تُعدّ سلوى الرابحي من أبرز الأصوات الشعرية النسائية في تونس المعاصرة، وُلدت بمدينة جندوبة في الرابع من ماي سنة 1975، واستطاعت أن تفرض حضورها في المشهد الشعري التونسي والعربي من خلال تجربة شعرية متفردة، تقوم على لغة رمزية كثيفة، ورؤية وجودية عميقة، وانشغال دائم بقضايا الإنسان والهوية والألم والذاكرة، وقد تميزت كتاباتها بقدرتها على توظيف الصورة الشعرية الحديثة، واستثمار الإيحاء والرمز، مما جعل شعرها يحظى باهتمام النقاد والباحثين.
بدأت مسيرتها الأدبية بإصدار مجموعتها الشعرية الأولى «أحنّط ظلي بطين الكلام» سنة 2004، التي كشفت عن موهبة شعرية لافتة ورؤية جمالية خاصة، ثم أتبعتها سنة 2007 بديوان «سلرى: سيرة الألواح المنسية»، وهو عمل شكّل محطة مهمة في تجربتها الإبداعية، لما اتسم به من عمق فكري وجمالي، حتى إنه تحوّل لاحقًا إلى مسرحية شعرية، في تجربة تؤكد ثراء نصوصها وقدرتها على الانفتاح على مختلف الفنون الأدبية. وفي سنة 2018 أصدرت ديوان «ضمائر الطوفان» الذي واصل ترسيخ مكانتها في الساحة الثقافية، وتنتظر الصدور مجموعتها الشعرية الجديدة «طيرٌ يفرّ إلى الرؤى».
إلى جانب إصداراتها الشعرية، نشرت سلوى الرابحي العديد من قصائدها ونصوصها في المجلات والصحف التونسية والعربية، وأسهمت في إثراء الحركة الثقافية من خلال مشاركاتها المنتظمة في الندوات والملتقيات والمهرجانات الأدبية داخل تونس وخارجها، حيث مثلت الشعر التونسي في عدد من التظاهرات الثقافية العربية والدولية، وقد حظيت تجربتها الشعرية بتقدير نقدي ومؤسساتي، إذ نالت عدة جوائز أدبية مرموقة، من أبرزها جائزة الكريديف لأفضل ديوان شعر نسائي تونسي سنة 2007 عن ديوان «سلرى: سيرة الألواح المنسية»، كما توجت بـجائزة أيام قرطاج الشعرية سنة 2018، وهي من أبرز الجوائز الشعرية في تونس.
وهذه قراءة في جزء من قصيدتها الصعود إلى الألم
لم يكتملْ صوتي لأُبعثَ في الأغاني
كيف أعزف لحن ميلادي
وناي القلب مكسورٌ
فلم أولد تماما،
أعطني يا شعرُ صوتكَ كي أزقزقَ مثلَ عصفورٍ صغيرٍ
أعطني يا شعرُ ماء القلبِ، ارثي، بذرةُ الخلق الجريحٍ على ضفاف الطّمثِ.
لم أولد تماما،
لكنّ أمّي ألبستني جسمها الأزليَّ
كان مجازَ شعرٍ في العراءْ.
لم يكتملْ صوتي لأصرخَ في القَصبْ
اهتف بأسماء الشجرْ
نخلا وزيتونا
وسِدرا، كانَ شوكاً عالقاً في حلقِ ذاكرة الجبلْ.
لم يكتمل صوتي لأصرخ: ” يا أبي
النّخلُ عالٍ يا أبي كيْ آكُلَ الثّمرَ المقدّسَ في الغيابِ.
أنا هنا، لم أبْرَحِ البطن المكوّرَ في التُّرابِ أيا أبي”.
هي: ( من شقوق النَّعشِ يصرخُ نبضُها)
الحبُّ، حمّى النّبضِ في التّابوتِ،
نبضُ الذّكرياتِ، تجيءُ هائجةً
وتمضي في مضيق القبرِ.
نبضُ الاشتياقِ إلى أصابعَ توقد الشَّهقاتِ في جسدِ يموتُ.
