يرى الشاعر والناقد الأردني الدكتور سلطان الزغول بأن الشعر نبع يتدفق من منطقة تلامس الروح، ولعلّه من أكثر الفنون التعبيريّة قرباً من الذات، وقدرةً على تكثيف العالم، ما يجعله ميداناً خصباً لقراءة هذا العالم الذي يضطرب في ذات الشاعر، ويتجلّى في القصيدة.
وتعتبر تجربة الزغول من التجارب الشعرية والنقدية الملفتة للنظر خلال السنوات الماضية، فقد تميز صوته بالتنوع والطموح نحو التجديد، وتشعرك مجموعته الشعرية الأولى « في تشييع صديقي… الموت، دار أزمنة – عمان، 2004م» أنك أمام صوت شعري مغاير يمتلك السيطرة على اللغة والموسيقى، ولعل المقارنة بين ديوانه الأول الذي ظهر قبل عشرة أعوام وديوانه الثاني « ارتعاشات على جسد الخريف، (شعر) دار أزمنة-عمان، 2007م » تكشف عن مدى الجهد الشعري الخلاّق المتطور في تجربته الشعرية.
أما في مشروعه النقدي، فقد تناول الدكتور سلطان العديد من الموضوعات التي تطال السرد والشعر. واستطاع عبر هذه الأعمال النقدية أن يجد له مكاناً متميزاً في الكتابة النقدية المعاصرة في الأردن، وقد صدر له في هذا المجال: « فضاء التشكيل وشعرية الرؤى دراسات في قصة إلياس فركوح القصيرة، 2010م،و« تمثيلات الأب في الشعر العربي الحديث»، و«سحابة صهباء يتساقط ماؤها- قراءات في الشعر العربي، 2013م».
وللوقوف على تجربته الشعرية والنقدية، ورؤيته للواقع الإبداعي العربي، كان لنا معه في « القدس العربي» هذا الحوار:-
هل نبدا مع المؤثرات التي أثرت في نشأتكم شاعراً ؟
*لقد نشأت وكبرت في ظلال أشجار التين والزيتون والدوالي الفاتنات. ولعل هذا المكوّن الطبيعي هو المؤثر الأبرز في شخصيتي، والذي يتدفق بغزارة عبر ما أكتب من شعر. وهو أساس متين من أساسات تواصلي مع العالم. أما أبرز المحطات التي ساهمت في صياغة شخصيتي شعرياً وثقافياً فهي مدينة اللاذقية على الساحل السوري، حيث عشت في مطلع الشباب، متواصلا لأول مرة بشكل قريب مع البحر المتوسط. في اللاذقية، وفي جامعة تشرين بالتحديد، درست الأدب العربي، وتواصلت بشكل علمي منظم مع هذا الجسد الضخم الذي يمثل الشعر أبرز مكوناته. وهناك محطة أخرى مهمة ومؤثرة في مسيرتي، إنها مدينة العقبة التي عملت فيها مدرسا لمادة اللغة العربية في عامي 1999 و2000، فكانت الكآبة والشعور بالحرمان من الغابات والجبال أبرز معالم هذه المحطة التي عبّرت عنها بجلاء في الجزء الأكبر من مجموعتي الأولى، والذي جاء بعنوان «فصل الرمل».
كيف ظللتَ تحتفظ بتوازنك الخلاق بين فعّاليتي الشعر والنقد، وكأنّهما ليسا على طرفي نقيض؟
من قال إنهما كذلك؟ لست أجد تناقضا بينهما. بل إنني أرى ناقدا دفينا في كل شاعر جيد. أليس عليه أن يقرأ نصّه بعين الخبير ليجوّده ويقيل عثراته؟ ربما انشغل الناقد الشاعر أحيانا بمهماته العلمية عن الشعر، لكن الشاعر الناقد يمتلك حنينا روحيا دافقا إلى منطقة الشعر السحرية، وهو لا بدّ عائد إليها ليواجه قسوة العالم، ويساهم ما أمكنه في الحدّ من انهيارات الإنسان الروحية.
