“من زيف الغنيمة إلى جوهر الإنسان”
لا تبدو رواية “علي بابا والأربعون حبيبة” في ضوء ما تكشفه الليلة الثانية بعد الألف، مجرد إعادة كتابة لحكاية تراثية، ولا لعبة سردية تستعيد شخصية مألوفة من الذاكرة الشعبية لتُلبسها ثوبا جديدا. إنها، في عمقها، محاولة لإعادة بناء الإنسان نفسه من خلال الحكاية. فجلاوجي يستدعي شخصية تراثية محملة بذاكرة قديمة، ثم ينتزعها من يقينها، ويضعها في مواجهة أسئلة الإنسان الحديث: من أنا؟ ماذا أريد؟ ماذا أختار؟ وما الذي يبقى مني حين تتساقط عني كل الأشياء التي ظننتها خلاصا؟
من هذه الزاوية، لا يقرأ علي بابا كبطل مغامر بالمعنى التقليدي،إنما كنموذج للإنسان الوجودي الحديث، إنسان قلق، متسائل، دائم الارتحال، لا تكفيه الإجابات السهلة، ولا تستوقفه الأشياء لمجرد أنها تُعرض عليه في صورتها البراقة. وهذه الليلة، بالذات، هي المختبر السردي الذي تتكشف فيه ملامح هذا الإنسان لأول مرة بوضوح كامل.
تفتتح الليلة الثانية مشهدا حركيا صاعدا: رجال يندفعون من السفح نحو القمة، وحصن يلوح في الأفق البعيد، تتقافز حوله الأحلام قبل أن تتقافز حوله الأقدام. وهذه حركة جغرافية غير بريئة، فالأماكن هنا تتحول إلى شخصيات رمزية تشارك في إنتاج المعنى. والحصن تُنسج حوله هالة أسطورية تسبق أي لقاء فعلي به، بينما يتحدث أحد الرفاق عن غنائمه الوفيرة التي ستُغنيهم عن الفقر، واضعا منذ السطر الأول بذرة السؤال الذي ستُجيب عنه الليلة كلها: هل الحصن مجرد مكان؟ أم رمز للسلطة والثروة والحلم الذي قد ينقلب فتنة؟
تأتي الإجابة سريعة وقاسية: يبلغ علي بابا ورجاله الحصن، فيجدونه خاليا. الهدف الذي ملأ المخيلة والخطى لم يكن سوى فراغ. وهذه المفارقة الافتتاحية بين ضخامة التوقع وهشاشة الواقع تُرسي أول قانون سردي في الرواية: ما يُرى كنزا من بعيد قد لا يكون كنزا حين نبلغه. و هذه حادثة هي نموذج مصغر لما سيصبح لاحقا وصية الأب التي تتحكم بمصائر الشخصيات جميعا: “ما يأتي إليك زيف، وما تنصب خلفه هو الجوهر.” فالحصن الفارغ درس أولي يلقنه النص لبطله وقارئه معا، وإن كان الفراغ الذي بدا أول الأمر خيبة سرعان ما يتحول إلى لحظة كشف، إذ يكتشف علي بابا أن ما كان يطارده لم يكن سوى صورة زائفة.
ولهذا لا يقدم جلاوجي علي بابا صعلوكا بالمعنى المبتذل لقاطع الطريق. فحين يأكل رجاله من طعام صاحب الحصن وملحه، يرفض النهب رفضا قاطعا، مستندا إلى ميثاق الصعلكة الذي يجعل الوفاء سابقا للغنيمة. وهذه في حد ذاتها مفارقة،كيف يمتلك صعلوك شرفا؟ وهي إعلان مبكر عن طبيعة هذا القناع الاسمي، فالصعلكة عند جلاوجي لا يمكن اعتبارها انحرافا أخلاقيا خالصا،إنماهي نظام قيمي له قوانينه الخاصة، يتجاوز في بعض لحظاته منطق القوة إلى منطق الشرف، وهذا يميز علي بابا عن رجاله منذ اللحظة الأولى، ويعده لدور أكبر من دور قائد عصابة.
ويمثل كشف اللثام عن الفرسان الثلاثة منعطفا حاسما في مسار السرد. فحين يتبين أنهم بنات صاحب الحصن، تدخل الأنثى فضاء الروايةكقوة محركة للأحداث، فمنذ تلك اللحظة تبدأ التحولات الكبرى: يتراجع علي بابا عن حياة الصعلكة ويفكر في التوبة، ويضطرب توازن جماعته، ويتمرد العضد الأيمن، وتتداخل مشاريع الزواج والمؤامرات، وتتحرك العرافة لترسم خيوط مخططها الخفي. وهكذا تصبح المرأة نقطة انعطاف تدفع البطل إلى مراجعة ذاته وإعادة النظر في مساره كله، وهو ما ينسجم مع كون الأنثى عند جلاوجي محركا أساسيا للبحث عن المعنى وترميم الإنسان، لا موضوعا سلبيا له.
