أجمع الفلاسفةُ في أحد المؤتمرات، على أن ينهضوا بـ(العقل) فيحاربوا الخرافاتِ والأساطيرَ. لكنَّ فولتير عارضهم، فأصدر قصصًا (خياليةً) إيمانا منه بأن الخيالَ يحرر العقلَ، ولولاهُ لما استطاع الإنسانُ أن يبتكرَ، ويخترعَ ويبدعَ، ويعرفَ ويكتـشفَ؛ لهذا نجد الاِختراعاتِ والاِبتكاراتِ والإبداعاتِ كافَّةً ، كانتْ في بداياتها خيالا في خُرافاتٍ ورواياتٍ وأساطيرَ…!
في دراسته للأساطير، يقول (ليفي ستراوس): “الاِزدواجيةُ جوهرُ الأساطيرِ وبنيتُها الأساسيةُ”؛ وهو بهذا التعريف المُركَّز، يؤكد على ثنائية التَّضاد والتّناقُض اللذين يحفِّزان التفكيرَ لدى الإنسان ويُنَشِّطانِهِ. ولولا الازدواجيةُ بـ(مفهومِها الإيجابي) ما كان هناك تفكيرٌ ولا تغييرٌ ولا تطويرٌ، ولا رقي ولا حركة في هذه الحياةِ؛ فبداية العالم تحددُها (الازدواجيةُ) وبدونِها لن تكونَ هناك حياةٌ حقيقيةٌ، ولا علومٌ ولا معارفُ ولا آدابُ ولا سلوكاتٌ ومعاملاتٌ… ومن هذه الخاصيةِ تعرَّف الإنسانُ على الطبيعةِ والحياةِ فيها، إذ لاحظ أنَّ هناك نورا وظلاما، وفوضى ونظاما، وحياةً وموتاً، وسواها من الاِزدواجيات والثنائيات المتناقضة، المتعارضة، التي تشكِّل العمودَ الفقري لكلِّ الأساطيرِ الموغلةِ في التاريخ البشري!
إنَّ الصراعاتِ التي تـنبني عليها (الازدواجيةُ) بين الخير والشر، بين الحب والكراهية، بين الليونة والصلابة، بين العقل والوجود المادي، ثم ما أُسمِّيهِ بازدواجية (التوأمة) أي شجرةَ الحياة (العالم) وشجــرة المعرفة (الخير والــشر)؛ هي الجسرُ الـذي يَـصِلُ، بل يُـلْحِمُ الــعــالمَ بالحياةِ القائــمةِ، ســواءً أكانتْ قاسيةً أم هَــشَّــةً!
لطالما تذكرتُ الشجرَ، عندما كنت طفلا، لا أتجاوز تسعَ سنواتٍ من عمري. ربما لأنه عالٍ، أكبر مني، وأغصانُهُ طويلةٌ، كأنه تــنِّينٌ، يدلِّي رؤوسَهُ، هكذا كان يبدو لي أو أتخيله، وأنا أشْرَئبُ برأسي إلى أعلاهُ!..ولهذا أمضيتُ شطرا كبيرا من حياتي في حديقة (جِنانِ السَّبيلِ) بفاسٍ، هاربًا من عائلتي ومدرستي، أتأمل الشجرَ الأسيوي الكبيرَ، وأقارنُه بشجر الدِّفْــلى والصَّبَّارِ الأمريكي القصير، اللذين يزينان جانبا من الجنان الساحر. وحين تداعبه الريحُ في فصل الخريف، تهتز غصونُهُ، وتتساقط أوراقُها اليابسةُ الذابلةُ، يشرد خيالي بعيدًا، فأظنُّهُ، أي الشجر، كان في القديم بشرًا مثلَنا، ومُسِخ ليكون عِــبَــرًا لنا، كيلا نقترفَ شرًّا، ولا نَفْتري كذِبا، ولا نشهد زورا، ونتعلم ونعمل بجدٍّ، ونطيع أوامرَ آبائنا وأمهاتنا، وإلا أصبحْنا كالشجر مغروسين في الأرض، لا نغادرُها البتةَ. وها هو الشجرُ يُكَفِّر عن ذَنْبِهِ، فيُثْمِر ويُرسل ظلَّه، وينقي الهواءَ، ويُؤْوي العصافيرَ، ويمنحُ الوجودَ والصَّفاءَ.. ولكي لا أَصيرَ شجرةً مُثَــبَّــتةً في الأرض، ليلَ نهارَ، لا أغادرُها، كان عليَّ أنْ أمْـتَــثِــلَ لنصائح أمي، ولا أفعلُ إلا ما يُرْضيها. وإذا كان الشجر في القديم بشرا عاقلا، على قدْر ظني، فهذا يعني أنَّ له حكاياتٍ وأساطيرَ، ومعارفَ وعلومًا وفنونًا، تُحْكى وتُسْرَد شَفَهِيًّا، لكنَّه لم يدونْها في أسْفارٍ. ولمَّــا كــبــرتُ، عرفــتُ أنَّ الأساطــيــرَ، هي كــذلك، تــؤنْسِنُ الشجــرَ، وتمنحُهُ دورا هامًّا في الحياة، بل تحوله إلى رمز إلى(الازدواجية) و(الثنائية) ولمصدر الحكمة والحياة. وكثيرا ما يشبِّه العلماءُ والفلاسفةُ الطفلَ بالإنسان البدائي، وأنا كنتُ كذلك، أبدع لنفسي أساطيرَ من الشجر، بل حتى من قصبِ الخيزران، الذي جُلِبَ من الـفـيتـنام، لِيُغْرَسَ في جِنانِ السَّبيلِ (لَمَّا كان الشيءُ بالشَّيْءِ يُذْكَر، فأولُ صحيفةٍ في العالم، كانتْ تُكْتَبُ على القصبِ الطويلِ العريضِ، ثم على جريد النخل، فالجلود، وهكذا…)!
لقد التحمتُ بالشجر التحامًا قَويًّا، رُبَّما لأنَّ شجرةَ الحياةِ وشجرةَ المعرفةِ متماثِلانِ، لا يختلفان في شيء. فكما أنَّ للحياةِ مفهوما (فرديا وجماعيا) يُجسِّد النشاطَ الجسميَّ والنفسيَّ والفكريَّ، عبر النمو والعيش والتكيف، صيانةً لوجود الأنا والآخر. ولا يتأتى كلُّ ذلك إلا بالعوامل المشتركة: الحب والأمن والسلام، والخير والنظام، والعدل والإنصاف والاحترام؛ فإنَّ شجرةَ المعرفةِ، تعني الإدراكَ والفهمَ، عبر التأمل عميقا في الطبيعة والأشياء المحيطة بنا، والوعي بدورها الضروري في حياتنا..
الشجرةُ هي التي تخلق الحياةَ، وتحمي معرفةَ الخير والشر. تمد فروعَها طويلا في السماء لتشمل العالمَ كلَّهُ، وتمد جذورَها في باطن الأرض لتشدَّها، فتغدو بذلك محورا بين السماء والأرض. ألمْ تلتقِ حواءُ بآدمَ عند الشجرةِ، فأُغْوِيا بفاكهـتِها، ما جَعَلَهُما يعرفان الخيرَ من الشَّرِّ، والسماءَ والأرضَ؟! وما جعلها، أيضا، شجرةَ المعرفةِ الواسعة، التي تمدُّ غصونَها وفُروعَها وجُذورَها طَويلا، لا تُحَد ولا تنتهي. لكن، لو لم يتجرأ هذان الزوجَان على الشَّجرةِ، لَمَا غادرا الجنةَ، ولَمَا اكتشفا المعرفةَ، ولما حققنا نحن البشرَ حَفَدتَهُما هذه المنجزاتِ العلميةَ المذهلةَ. فالمغايرةُ والمغامرةُ والمخاطرةُ، هي التي تقود الإنسانَ إلى المعرفة الحقيقية، واحتذاؤنا بجَدَّيْنا الأولين في هذا (التَّجرؤ على الشجرة) هو الذي يقودنا إلى الإبداع والابتكار والاختراع، واكتشاف