الرواية تنفتح على هزة عنيفة في حياة الساردة ‘زينة بهنام’ مدارها الذات وصدامها مع الآخر، تقرّ زينة منذ بداية الرواية أنها لم تعد إمرأة أميركية عادية بل إنسانة من منبع آخر.
لقد غدت الأنا في الرواية العربية الحديثة تبحث عن ذاتها في مواجهة دائمة مع الآخر، راصدة ضروباً من الاغتراب وثنائيات ضدية عديدة. ورواية إنعام كجه جي “الحفيدة الأميركية”(1) نموذج لهذا الانشغال بالذات في علاقتها بالآخر، وبسؤال الهوية وجدلية الانتماء والاغتراب، تتشكل في أبعاد المكان والشخصيات وتنويعات الرؤى والأصوات…
تنفتح رواية “الحفيدة الأميركية” على هزة عنيفة في حياة الساردة “زينة بهنام” مدارها الذات وصدامها مع الآخر. تقرّ زينة منذ بداية الرواية أنها لم تعد “امرأة أميركية عادية بل إنسانة من منبع آخر”… وترسم بقية الفصول مسار هذا التحول بعد أن تفتحت عيناها على حياة أخرى هي جزء من ماضيها وذاكرتها. بين نشأة عراقية وجنسية أميركية مستحدثة تنبت أسوار وأشواك حادة وتتوالد غيوم الشجن وسحب الالتباس. تروي الساردة في الرواية حكايتها لتكتشف معالم هوية مرتبكة وذات مغتربة تعيش أوجاع الانتماء المزدوج.
المكان ذاكرة وفضاء لاكتشاف الذات:
تعيش الساردة، الشخصية الرئيسية في الرواية، في أميركا مع عائلتها التي هاجرت من العراق منذ الصبا هرباً من بطش الحاكم وجوره إلى “الأرض الجديدة التي تسقينا الكوكاكولا صباح مساء”. وبما أن الذاكرة ليست نسخة حقيقية من العالم بقدر ما هي تأثير العالم على الفرد (حسب بارتليت) فإن ذاكرة المكان التي ترسخت لدى الحفيدة عن العراق لم تتجاوز صورة الوطن الجائر. وهو ما برّر لها الانخراط في حملة الجيش الأميركي على العراق لتعمل مترجمة وتكسب المال الوفير، بعد أن تبنّت السردية الأميركية والخطاب الإعلامي السائد سنة 2003 الذي يروّج لتحرير العراق وشعبه من جبروت صدام، ونقل الديموقراطية لأهله “فيترشفون حليبها ويتذوقون طعم الحياة”.
لم يكن المكان (العراق) في رواية “الحفيدة الأميركية” مجرّد حيّز يحتضن الأحداث بل كان استعارة للذاكرة المغيّبة والذات المغتربة عن ذاتها. لذا كان الارتحال بين مكانين متنافرين متباعدين كفيلاً بفتح جراح غائرة وأسئلة موجعة، ينكشف معها الوجه الحقيقي للأميركيّ المحتلّ والحرية الموهومة التي يعد بها. كانت الرحلة إلى العراق أيضاً استعادة لذاكرة مغيّبة ترمز إليها الجدة بحكاياتها والعائلة بتعدد أفرادها وعلاقاتها، ذاكرة تستثيرها المدن والشوارع والأحياء التي تتحرك فيها الساردة والناس الذين تلتقيهم.
تروي الجدة لزينة حفيدتها أحداثاً عاشتها مع الأولاد في صغرها، وذكريات القهر التي عاشها زوجها محاولة استمالتها إلى ماض بعيد: “أضع رأسي في حجرها وأتركها تلقي عليّ دروسها المضمّخة برائحة العراق. تحفر في ذاكرتها لكي تعثر على الأمثلة ووسائل الإيضاح. تقول لي إن تاريخ عائلتي ماثل هنا. وأنا أشرب حكاياتها ولا أرتوي”. ألم يقل هالبفاكس إننا نحتاج إلى الآخرين من أجل أن نتذكر؟ والآخرون يتجاوزون الجدة والعائلة إلى الناس في الشوارع والأحياء، فقد تستثار الذاكرة في الشارع بمجرد سماع زينة عبارات الغزل بلهجة عراقية، حتى لو كانت أقرب إلى التحرش: “كيف لا أحب الموصل وكل من فيها يتحدث بلهجة جدتي؟” تكتشف الساردة في بغداد والموصل هويتها عبر اللهجة المميزة والحكايات والشخصيات التي تتفاعل معها فترى فيها ذاتها المنسيّة.
لكن المكان لم يكن مجرد فضاء للذاكرة ولاكتشاف هوية مغيبة، بل حافزاً لكشف تحولات الهوية وصيرورتها وهي تعبر الزمان والمكان.
