور مختلفة: منطق عكس السلطة. فتحويل اللصوص إلى حبيبات هو عكس لمنطق العنف إلى منطق الرغبة والاعتراف بالآخر، إذ تنتقل العلاقة بالغريب من علاقة تنازع وقهر إلى علاقة رغبة واعتراف متبادل. وتنازل شهرزاد عن سلطة الحكي لدنيازاد هو عكس لمنطق المركز، فالسلطة الحاكية الأولى، التي احتكرت الكلام في الحكاية الأصلية، تتنازل عن موقعها لصالح الهامش الذي كان صامتا فيها. أما إفساح المشرق الطريق للمغرب فهو عكس جغرافي-ثقافي، إزاحة لمركزية الحكاية الشرقية التقليدية نحو جغرافيا جديدة تعيد تشكيل الهوية السردية للتراث نفسه، وتفتح المتن العربي القديم على جغرافيا مغاربية لم تكن حاضرة فيه بالقدر ذاته.
هذه الإبدالات، مجتمعة، ليست تنويعا جماليا، إنما هي بيان ضمني بأن إعادة إنتاج المعنى تستلزم بالضرورة إعادة توزيع السلطة داخل النص نفسه، سلطة الكلام، وسلطة المكان، وسلطة الفعل. وبذلك تمارس الرواية تفكيكا لبنية السلطة السردية الموروثة وهي تعيد إنتاج مضمونها، فتصبح الكتابة نفسها فعل مقاومة لمنطق المركز الذي حكم الحكاية الأصلية قرونا.
ومن هنا يمكن فهم الحضور الكثيف للأنثى في الرواية. فالنساء لا يظهرن بوصفهن موضوعا للرغبة، ولا مجرد زينة سردية، وإنما يمثلن وجوها متعددة للوجود الإنساني. فدنيازاد تمنح الحكاية صوتها. والعرافة تمنح البطل أفق الرؤية. وبدر البدور تجسد الوفاء والحكمة، حتى تحولها إلى قاض يعيد للعدل هيبته. والجنيات يختبرن حدود الرغبة والجسد. وابنة الجوهري وأمها تكشفان وجوه الخداع والإغواء…
إن الأنثى هنا في هذه الرواية هي وظيفة رمزية. غير أن هذه الوظيفة الرمزية يمكن أن تقرأ على نحو أعمق، لأنها «وجه من وجوه الوجود الإنساني»، و مسار معرفي مختلف من مسارات بلوغ الحقيقة. فكل امرأة من الأربعين تصبح، في هذا الأفق التأويلي، «مدرسة» في اكتساب نوع خاص من الوعي، لا مجرد محطة عاطفية عابرة في رحلة البطل. فدنيازاد تمثل معرفة الحكي، حيث تبنى الحقيقة عبر السرد ذاته لا خارجه. والعرافة تمثل معرفة الرؤية، حيث تبلغ الحقيقة عبر البصيرة التي تتجاوز حدود المرئي. وبدر البدور تمثل معرفة العدل، حيث تتأسس الحقيقة على الميزان الأخلاقي لا على القوة أو الرغبة. والجنيات يمثلن معرفة الجسد والرغبة، حيث تختبر الحقيقة عبر التجربة الحسية المباشرة. وابنة الجوهري وأمها تمثلان معرفة الخداع، حيث لا تدرك الحقيقة إلا باكتشاف الزيف الذي يتنكر في ثوبها.
وبذلك تصبح رحلة علي بابا عبر الأربعين حبيبة أشبه بمسار تكويني معرفي متكامل، أقرب إلى رواية مقنعة بقناع الحكاية العجائبية، حيث لا تتقدم الرحلة في المكان بقدر ما تتقدم في طبقات الوعي. ولذلك لا تبدو «الأربعون حبيبة» عددا حسابيا بقدر ما تبدو أربعين صورة للإنسان وهو يمر باختبارات الحياة، وأربعين بابا من أبواب المعرفة التي لا يكتمل الوعي الإنساني إلا بالمرور عبرها جميعا.