المعارف والعلوم المتنوعة. ولعل ذلك كــلَّه، يخضع لقانون الحــياة؛ ألا وهو عاملُ (الــتغــيــيــر) مثل الشجرة، التي تُغير شكلَها كلَّ الفصول، لتزهِرَ وتُــثْـمرَ باستمرارٍ. ولهذا قال (هرقليطس) قديما: “قانون الحياة هو التغيير المستمر”، لكنّ شعوبا يا معلمي هرقليطس، لا تريد أن تـتغير، دائما تقتفي أثــرَ سلفِها.. هذه الأمم لن تتطور، وستظل في آخر القافلة. كما يعدّ علي أحمد سعيد ـ أدونيس (الأساسَ في الحياةِ) هو أنَّ “فكر الإنسان لا يولد إلا في تعارض مع فكر إنسان آخر. فإذا لم يكن تعارض لا يكون فكر، بل يكون تــقــليــداً، وفي أحسن الحالات شرح وتفسير”؛ وهذا ما أطلقتُ عليه، منذ البداية، مصطلحَي (الازدواجية) و(الثنائية) إذا صحَّ التعبير..
ولو تأمَّلنا الشعوبَ والأممَ، لَلاحَظْنا أنَّها تشترك كلُّها في أيْقوناتِ شجرةِ المعرفةِ التي تُــثْمر تغييرا جوهريا في الحياة. ففي الأساطير اليونانية ـ المغربيةِ، نقرأ أنَّ (موضع) مدينة (لكسوس) الذي لا يبعد عن مدينة (العرائش) إلا بثلاثة كيلومترات فقط، كان يُعَدُّ نهايةَ عالم البشر، وبدايةَ عالم الآلهة. وأنَّ فصل الربيع سينأى بنفسه عن الطبيعة، ما سيجعل أمَّ الإلهة (غايا) تكلِّف (هرقل) الذي هو (أطلسُ الجبارُ) الذي يحيل على (جبال الأطلس والمحيط الأطلسي) بإهداء ثمار ذهبية إلى (هيرا) في ليلةِ زفافها، كي تُـثْمِرَ شجرتُها تفاحا. فهذه الشجرة، ترمز إلى الربيع، وإلى دورة الفصول كلَّ سنةٍ، وإلى الــثــراء الذي نجــنــيه من الطــبــيــعــة، وإلى قــانــون الحــركة الــدائــبة والتغــيــيــر.
لم أنس دورَ الشجر في شحْذ معرفتي، منذ طفولتي، ولهذا أدمنتُ على زيارته في الحدائق والغابات والجبال، ووعيْتُ كلَّ الوعي بقيمته، وحُمولتِهِ المعرفية، حتى إنني سميتُ حفيدتي (أسيل) تلك الشجرة الأسطورية، التي يعدونها (مركزَ العالم) الذي يلتقي حوله أكوانُ الأقزام والعمالقة والآلهة. وهي عملاقةٌ، تطاول غصونُها عَنانَ السماء، ودائمةُ الاخضرار، تتميز بالنعومة والحسن والرشاقة والكياسة، لأنها (عاقلةٌ)، توحد العالمَ، وتربط بين الأرض والسماء. فكأنَّ أسطورتَها ـ بهذه الصفات والسلوكات ـ تبعث رسائلَ إلى البشر، بأنَّ توحيدَ الشعوب والأمم، وتجنيبَهما الحروبَ، يتمثل في الشجر العاقل، وخصائصه الطبيعية. وفي هذا المجال الإنساني، نجد معتقداتٍ وثقافاتٍ وآدابًا، تتجاوز تلك التأويلاتِ، أي ذلك (التشابه المعرفي) بين (الشجر والإنسان) حدّ (التشابه الجسدي)؛ ففي رواية (التحولات) للشاعر الروماني ببليوس أوفيديوس ناسو (أوفيد) نقرأ أن (أبولو) إله الشعر والفن