كما يبرز العضد الأيمن،كوجه آخر لبطل الرواية، فكلاهما رأى الفتاة نفسها في اللحظة نفسها، لكن مسار كل منهما افترق من هذه النقطة الواحدة بالذات: علي بابا انجذب إلى الجمال فبدأ رحلة البحث عن المعنى، بينما انجذب العضد الأيمن إلى الرغبة فاختار الخطف والانتقام. إنهما طريقان خرجا من منبع واحد وانتهيا إلى مصيرين متناقضين تماما، وينتهي العضد الأيمن إلى الانتحار، كأنه لم يحتمل سقوط صورته أمام الرجل الذي كان يقتفي أثره ويتبعه. وهذه الثنائية “الجمال الذي يبني مقابل الرغبة التي تهدم ” ترسم حدا فاصلا بين نوعين من مواجهة الأنثى في هذا العالم الروائي: مواجهة تفتح بابا نحو المعنى، ومواجهة تُغلق على صاحبها كل باب للنجاة .
تتضح ملامح العرافة أكثر كلما تقدم السرد، فهي لا تتحرك بدافع الأمومة وحدها، ولا برغبة عابرة في تزويج ابنتها بدر الأكوان، بل تتحرك كصانعة أحداث تحاول إعادة تشكيل موازين القوى في الإمارة نفسها. وهي تستعمل الخبر استعمالا سياسيا محضا: تعلم برغبة الأمير الأمجد في تزويج بدر البدور من علي بابا، وتدرك أن هذا الزواج سيُعزز مكانة الأمير، فتُشيع خبرا مضادا يفسد المشروعين معا في آن واحد: إفساد الزواج المرتقب، وإرباك خطط الأمير.
وما يميز العرافة عن سائر الشخصيات هو إيمانها الضمني بأن المصائر لا تُنتظر بل تُصنع. فبينما يبحث علي بابا عن المعنى، ويبحث الأمير الأمجد عن الاستقرار، ويبحث العضد الأيمن عن إشباع رغبته، تبحث العرافة وحدها عن النفوذ عبر توجيه الأحداث ذاتها. إنها، من زاوية رمزية، العقل المدبّر الخفي في الرواية، ذلك الصوت الذي يقرأ ما وراء الوقائع الظاهرة ليستثمرها لحسابه، فتنضم بذلك إلى خريطة الوظائف الأنثوية المتعددة التي تشكل بنية هذا العالم الروائي: لا امرأة حكاية هنا، ولا امرأة رغبة ففط، بل امرأة معرفة وتدبير أيضا.
وهنا تكتمل المفارقة التي يبنيها جلاوجي حول بطله بأناقة سردية لافتة: الجميع يريد علي بابا. بنات صاحب الحصن معجبات به، والأمير يريده زوجا لابنته، والعرافة تريده زوجا لابنتها، والإمارة بأسرها تريده قائدا. ومع ذلك، فهو يهرب من كل هذا، متتبعا وصية أبيه دون التفات إلى ما يُعرض عليه من مجد جاهز. كأن الرواية تُعلن، عبر هذا التضاد، أن البطل الحقيقي لا يسعى إلى المجد، بل إن المجد هو الذي يسعى إليه ويطارده، وهو لا يلوي عليه.
وهنا تتكشف الآن المكانة المركزية لوصية الأب: “ما يأتي إليك زيف، وما تنصب خلفه هو الجوهر.” فكل ما جرى في هذه الليلة يدور حول هذا المحور: الغنيمة تأتي إليه فيرفضها، والقيادة تأتي إليه فيرفضها، والزواج يأتي إليه فيؤجله، والمجد يأتي إليه فيتركه خلفه، بينما يواصل السعي خلف شيء مجهول لم يتحدد بعد. وكأن الرواية، منذ هذه اللحظة، تتحول من رحلة مغامرة خارجية إلى رحلة معرفة داخلية، فكلما جاء شيء جاهزا، ارتاب فيه علي بابا وتركه، لأن الجوهر عنده ما يزال بعيدا في الأفق، وما تزال الرحلة نفسها أهم من أي محطة وصول.
فالوصية لا تعمل داخل الرواية بوصفها نصيحة أخلاقية عابرة، بل تتحول إلى قانون وجودي يوجه حركة البطل بأكمله. إنها تدفعه إلى الارتياب في الظاهر، وإلى عدم التسليم بما يُمنح له جاهزا، وإلى البحث الدائم عما يتوارى خلف الأشياء. ومن ثم فإن خروج علي بابا من الصعلكة لا يمثل مجرد تحول سلوكي عب٢ي ، بل يمثل بداية تشكل وعي جديد كليا، وعي لا يريد أن يعيش وفق ما تفرضه الجماعة، ولا أن يختزل وجوده في الغنيمة أو السلطة أو اللذة، بل يريد أن يكتشف معنى وجوده بنفسه، وحده، دون وصاية أحد.
