(1)
أطلق الصعلوك العربي القديم صرخةً تاريخية مدويةً اجتماعياً وثقافياً في مطلع لاميته الشهيرة بلامية الشنفرى أو لامية العرب، تلك القصيدة الفريدة جمالياً ورؤيوياً، والضاربة جذورها في وعي اللحظة الإنسانية، وجوهر العلاقات بين الأنسنة والوحشنة، في كونٍ مترامي الاتجاهات، والمتاهات، والدروب، والمواقف، والمصائر، والمآلات:
أقيموا بني أمّي صدورَ مطيّكم * فإنّي إلى قومٍ سواكم لأميَلُ
وفي السياق نفسه أطلق طرفة بن العبد قولاً سرَى في الآفاق والاتجاهات عبر القرون، مجدداً دلالة شعور إنسانية تتعدد تجلياتها، لكنها تتمحور حول الألم، ولا سيما الخاص الذي يكون أشد مضاضةً من وقع السيف:
وظلمُ ذوي القربَى أشدُّ مضاضةً * على القلبِ من وقع الحسام المهنّدِ
وكان تميم بن مقبل كزميليه الجاهليين الأشهرين، قد رأى للحياة معنى بأن يكون الفتى حجراً، في مواجهة حوادث الزمان:
ما أطيبَ العيشَ لو أنّ الفتى حجرٌ * تنبو الحوادثُ عنهُ وهو ملمومُ
فكأني بموجعات الإنسان عبر القرون، والآفاق، والاتجاهات، صيغة تتناسل أشكال تعبيرها، وتتوازى أو تتقاطع، لكنها في المآل الأخير، تضيء في عتمة الشعور الإنساني، زوايا تتجاهلها الدروب العابرة إلى فراشة وضوء في أبديةٍ متعالية؛ فهل إذ تداعت على الشنفرَى وابن العبد وابن مقبل عاديات الزمان والمكان، كان لكل منهم رؤية بثت في الكلمات ما هو جوهريّ في الكوني والإنساني، فحفظت المدونة الشعرية العربية ما لهجوا به، لتقرأه الأجيال الإنسانية بلمسٍ شعوري، أدنى إلى تقرّي اللوحة في سينية البحتري؟.
(2)
وعلى ناصيةٍ مقابلة نجد درويشاً عبقرياً شهيراً هو شمس التبريزي يتنقل من مكان إلى آخر، ولم يعد ينام في مكان واحد أكثر من مرة، ولم يعد يتناول الطعام من نفس الزبدية مرتين متتاليتين، وأصبح يرى حوله وجوهاً مختلفة في كل يوم. وعندما كان يشعر بالجوع كان يكسب بعض النقود من تفسير الأحلام؛ لذلك كان يطوف شرقاً وغرباً، بحثاً عن الله في كل مكان. يبحث عن حياة جديرة بالحياة، ويبحث عن معلومات جديدة جديرة بالمعرفة. ولما لم تكن لديه جذور في أي مكان، أصبح لديه العالم كله يطوف في أرجائه، وكان حصاد تجواله ورحلاته وتجاربه، قائمة شاملة وموثوقة وثابتة كما هي قوانين الطبيعة، وتشكل مدونة «القواعد الأربعون للعشق» التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال العشق، والعشق وحده. (قواعد العشق الأربعون ـ رواية عن جلال الدين الرومي- للكاتبة التركية إليف شفق، وهي رواية جديرة جداً بالقراءة).
(3)
إن تكثيف اللحظة الإنسانية باللغة هو مدار اشتغال الأدب شعراً كان أم سرداً على ما هو جوهري في التفاعل الإنساني مع الكون الذي وجد الإنسان نفسه، فجأةً، جزءاً منه، من دون سابق اختيار، حتى انتظمت المسارات والاختيارات في قوانين وشرائع يتوازى فيها الأرضي والسماوي، على تعدد تجليات التقنين والتشريع أرضياً كان أم سماوياً (أو على قطيعةً معه أحياناً)؛ فنجد اندياحات صدى الصوت الموغل في القدم، كأنها تجليات اندياح رؤية الكاتب المعاصر، في استلهامه تجارب أولئك أو التناص معها، فنياً وجمالياً ورؤيوياً، في مجال الإبداع، كما نجد اندياحات صدى ذلك الصوت في الفاعلية الإنسانية، رحلاتٍ وتجاربَ ومصائر، قد تبدو رجعاً حينما تقرأ بنيتها السطحية، لكنها تتشكل دوائرَ دوائر في بنية عميقة تتكشف دائرةً دائرة كلما أوغلت نحو الأعمق المخبوء في شيفرات الكون السرية، حيث لا إحاطةَ تامةً برؤية، أو قراءة، أو تأمل، أو خيار.
(4)
لكن تكثيف اللحظة باللغة ليس المدار الوحيد لاشتغال الإنسان على ما هو جوهري في الكون، فثمة تكثيف آخر خارج اللغة، في تماس الإنسان المباشر وغير المباشر، بتحولات المكان والزمان، وتوجيه الاختيارات وتحديد الاتجاهات، فكرياً، وثقافياً، وجغرافياً، على نسق الشنفرَى الذي لم تكن صعلكته خروجاً على قانون العدالة، وإنما كانت خروجاً على استبداد اللحظة التي كانت تكبله قوانينها الجائرة، حتى غدا إلى قومٍ سوى بني أمه أميلَ، وهو ما حدا بطرفة بن العبد أن يضج بقوةٍ في برّية الأقربين، وهو ما أطلق فضاء الحلم بالأطيب، إذ يغدو المرء حجراً مجرداً من إحساس ممض بتعبير ابن مقبل ، وهي الدلالة التي هاجرت إلى لغة المتنبي في ثنائية الشقاء ـ النعيم، ومفارقتها التراجيدية، بين نقيضين: ذي العقل وأخي الجهالة.
ولعل الخط البياني لتحولات الإنسان، في الإبداع كما في خارجه، في تصاعد لا ينتهي، ولن ينتهي إلا بآخر نفَس في الكون، وهو ما لعله يعلل التحولات، كبرى كانت أم صغرى، فرديةً كانت أم جمعيةً، وما لعل ملامحه تبدو في مشاهد الانتقالات ولحظاتها القلقة إنسانياً واجتماعياً وثقافياً، في منظومة شروط الوجود البشري الذي تؤطره السياسة والاقتصاد، باعتبار كل منهما مرآة للأخر، وإليهما تظل خيوط اللعبة الإنسانية مشدودة، وعلى حوافّها يتمرأى الإنساني من هجرة الشنفرى القديم، إلى قلق المتنبي، ودروشة التبريزي، حتى آخر إحساس بالجوهري في علاقات الأنسنة والوحشنة.