وكنتُ أيّتها الحياةُ
بهيّةً مثلَ الغوايةِ
مثل همس الفجر في أذن الصّباحِ
” أَشمُّ ريحكِ في شروق البدءِ
أيّتها الخطيئةُ”
كنتُ أيّتها الحياةُ…
عصيّةً مثل الحقيقةِ في شباكِ الخوفِ
من وهجِ السّؤالِ
أنا السّؤالُ…أنا السُّؤالُ.
أنا ارتجالُ الصَّوتِ للألمِ المعتَّقِ
كالنَّبيذِ،
كصورةٍ محفورةٍ في الأرضِ تعوي في البراري
كنتُ، – مثل أبي تماما –
نجمةً تأبى النُّزول إلى الظِّلالِ
وتكتفي ببريقها المسكوب
في شجن المرايا.
” افتحوا قبري إذنْ
حتّى أطيرَ إلى الألمْ
يعبر هذا المقطع من “الصعود إلى الألم” عن تجربة وجودية عميقة، تصور فيها الشاعرة إنسانًا يشعر بأن ميلاده لم يكتمل، لذلك يتكرر قولها: “لم أولد تمامًا” ليصبح لازمة تؤكد إحساسها بالنقص والاغتراب وعدم القدرة على تحقيق ذاتها، فالصوت رمز لغياب الحرية والعجز عن التعبير عن الألم والهوية، كما أن صورة “ناي القلب المكسور” ترمز إلى قلب مثقل بالجراح، فقد قدرته على العزف والغناء، فأصبحت الحياة فاقدة للفرح والجمال،
ولهذا تتوجه الشاعرة إلى الشعر في خطاب مباشر، طالبة منه أن يمنحها صوته وماء قلبه، لأن الشعر بالنسبة إليها هو الملاذ الوحيد القادر على إنقاذها من الصمت وإحياء روحها. فهي تريد أن تغني مثل عصفور صغير، لكن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بفضل الكلمة الشعرية التي تمنحها القدرة على البوح واستعادة وجودها، وهنا يصبح رمزًا للحياة والإبداع والخلاص من الألم،
ثم تنتقل إلى الحديث عن الأم، فتجعلها رمزًا للأصل والخلق والاحتواء، إذ تؤكد أن أمها منحتها الجسد، لكنها مع ذلك لم تشعر بأنها ولدت ولادة كاملة، وتصف هذا الميلاد بأنه “مجاز شعر في العراء”، وهي صورة توحي بأن وجودها جميل لكنه هش ومعرض للضياع، كما تعبر عن استمرار عجزها عن الصراخ أو إعلان وجودها، فلا تستطيع أن تهتف بأسماء الأشجار مثل النخل والزيتون والسدر، أشجار ترمز إلى الوطن والجذور والهوية والخصب، غير أن هذه الرموز تتحول إلى مصدر للألم، إذ يصبح شوكها عالقًا في حلق الذاكرة، في إشارة إلى أن الذكريات الجميلة امتزجت بالوجع والحرمان،
بعد ذلك تخاطب أباها في نداء مليء بالشوق والحزن، فتقول إن النخل عالٍ ولا تستطيع الوصول إلى ثماره المقدسة، فيرمز النخل هنا إلى القيم العليا أو الأحلام التي تبدو بعيدة المنال، ثم تصرح بأنها لم تغادر بعد “البطن المكور في التراب”، وهي صورة تجمع بين الرحم والقبر، فتجعل الأرض أمًا ثانية تحتضنها، في تداخل بين الميلاد والموت، وكأنها لم تبدأ حياتها الحقيقية بعد.
وفي المقطع التالي ترسم الشاعرة صورة تجمع بين الحياة والموت، فتقول إن نبضها يصرخ من شقوق النعش، في مفارقة شعرية تؤكد أن الحياة لا تنطفئ حتى داخل الموت. فالحب والذكريات والحنين تستمر في الخفقان رغم وجود الجسد في التابوت، مما يدل على أن المشاعر الإنسانية أقوى من الفناء، ثم تستعيد صورة الحياة، فتصفها بأنها جميلة ومغرية مثل همس الفجر، لكنها في الوقت نفسه عصية وصعبة المنال، وتنتهي إلى إعلان أن ذاتها أصبحت سؤالًا دائمًا، فتكرر: “أنا السؤال… أنا السؤال”، في إشارة إلى حيرتها الوجودية وبحثها المستمر عن معنى الحياة والإنسان.