في ضوء كل ما سبق يكتسب عنوان الليلة الثانية بعد الألف “آية الخروج… إن سعيكم لشتى” ، دلالة عميقة تتجاوز كونه مجرد عتبة تسمية. فالآية القرآنية ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ تختصر جوهر ما حدث في هذه الليلة كلها. فقد تفرقت السبل أمام الشخصيات جميعا رغم اشتراكها ظاهريا في الطريق نفسه: علي بابا خرج يبحث عن معنى وصية أبيه، والعضد الأيمن خرج وراء شهوته ورغبته في الانتقام فانتهى إلى الهلاك، والأمير الأمجد يسعى إلى تثبيت سلطته وربطها بالبطل، والعرافة تسعى إلى تحقيق مشروعها الخفي عبر ابنتها،وبنات صاحب الحصن يسعين إلى حماية أبيهن وشرف حصنهن، ورجال علي بابا يسعون إلى الغنيمة والعيش. الجميع في الطريق نفسه ظاهريا، لكن سعيهم مختلف جذريا في باطنه.
ولهذا فإن “الخروج” هنا لا يعني مغادرة مكان فحسب، بل مغادرة مرحلة كاملة من الوجود. لقد خرج علي بابا من الصعلكة، وخرج من منطق الغنيمة، وخرج من حياة كانت تحددها الجماعة، وبدأ يدخل إلى رحلة فردية وجودية: رحلة البحث عن الجوهر. بل إن الخروج يتكرر على مستويات عديدة متراكبة: خروج من الحصن، وخروج من الإمارة، وخروج من ميثاق الصعلكة، وخروج من إغراء السلطة، وخروج من إغراء الزواج. وكأن جلاوجي يجعل من علي بابا شخصية دائمة الارتحال، لا تستقر لأن الاستقرار نفسه قد يتحول إلى قيد يحجب الحقيقة عنها.
ومن هنا ترتبط وصية الأب بالعنوان ارتباطا عميقا، فالآخرون يقبلون ما يأتيهم، أما علي بابا فيخرج منه وإليه، يتركه وراء ظهره ويمضي. ولهذا فإن الليلة الثانية ليست، في الحقيقة، ليلة الحصن، بل ليلة الولادة الثانية لعلي بابا. ففي بدايتها كان صعلوكا يقود الرجال، وفي نهايتها صار سائرا في درب المعرفة،
هذا الانتقال بالغ الأهمية، لأنه يحول الرواية من حكاية مغامرة إلى ما يشبه رحلة كشف،رحلة إنسان يخرج من كل يقين ظنه حقيقة، ليكتشف أن لكل حصن ظاهرا وباطنا، ولكل طريق سعيا مختلفا، وأن “إن سعيكم لشتى” هي وصف للإنسان وهو يبحث عن معناه في العالم. فرحلة علي بابا لا تتحدد بما يقطعه من أمكنة، بل بما يقطعه من مسافات داخل ذاته، ففي كل مرة يظن أنه بلغ غايته، يظهر له أن الغاية لم تكن سوى قناع، وفي كل مرة يفتح أمامه باب من أبواب الامتلاك، يختار أن يواصل السير نحو باب آخر لا يعرف ما وراءه. الغنيمة لا تكفيه، والسلطة لا تستوقفه، والزواج لا يحسم قلقه، والمجد لا يغريه بالبقاء.
وكأن جلاوجي يعيد صياغة المغامرة في صورة سؤال وجودي محض: ماذا يفعل الإنسان حين يكتشف أن ما كان يظنه خلاصا ليس سوى شكل آخر من أشكال التيه؟ ومن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ مفهوم “ترميم الإنسان” بوصفه أحد المفاتيح العميقة في مشروع جلاوجي السردي كله. فالإنسان الذي نلتقيه في هذه الرواية ليس إنسانا مكتملً ينتظر أن يعيش مغامرته، بل إنسان مكسور في علاقته بالمعنى، تحاصره الرغبات والمصالح والسلطة والصور الجاهزة عن الحياة. ولذلك تأتي الرحلةكعملية ترميم تدريجية: كل تجربة تهدم جزءا من الوهم، وكل خسارة تكشف طبقة من الذات، وكل خروج يحرر البطل من قيد كان يظنه خلاصا. إن علي بابا، بهذا المعنى، لا يبحث عن كنز خارج ذاته بقدر ما يبحث عن الأجزاء المبعثرة من إنسانيته، ولذلك فإن الكنز الحقيقي في الرواية قد لا يكون شيئا يُعثر عليه في نهاية الطريق، بل إنسانا يعاد بناؤه أثناء الطريق .