تحوّلات الوعي بالانتماء/الهوية الهجينة:
لقد ولّدت هجرة الساردة مع عائلتها إلى أميركا صورة جديدة للأنا حققت لها ضرباً من الاستقرار النفسي، إذ كانت ترى في الانتماء إلى أميركا والحصول على الجنسية الأميركية عنصر فخر لها وللمهاجرين مثلها واستحقاقاً لصفة المواطنة. لذا اعتبرت أن لباسها البذلة العسكرية المرقطة سيكون دليل عرفان بالجميل لهذا البلد الذي احتضن صباها. غير أن زيف الخطاب الإعلامي الذي مهّد للحرب على العراق وصوّر الاحتلال على أنه مهمة وطنية لمساعدة العراق على نشر الديموقراطية سرعان ما انهار وتبين زيفه، بمجرد أن بدأت الساردة تعبر شوارع بغداد وترى حجم الخراب والدمار الذي طال المباني والأحياء، وتلحظ ملاحقة الجيش الأميركي كل من تسوّل له نفسه مواجهة المحتل، فتعده مجرماً وإرهابياً لا مقاوماً من أجل حرية بلده.
أضحى المكان حافزاً لتحوّلات الوعي بالهوية تتشكل معه الثنائيات الضدية، قوامها الآخر الأميركي في مواجهة الهوية الوطنية والثقافة المحلية. وتنجلي معه مفارقات عميقة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي، وتقابل بين المرجعيات والسرديات المختلفة…
وبما أن البحث عن الذاكرة لا ينفصل عن الهوية الفردية والمرجعية، فقد أسهمت الذاكرة الأسرية في بلد النشأة في استعادة الشعور بالانتماء، واستجلاء ملامح هوية جماعية بدا أنها قد فقدت توازنها… لقد أيقظت الجدة العراقية في الحفيدة مشاعر نائمة، وذاتاً منسيّة، وعلاقات أسرية مغيّبة. أحيت معها أمجاد الجدّ العقيد في الجيش العراقي، وذاكرة أخيها من الرضاعة (مهيمن)، هذا الفتى المتطرّف الذي ستلتقيه زينة وتنجذب إليه، بل تتحول معه من امرأة متمردة على الأعراف إلى امرأة تقبل الخضوع لسطوة المعشوق: “تكفي نظرة منه لكي أبتلع صوتي وقاموسي المنفلت… وأنا لا أعترض، بل أتمتع بأن يكون هناك من يتولّى عني كل شيء. أنا الزعيمة التي كانت تقود عصابة الأصدقاء…” ورغم التقارب العاطفي بين زينة ومهيمن، لم يكن مفهوم الهجرة وأثرها في تشكيل الهوية واحداً بينهما. فالهجرة في نظر مهيمن تترك الإنسان معلقاً بين زمنين، في حين تراها الساردة خارج إطار الثنائيات الضدية، إذ تعتبر الإنسان قادراً على استيعاب مختلف الألوان التي تحيط به.
على أن موقف الساردة سيتطوّر ويتحوّل تظاهرها بالقدرة على مغالبة الثنائيات ومواجهتها للواقع الجديد إلى حالة انشطار وصراع بين انتماءين أو هويّتين، تواجه فيها “الأنا” ما قبل بغداد “الأنا” ما بعد بغداد: “هل أنا منافقة، أميركية بوجهين؟ أم عراقية في سبات مؤجل، مثل الجواسيس النائمين المزروعين في أرض العدو من سنوات؟” يحتد الصراع النفسي والارتباك الهوياتي إثر مواجهة الواقع واستعادة الذاكرة المغيبة: “أقول للأخرى التي هي أنا إن هناك أطفالاً يفزعون، وأبرياء يموتون بلا ذنب في بغداد”. تتصارع في الذات انتماءات ثقافية وسياسية ودينية دون أن تنصهر بل هي لا تفضي إلا إلى مزيد الحيرة والتيه في مسافات لا يمحوها المكان ولا الذاكرة ولا يطويها النسيان…
لقد أقرت دراسات سوسيولوجيا الهوية في مرحلة ما بعد الحداثة بإمكانية امتلاك الناس هويّات جزئية متعارضة وملتبسة وغير قابلة للتناغم(2) وهي ظاهرة تتنامى مع تنامي الهجرة والنفي واللجوء، وتتغير معها تصورات الانتماء ومفهومه. ويعتبر التهجين الهويّاتي في الدراسات الثقافية ذلك “المزج المتزامن لعناصر ثقافية منفصلة سابقاً لخلق معان وهويات جديدة”(3). ويبدو أن الكاتبة إنعام كجه جي، وهي التي عاشت الهجرة أيضاً، قد رسمت في الرواية نموذج هوية هجينة، تتزامن فيها العناصر المنفصلة تبئيراً على شخصية الساردة، متتبعة تحولات وعيها الهوياتي، راسمة ملامح التمزق النفسي والفكري الذي يعيشه الإنسان وهو يعيد اكتشاف ذاته في مرآة الآخر… وعي هويّاتي يتطور من إنكار صريح للمشاعر الوطنية تجاه العراق، إلى إقرار صريح بمحبة البلد والعجز عن نسيانه، وإن تقنع الحبّ بصيغ عديدة تلخصها جملة الأب ترددها زينة في نهاية الرواية “شلّت يميني إذا نسيتك يا بغداد”.