وفي خاتمة النص تؤكد أن صوتها الشعري هو ارتجال للألم العميق الذي تراكم مع الزمن حتى أصبح معتقًا كالنبيذ، أي إن الألم تحول إلى مصدر للإبداع والرؤية الشعرية، كما تشبه نفسها بأبيها، فتصف ذاتها بأنها نجمة ترفض النزول إلى الظلال، في دلالة على الاعتزاز بالنفس والإصرار على التمسك بالنور والكرامة رغم المعاناة، ثم تختم النص بقولها: “افتحوا قبري إذن حتى أطير إلى الألم”، وهي خاتمة رمزية لا تعبر عن رغبة في الموت، وإنما تصور الألم باعتباره فضاءً للتحرر والانبعاث واكتشاف الحقيقة، فالقبر بداية رحلة جديدة نحو معرفة الذات، ليصبح الألم في النهاية طريقًا إلى الوعي والإبداع والوجود الحقيقي.
حيث اعتمدت الشاعرة على تنويع الأصوات والحروف بما يخدم الجو النفسي للنص، ومن أبرز أنواع الحروف المستعملة:
حروف الهمس (ف، ح، ث، هـ، ش، خ، س، ك، ت، ص)
تكثر في ألفاظ مثل: صوتي، أعزف، شعر، أزقزق، عصفور، القصب، الشجر، شوك، شقوق، النعش، الحب، الشهدات، الحقيقة، السؤال، أطير، الألم. وتوحي هذه الحروف بالهدوء والحزن والانكسار والألم، وتنسجم مع الجو التأملي الذي يسيطر على النص.
حروف الجهر (مثل: ب، د، ض، ظ، ع، غ، ج، ز، ر، ل، م، ن، و، ي، ق، ط…) تظهر في كلمات مثل: أبعث، ميلادي، مكسور، بذرة، الجريح، نبض، التابوت، القبر، الغياب، التراب، الحقيقة، النبيذ.
وتمنح النص قوة في التعبير عن الصراع الداخلي والرغبة في إثبات الوجود.
حروف الذلاقة (ر، ل، ن، ف، ب، م)
ترد بكثرة في كلمات مثل: لم، أولد، تماما، القلب، ميلادي، بذرة، النبض، القبر، الحياة، المرايا، الألم.
وتمنح الإيقاع سلاسة وانسيابًا، مما ينسجم مع التدفق الشعوري في القصيدة.
حروف الشدة (أجد قط بكت)
تظهر في كلمات مثل: أبعث، القصب، التابوت، الحقيقة، بطن، أطير، الألم.
وتوحي بالقوة والضغط النفسي وشدة المعاناة.
حروف الرخاوة (ما عدا حروف الشدة والبينية)
مثل: س، ش، ف، خ، ح، غ، ث، ذ، ظ، وتبرز في كلمات مثل: شعر، الشجر، شقوق، همس، شروق، السؤال.
وتعكس امتداد الألم والأنين والانسياب العاطفي.
حروف التكرار
يكثر تكرار اللام والميم والنون في عبارات مثل: لم أولد تمامًا، لم يكتمل صوتي، أنا السؤال، الألم، وهو تكرار يعزز الإحساس بالأسى والحرمان ويمنح النص موسيقى داخلية حزينة.
يمكن أن تخلص في الدراسة الصوتية إلى أن غلبة حروف الهمس والرخاوة والذلاقة في هذا المقطع أسهمت في خلق إيقاع هادئ حزين ينسجم مع موضوع الألم والبحث عن الذات، بينما جاءت حروف الجهر والشدة لتبرز لحظات الاحتجاج والرغبة في إثبات الوجود، وهي تقنية شاعرة محترفة تكاد ان تستنطق النص عبر هذه الشطحات الإيقاعية.