ماذا عن إصدارك «سحابة صهباء يتساقط ماؤها» ؟
يضمّ هذا الكتاب مجموعة من القراءات النقدية في نصوص من الشعر العربي، قديمه وحديثه. وتجول القراءات التي تشكّل متن هذا الكتاب في عوالم فنّية زاخرة، تمثّل نماذج غنيّة من الشعر العربي قديمه وجديده. وقد تتبّعت هذه النصوص المختارة بالقراءة والتحليل، وهي نصوص تمثّل مراحل ومحطات مهمة عبر مسيرة الشعر العربي، وذلك يظهر بوضوح مدى التطوّر الشكلي والمضموني الذي أصاب القصيدة العربية عبر تاريخها الحافل. ولعلّ أهمّ رسالة يقدّمها هذا الكتاب هي الانحياز إلى تميّز النصّ أولا وأخيرا، والانفتاح على النصّ الشعري العربي، دون النظر إلى زمن كتابته، فهو يضع القصيدة الجاهلية والأموية والعباسية الخالدة جنبا إلى جنب مع نصوص تنتسب إلى الشعر العربي الحديث والمعاصر. أما مشروعي الذي أنغمس فيه منذ عام 2011، والذي انتهيت منه مؤخراً، فهو قراءة الذاكرة الثقافية للشعر العربي الحديث من بوابة التناصّ، وهي أطروحتي لنيل درجة الدكتوراة في الأدب والنقد. ولعلي أتفرّغ الآن، بعد أن أتممت هذا المشروع، لقراءة الشعر الأردني في العقد الأخير من القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الجديد، فهي مرحلة خصبة غنية، وتحتاج قراءة متمعنة متفحصة لجلائها وإبراز أهم ميزاتها وخصائصها.
هل صحيح أن ثمّة نفوراً وعدم تواصل مع قصيدة النثر. ما ردّك ؟ وماذا عن موقفكم من الحرب الدائرة ضد قصيدة النثر منذ سنوات؟
تقصد نفور القارئ العربي الذي تربّى في أحضان النصّ التقليدي، وجعل منه معيارا للتعامل مع أي نصّ، فكيف له أن يتواصل مع قصيدة تعبّر عن المستقبل؟! ربما كانت قصيدة النثر هي التجلي الأبرز لحركة الحداثة، فمن تغلغلت الحداثة في روحه على المستويات كلها لا بدّ سيتقبلها ويرحب بها، أما من يعاني انفصامات على المستوى الاجتماعي أو الفكري، من يعيش بجسده في الحاضر وتنتمي روحه إلى الماضي فكيف له أن يتقبل تجليا من تجليات الحداثة في منطقة الشعر التي ينظر إليها كمنجز ماضوي لا يمكن الإضافة إليه إلا بالبناء وفق نهجه الثابت، أي إضافة أبيات متتابعة تخضع للنظام الذي تجذر وصار جزءا من الماضي المكتمل والمرتبط بالمقدس. طبعا أنا لا أقصد محاولات كثيرين يستسهلون الدخول إلى منطقة الشعر من زاوية قصيدة النثر، يتكئون عليها دون أن يعرفوا أسس فن الشعر أساسا. إنني بصدد الحديث عن نص يمتلك وعيا فلسفيا فكريا بحركة التاريخ. نص قادر على فتح آفاق جديدة، وهو بحاجة لقارئ واع بتراكماته الثقافية، بذاكرة هذا النص ومساراته.
من وجهة نظركم، كشاعر وناقد، كيف يكون الشعر، وما هي وظيفته، وما هي القضية الرئيسية عند سلطان الزغول؟
الشعر نبع يتدفق من منطقة تلامس الروح، إنه نبضها، فرحها وحزنها، ولعلّه من أكثر الفنون التعبيريّة قربا من الذات، وقدرة على تكثيف العالم، ما يجعله ميدانا خصبا لقراءة هذا العالم الذي يضطرب في ذات الشاعر، ويتجلّى في القصيدة. من هذا المنطلق فإن القضية الأساسية عندي هي العلاقة مع هذا العالم بتجلياتها كلها. علاقتي بالكائنات الإنسانية الأخرى على المستوى الروحي والجسدي لا تتميز كثيرا عن علاقتي بالتراب والشجر، أو علاقتي بالمدن، الأرصفة والشوارع. وعلى الرغم من ذلك فإن الانتصار لإنسانية الإنسان، وحق هذا الإنسان في العيش حرا كريما في أرضه ووطنه هي أبرز المبادئ التي أتبناها وأدافع عنها بشراسة.
ما هو المعوق الأساسي في أن يكون للمثقف دور مؤثر على حركة الشارع والناس والحياة؟
كي يكون للمثقف دور مؤثر لا بدّ من وجود رؤية واضحة المعالم أمام المسؤول عن إدارة شؤون المجتمع السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية، عليه أن يعرف أن سبيل التقدم وتحقيق الخير والصلاح لأي مجتمع يبدأ من هذه المنطقة الرجراجة، منطقة الثقافة، فهي التي تقود اعتقادات الناس وأهواءهم وخياراتهم السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية. من جهة أخرى لا بدّ من أن يتمكن المثقف من تحقيق استقلاليته التامة، حتى لا يخضع لما يفرضه عليه السياسي والاقتصادي. وحتى لا يقع فريسة للسلطة المهيمنة وتحالفاتها الخطيرة التي تمكنت عبر التاريخ من فرض شروطها، وأبرز هذه التحالفات هو تحالف السلطات الدينية والسياسية والاقتصادية للهيمنة على المجتمع وإبقائه مقيدا وتابعا لما تفرضه من خيارات. ربما كان تحقيق الحرية للمثقف المنتمي والقادر على إحداث الفارق مستحيلا؟ وربما كان حلما جميلا، لكن أهم الإنجازات عبر تاريخ العالم قد بدأت بحلم.