والطب والرماية، هامَ في حبِّه لـ(دافني) فلاحقها في الغابات الكثيفة، إلى أنْ كاد يُمْسِكَ بها؛ فاستغاثتْ بوالدِها (إله النهر) الذي حولها إلى شجرة (دور الماء في الحياة) ثم ظهر اللحاءُ الرقيقُ على جسدها، يغشيه ويقويه كي يحميها من سهام أبولو. وتحوَّل شعرُها المُسبَل على كتفيها إلى أوراقٍ، وذراعاها إلى أغصانٍ، وتلاصقتْ رجلاها معًا لتنغرسا في الأرض، وتتحوَّلا إلى ساقٍ سَميكٍ. ثم توارى رأسُها ليصبح قمةَ الشجرة ـ دافني. فهذا التصوير والتحوير، يدفعُ المتلقي إلى رؤية كل مكونات الكائن البشري، تتحول إلى مكونات الكائن الشجري. والغايةُ من هذا التحول، أنَّ الإنسانَ عندما يُرْغَم على مُمارسَةِ عَمَلٍ ما، وهو يرفُضُهُ، يتخلَّى عن جنسِهِ تمامًا. إنه وسيلةٌ للتخلُّص من الآخر، بدلَ الانتحارِ، بغية البقاء على قَــيــْدِ الحياة، ولو بشكلٍ آخرَ. وعلى الرغم من مرورِ قرونٍ على هذه الحادثةِ الأسطوريةِ، فما زال (أبولو) حيًّا، وما زالتْ (دافني) هاربةً منه، تُحاولُ أنْ تفرضَ ذاتَها، كي تــنقادَ طائعةً لمن تريد، وترفضَ أنْ تكونَ لقمةً سائغةً، يلتهمُها من يشاءُ. إلا أنَّ ملحمةَ دانتي اليجـيـيري ((الجحيم)) تختلفُ عن الأولى في الغايةِ، وتلتقي معها في الوسيلة. فإذا كانتِ الشجرةُ في (أوفيد) (ملاذا آمنا) للإنسانِ، فإنها في الثانية (عقابا عسيرا) له. إذ تتحول إلى سجن، يحدُّ من حركةِ الإنسانِ، الذي لم يستطعْ أنْ
يُحَرِّرَ نفسَهُ من الكآبةِ والآلامِ النفسيةِ…فالموقــفان مــتــعارضان، يُجَــسِّــمان حالةَ العالم، ونزوعةَ البشر نحــو الخير أو الشر. إذ نجد، مثلا، في الأساطير أهريمان (إله الشر) يسلِّط ضفدعا على شجرةٍ، ليحُدَّ من نُمُوِّها، كيلا تُزهِرَ ولا تُثْمِرَ، ولا تمنحَ الحياةَ والوجودَ لسكانِ الأرض. فيما أهورا مزدا (إله الخير) يأمر سمكـتين بحراسة الشجرة وحمايتها، فبدونِها لنْ يحيا البشرُ!
تشترك الكثيرُ من الأساطير في عنصر (الشجر) سواء في معناه الإيجابي أو السلبي، كما لاحظنا في المثالين السابقين. لكنَّ السؤالَ الذي يُثار: إلى أي عاملٍ يُعْزى هذا العنصرُ الأسطوري؟ وبتعبير آخر: لماذا يستثمر شجرُ الأساطير في الأدب؟! هناك من يَعدّ الشجــرَ رمــزًا للحــياة الأبــديــة، أو الـولادة الدورية، فهــو يـتجاوز الــبـشرَ بكثير، إذ يتسِمُ بشيءٍ من الدَّيمومةِ والخلودِ والخصوبةِ، وهو عنصر راسخ في الأرض بجذور تتمدَّد في باطنِها لتعطيهِ الحياةَ، لا تــتغير منه إلا أوراقُهُ. بينما الإنسان يتغـير جسمُه وعقلُه وسلوكُه، وتنتابُهُ أحاسيسُ شتى، تقلبُ مِزاجَهُ، تَــبَعًا لأهوائه المضطربة!