ولعل هذا هو السر الذي يجعل الرواية تنتقل من كهف اللصوص إلى كهف المعنى. فهذا الكهف الجديد لا تملؤه أكوام الذهب، بل تملؤه الأسئلة: ما الإنسان؟ ما العدل؟ ما الحب؟ ما الحقيقة؟ وما الذي يبقى حين تسقط الأقنعة؟
ومن هنا أيضا نفهم العجائبي في الرواية. فالجمجمة التي تتكلم، والجنيات، وفجوة الزمن، والبعث، هي وسائل لإدهاش القارئ، و أدوات رمزية تسمح للنص بأن يتجاوز حدود الواقع، حتى يلامس جوهره. فالعجائبي عند جلاوجي لا يمكن ان يكون هروبا من الإنسان، بل هو طريق إليه.
ويمكن أن نذهب في هذا أبعد، فنقول إن وظيفة العجائبي هنا وظيفة أنطولوجية بالمعنى الدقيق للكلمة، إضافة لكونها وظيفة جمالية أو تشويقية. فالجمجمة الناطقة، والبعث، وفجوة الزمن، كلها عناصر تخلخل حدود الموت والحياة، والزمن والأبدية، وهي بالضبط الحدود التي يتأسس عليها اليقين الإنساني التقليدي في فهمه لذاته وللعالم. حين تتكلم الجمجمة، لا يعود الموت نهاية قاطعة، بل يتحول إلى عتبة أخرى من عتبات المعنى، تساءل فيها الحياة من خارجها. وحين ينكسر الزمن الخطي وتنفتح فجواته، لا تعود الحياة سلسلة أحداث محكومة بالسببية الصارمة، بل تصبح فضاء مفتوحا على احتمالات وجودية متعددة، تتيح للشخصية أن تختبر في أكثر من زمن وأكثر من هيئة.
العجائبي إذن هو الأداة التي تمكن الرواية من «تعليق» قوانين الواقع المادي المألوف، لا لتغرق القارئ في الغرابة لذاتها، بل لتُخضع الإنسان لاختبار وجودي أعمق من قوانين المنطق اليومي اختبار لا يمكن أن يتم داخل حدود الواقع الصرف، لأن الواقع نفسه، بمنطقه السببي الضيق، عاجز عن استيعاب أسئلة الوجود الكبرى التي تطرحها الرواية.
وهكذا يصبح التراث، والأسطورة، والحكاية، والعجائبي، والمرأة، والرحلة، مجرد وسائل تخدم غاية واحدة: هي استعادة الإنسان لمعناه.
ولعل هذا ما يفسر اختيار جلاوجي لشخصية علي بابا تحديدا. فهي شخصية راسخة في الذاكرة الجمعية، تدخل الرواية وهي محملة بصورة جاهزة، ثم تخرج منها وقد فقدت تلك الصورة القديمة، لتولد من جديد كونها استعارة للإنسان الذي يعيش زمننا. إن القارئ لا يعيد اكتشاف علي بابا فقط، بل يعيد اكتشاف نفسه. وهنا تبلغ الرواية ذروة مشروعها، فهي بذلك.لا تعيد كتابة تعيد كتابة القارئ.
ويمكن أن نجمل كل ما سبق في فكرة مركزية واحدة، هي مفتاح القراءة التفكيكية لهذا النص: أن الرواية تشتغل على مبدأ «الاستعارة المزدوجة». فهي تستعير شخصية تراثية لتكون قناعا للإنسان المعاصر، وتستعير في الآن نفسه أدوات التراث السردي ذاته -العجائبي، والرحلة، والأنثى، والميثاق- لتكون أدوات تفكيك و تأويل . و هذا يجعل من «علي بابا والأربعون حبيبة» نصا يمارس نقده الذاتي وهو يكتب، نصا يستخدم التراث ليقول إن التراث نفسه، حين يستدعى بوعي نقدي لا بنية الاحتفاء الببغائي، يمكن أن يتحول من أداة تكريس إلى أداة تحرر.
وبذلك لا تعود «علي بابا والأربعون حبيبة» رواية عن مغامرة في كهف، ولا عن أربعين امرأة، ولا حتى عن بطل تراثي، بل تصبح رحلة طويلة في دهاليز الإنسان، و بحثا عن الجوهر الذي غطاه غبار السلطة، والزيف، والحروب، والاغتراب.
إنها رواية تسأل سؤالا واحدا، لكنه يتردد في كل صفحاتها بصيغ مختلفة: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد إنسانيته، حين يصبح العالم كله كهفا كبيرا، لا يخفي الذهب، بل يخفي المعنى؟…