ما علاقة النص الشعري بمرجعه الواقعي؟
تتعدد مرجعيات النص الشعري، فإضافة إلى مرجعياته المستندة إلى التراث العربي، يمتد في التراث الشعبي والأسطوري، وفي النص الديني والفلسفي والصوفي. فالنص الشعري تعبير صادق عن ثقافة صاحبه، فإذا كانت ثقافة متنوعة ذات امتدادات في أعماق الفكر الإنساني كان غنيا بالمرجعيات، أما إذا كانت ثقافة صاحبه ضحلة جاء تعبيرا صادقا عن هذه الضحالة. وعلى الرغم من ميل الشعر إلى المجرد، وقربه من عالم الأحلام والظلال إلا أنه ابن واقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بالدرجة نفسها التي ينتمي فيها إلى واقعه الثقافي. فإذا لم يكن كذلك كان مجرد تهويمات في الفراغ.
تحفل أشعارك بالتضمينات من التراث الإنساني، وتتعدد في دواوينك المؤثرات الدينية وغيرها، فهل يمكن تحديدها ؟
لا أميل إلى وصفها بالتضمينات، بل هي ذاكرة النصّ الثقافية التي تعبّر عن تنوّع عالم صاحبه الفكري، فالشاعر يوظف هذه الذاكرة دون وعي أحيانا، وفي أحيان أخرى يقوم بهذا التوظيف بقصدية كاملة. وأعتقد أن النصّ عالم متشابك من الأفكار والمعطيات والتناصّات القادرة على إعادة صياغة المرجعيات لتقديم رؤية مختلفة. فلا جديد تحت الشمس، كما يقال، ويمكن في أي نصّ أن تحصي عددا هائلا من الإحالات والمرجعيات المتنوعة. لكن الشاعر الحقيقي هو القادر على أن يصنع شيئا مختلفا وفريدا لا يتوازى مع النص المنجز سابقا، بل يدخل من خلاله إلى مناطق جديدة. من هنا أعتقد أن تحديد معالم الذاكرة الثقافية للنصّ، أي نصّ، هو أمر يزداد صعوبة كلما كان صاحب هذا النصّ أكثر ثقافة وأعمق غورا.
كيف تنظر إلى خريطة الشعر الأردني اليوم ؟ وهل صحيح أن الشعر دخل في طريق مسدود؟
خريطة الشعر الأردني خريطة متنوعة وحافلة بالتجارب الخلاقة، وربما كانت التجربة الشعرية في الأردن من أكثر التجارب الشعرية العربية تميزا، خاصة في تسعينيات القرن العشرين وما بعدها. فأنت تواجه في الأردن نصّا حداثيا حافلا بالفتوحات والإضافات التي تسهم في تطور الحركة الشعرية العربية الحديثة. كما تستوقفك أسماء شعرية كثيرة لها بصماتها المؤثرة، وإن لم تنل حظا كبيرا من الشهرة على المستوى العربي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا أعتقد أن الشعر قد دخل في طريق مسدود، فالشعر قادر على أن يصنع دوما طرقا جديدة للنفاذ إلى المستقبل.
ماذا عن تصورك للمستقبل؟
ما زلت أحاول ترك أثر لأصابعي في تراب هذه الأرض. أتمنى أن أتمكن من ذلك قبل الرحيل عنها. الآن وبعد إنجاز أطروحتي لنيل درجة الدكتوراة، أحاول أن آخذ نفسا عميقا قبل أن أتابع مسيرتي التي تجمع أفق الإبداع إلى محاولة تتبع خطى المبدعين. وأحاول أن أتشبّث بإنسانيتي في واقع يحيط به الألم والدم والقتل. أحاول أن أحافظ على هامش حريتي الفكرية في حال ثقافية مزرية على المستوى العربي، إذ يتربّص بك المتربصون، ويفسرون كل ما تقول وفقا لأهوائهم وأمزجتهم. هل يمكنك أن تكون حرا وقادرا على إطلاق صرختك في وجه الباطل دون أن تتهم بأنك الباطل نفسه، في هذا العصر الذي تاهت فيه الحقيقة, وانمحت الحدود بين ما كان سابقا مسلمات لا مجال لمناقشتها. أما ما أختم به فهو مزيج من الحدس والأمنية.. أعتقد أن وراء هذا السواد القاتم الذي يغلّفنا ضوء ساطع سيملؤنا ببياضه الجميل.. إنني أراه قريبا.