هو مسار هوياتي متعثر تراكمت فيه المتناقضات، ومحاولات خلق انسجام وهمي، غير أن مصيره سينتهي بالفشل والعجز. تقول الساردة: “حاولت أن أكون الاثنتين فلم أفلح”. قمة العجز تجلوها استحالة الانتماء حتى إلى الاسم: “لن تصدق ليزا أنني فقدت مؤلفتي ونفسي، تدعوني للانضمام إلى جمعيتها وأنا عاجزة حتى عن الانتماء إلى إسمي”. لتتحوّل رمزية “زينة” من معاني الجمال النفسي والاستقرار الهوياتي حيث تنسجم الذات مع العالم، إلى دلالات القبح والاغتراب والشجن لا تحتويها الكلمات والأسماء…
بناء الهوية سردياً:
تواجه الساردة في الرواية مؤلفتها، فتغدو عملية الكتابة موضوع مواجهة ونقاش بين صوتين. وتتجاوز الكتابة الإخبار عن الهوية إلى إنشائها… تتابع المؤلفة حكي الساردة عن كثب، تتدخل في تفاصيله موجهة مسار الأحداث وفق خطة لا تلتقي أحياناً مع خطة الساردة، مما ينشئ صراعاً بين الصوتين. وبذلك تكشف إنعام كجه جي في الرواية عن سيرورة انكتاب النص كاسرة الحواجز بين الواقع والتخييل، في ضرب من الميتاسرد أو الكتابة الواعية بذاتها… ورغم أن الساردة تعيش عبر كامل فصول الرواية رحلة بحث عن ذاتها، تلتقيها في الأمكنة، في تاريخ العائلة والأصدقاء، فإنها ستكتشفها أيضاً في ما ترويه مؤلفة “وهمية” عن حياتها: “أزعجتني المؤلفة منذ رأيتها تدور وتناور وتفتعل المواقف لكي تكتب رواية وطنية على حسابي. تريد هذه الكاتبة الغريبة أن تغتالني كي تنال إعجاب النقّاد الحمقى وسياسيّ التلفزيونات”…
وبما أن الكتابة فضاء للهوية (حسب فابياني)، وبما أن الهوية السردية تُبنى حسب بول ريكور عبر القصص والحكايات التي نرويها عن ذواتنا، وهو المشروع الذي نهضت به الشخصية الساردة، يمكن اعتبار ثورتها على المؤلفة صورة أخرى للتمزق النفسي والهوياتي الذي تعيشه، وشكلاً فنّياً لرسم ملامح صراع الشخصية مع ذاتها حتى لو اختلقت لها قريناً، بل قد تكون ثنائية الأصوات نوعاً من الإيحاء بتعسر التأويل وتعقيده.
لقد رسمت رواية “الحفيدة الأميركية” صورة للأنا العربية المتذبذبة بين مرجعياتها، الباحثة عن ذاتها وعن ذاكرتها، راصدة التباسات الهوية وشروخها، والصراع النفسي والفكري والإيديولوجي الذي تعيشه الذات لإيجاد الوساطة بين الأنا ونحن، وأشكال الانتماء المعقدة لدى المهاجر واللاجئ والمنفيّ. وتحوّل مسار المواجهة والصراع من تقاطب الأنا والآخر، إلى داخل الذات الفردية وهي تعي تناقضاتها وتعدد انتماءاتها وعجزها عن الانصهار في مسار واحد.
قد تكون “الحفيدة الأميركية” بذلك انعكاساً لصورة الذات العربية وقد انقسمت إلى هويات جزئية متنازعة وغير قابلة للتناغم… أو دعوة ضمنية لإعادة اكتشاف الأنا واسترجاع الذاكرة المغيّبة تحت عباءة سرديات الآخر.
الإحالات:
– إنعام كجه جي: الحفيدة الأميركية، الجديد، بيروت لبنان، ط2، 2009.
– عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الهوية، جدلية الوعي والتفكك وإعادة البناء، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2017، ص271.
– إدوار سعيد: الثقافة والامبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، 1997، ص70.