يحبّ الناس الفنّ الذي يشبههم، يقابلون فيه تفاصيل حياتهم مكتوبة أو مرئيّة، يستأنسون ويتواسون، ويشعرون بالفخر أو بالشفقة، لذا بقيت الواقعيّة تيّار الأدب الأعرض، واستعاض الكتاب منذ أواخر القرن الثامن عشر بالحسّ الواقعيّ عن الحسّ الخياليّ، كما قال إميل زولا يوماً، لكنّ هذا الواقعيّ ليس ضيّقاً أومحصوراً في إطار فولاذيّ، بل يفتح نوافذه مستعيناً بأدوات فنيّة تخرج به عن الواقع قليلاً لتعيده إليه، مثل (الغريب) و(العجيب) و(الفانتازيّ)، لكنّه مع ذلك يبقى واقعيّاً، إذ لا ينفي الواقع الظواهر غير الواقعيّة، ولعلّ عبارة من مثل (انتهى زمن المعجزات) التي نسمعها بين الحين والآخر هي عبارة مجازيّة، فلم يحسم أحد حصول الظواهر العجيبة التي حملتها الموروثات، ولا قضيّة سكّان الكواكب الأخرى، أو الأطباق الطائرة، أو زوّار الليل وأقصد الفضائيين، لذا يستعين الفنّ بالأدوات المذكورة حين يعجزه الواقع عن التعبير، مثلما نستعين بالسخرية حينما نيأس من المواجهة الكلاميّة الجادّة، أو نعجز عن إيجاد حلّ أو نحزن أو نعجز عن الصفح، أمّا شعور الفرح فلا يستدعي لدينا أيّ نوع من السخرية.
بهذه الواقعيّة المفتوحة على حدود التجريب يكتب سمير الفيل، القاصّ المصريّ الذي نشر أوّل قصصه عام 1968، والذي فاز أمس عن مجموعته (دمى حزينة) بجائزة الملتقى للقصّة القصيرة العربيّة في دورتها السادسة، وهي الجائزة العربيّة الأرفع في القصّة القصيرة التي ترعاها جامعة الشرق الأوسط الأمريكيّة في الكويت، ويرأس مجلس أمنائها الكاتب طالب الرفاعي. تتميّز (الملتقى) بالفرادة لغير سبب، إذ أنقذت فنّاً عظيماً وعريقاً من التهميش، فنّاً تطوّر عبر التاريخ وجاب الجغرافيّات واستوعب لحظة الذكاء الفطريّ للبشر، واستفاد من فنّ الخبر والمسامرات وأحاديث العشيّات، وكان أقرب للتعبير عن هويّة الأفراد منه للتعبير عن هويّة الجماعات. قدّم سمير الفيل إلى عالم القصّة القصير خمساً وعشرين مجموعة قصصيّة، والكثير من الحوارات الغنيّة، والكثير من دعم المواهب الشابة، والكثير من الودّ والمحبّة لكلّ من عرفه من الوسط الثقافيّ.
عمل (عمّ سمير) كما يناديه الشباب، في ورشات النجارة ومحلات بيع الأثاث في مدينته دمياط خلال طفولته فكتب (خط أتوبيس 77)، وعمل في محلات بيع الأحذية فكتب (صندل أحمر)، وحارب في أكتوبر فكتب (خوذة ونورس وحيد) و(شمال، يمين)، وعمل بعد أن أكمل دراسته في التعليم، وكتب عن عالمه الغني في مدينته الوادعة التي أتاحت له فرصة التأمل من غير أن تسحبه عجلة المدن الكبيرة السريعة والصاخبة. تحتفل قصص مجموعته التي فازت بالجائزة (دمى حزينة) بـ (العجيب) الذي يعدّ مكوّناً ثقافيّاً من مكوّنات المجتمعات الصغيرة البعيدة، إذ يتّقي الأبطال الشرور بأعراف الثقافة الشعبيّة وتمائمها، كمحبّة المبروكين، ورضا أولياء الله الصالحين، وأدعية الأمّهات، وبالأحجبة التي تمنحها النسوة الطيّبات، والأدعية الموروثة، وصدى صوت تلاوة عبد الباسط عبد الصمد، وقد يصير العجيب أداة ناقدة لكلّ من الفساد والظلم والاستبداد، ولكلّ ما يخرج الحياة من خانة الجميل إلى القبيح.
وتستفيد لغته من بلاغة اليوميّ وبلاغة الحكائيّ وبلاغة الفانتازيّ، سواء أكان بنية عضويّة أو موازية في السرد.
فيما عدا ذلك كلّه يمكن للخبرة أن تحسم أصعب معركة، حيث يقوم المرء بالفعل الفنيّ المطلوب لا أكثر ولا أقل، وهذا ما كان يقوله المسرحيّ الشهير ستانسلافسكي: على المخرج أن يعرف اللحظة التي عليه فيها أن يسدل الستارة، وهذا ما يحبّه الناس أيضاً حتّى لو أظهروا غير ذلك، وهو ما كان يفعله الكاتب في كلّ قصّة من قصصه، فهنيئاً لك الفوز يا عمّ سمير!