لست ناقدًا روائيًّا متخصّصًا، وإن كنت درست فنّ الرّواية وتقنياتها ومدارسها عند جهابذة الأساتذة المتخصّصين في النّقد الرّوائيّ والقصصيّ في الجامعة التّونسيّة، وامتحنت مثل زملائي في تحليل النصّ الرّوائيّ من الزّوايا والمداخل والأساليب والمناهج التي قرّرها نقّاد الرّواية المعتمدون شرقًا وغربًا.
لكنّني مذ اخترت اختصاصًا بعيدًا عن الرّواية والأدب، تخلّيت عن مشرط التّحليل الأدبيّ، وأصبحت مجسّاتي النّقديّة ذوقيّة حدسيّة، وإن بقيت فيها آثار المخزون المتبقّي من دروس (لوكاتش، بروب، باختين، بارت، جينيت، تودوروف، عبد الملك مرتاض، سعيد يقطين، يمنى العيد…” وغيرهم.
أصبحت أبحث في الرّواية عن الشّغف والعمق الإنساني وأفانين الخطاب وعن بعض منّي قد يتراءى في الشّخصيّات والوقائع.
قليلة هي الرّوايات التي تضمّك بشدّة وتقول لك: “اقرأ”… ثمّ سرعان ما تخترق وجدانك من “الافتتاحيّة” الأولى، فلا تستطيع أن تقاوم أو تقول “ما أنا بقارئ”
لكنّ الأمر مختلف مع هذا النصّ “السّيرذاتي” بصوتين التقيا حتّى كأنّهما صوت واحد: وجع امرأة بصوت رجل ووجع رجل بصوت امرأة…
حكاية تبدو بسيطة من آلاف حكايا ريفنا المسحوق عن فعل المقاومة الذي تمارسه طفلة ثمّ شابّة في عائلة معدمة لفظت آلة الدّولة المفترسة عائلها الوحيد بعد أن استنفدت جهده في داموس الفسفاط… لكنّ صوت المؤلّف أضفى عليها بُعدًا ملحميًّا يختلط فيه الوجع والخيبة بالنّجاحات المنقطعة وخفقات الخوف والرّجاء.
بطل الرّواية الحقيقيّ هو الأسلوب: بلاغةً وصورًا ومقاطعَ وصفيّة وتأمّلات وجملًا حكميّة هي خميرة الأحداث وعصارة التّجارب، بقيّة الشّخصيّات الرّوائيّة بكلّ اختلاجاتها وانكساراتها وأوجاعها الفرديّة والجماعيّة وأحلامها الصّغيرة هي عجينة اللّغة وطينها اللّازب الذي شكّله شريك السّيرة وصوتها المؤتمن عليها حقيقة أو زعمًا فنيًّا.
أجمل ما في الأدب الرّوائيّ “المأساة”، ألم يقل المسعدي: “الأدب مأساة أو لا يكون”، وقد أتقن الرّاوي فنّ إيقاع شخوصه وقارئه البريء في حبائل المأساة القدريّة المؤلمة واللّذيذة التي تصنع الحيرة والتّمزّق والصّراع الدّاخليّ، فينبض السّرد وتتفجّر المأساة.
لا نريد أن نحرق الحكاية ونصادر حقّ القارئ في أن يقع أسيرًا في شباك السّرد وأسرار حبكته الرّوائيّة، إذ لا قيمة فنيّة لسرد لا يأسرك منذ نسج خيوطه الأولى، فلا تكاد تنفصل عنه إلّا مُكْرَهًا، تنقل الكتاب من يد إلى أخرى، وأنت تقلّب جنبك ذات اليمين وذات الشّمال، وتومئ إلى من حولك بإشارة الصّمت لتنصت إلى الأصوات الباطنيّة لمن أنت في حضرتهم من الشّخوص التي تفنّن الرّاوي في سبر أغوارها والغوص في أعماق أعماقها مثل محلّل نفسانيّ أمام أريكة تداعٍ حرّ، أو شاعر تطرح أمامه خلجات روحك لينسج من خفقاتها قصيدًا ملحميًّا، وقد امتزج النّفس الشّعريّ بالرّوائيّ في كلّ زوايا الرّواية حتّى كأنّك أمام ظاهرة تشعير السّرد على غرار تسريد الشّعر الذي أبدع في تحليله أستاذنا فتحي نصري.
المأساة تشقّ الرّواية طولًا وعرضًا، صعودًا ونزولًا، برغم المسار الخطيّ للسّرد الذي يبدأ من الطّفولة إلى الشّباب، تتخلّله بعض الومضات الورائيّة، كان نسق الأحداث نابضًا بالحركة والحوار الدّاخليّ، كاشفًا عن كلّ تناقضات الحياة!
“زوجة تحبل في أحشائها بضرّتها وتعاشر طيفها الذي يلازمها طيلة حياتها، طفلة تحمل اسمين وهويّتين وتعيش بذاكرة امرأة مجهولة، مرض ينمو من الطّفولة جرّاء حمل ينوء به الظّهر الطّفوليّ الغضّ الطريّ، تقاومه الطّفلة؛ كي لا يحول بدون مواصلة الدّراسة وتحقيق الأحلام…”
ويشهد السّرد انزياحًا تلقائيًّا من مأساة طفلة ريفيّة وعائلتها تعيش الفقر والجوع والبؤس الاجتماعيّ والحرمان العاطفيّ إلى مأساة وطن، فيصبح الجسد صورة مصغّرة عن البلاد: “اعوجاج قديم لم يعالج، تحذيرات وقع تجاهلها ثمّ انهيار…” أليست أوجاعنا الفرديّة أثرًا من أوجاع هذا الوطن التي هي بدورها نتاج لخيباتنا الفرديّة!
يقذف بك السّرد بدون مباشراتيّة أو إسقاط فجّ في قضايا البلد وثورته وقلق الانتقال مع تمرير سلس لموقف الرّاوي/ المؤلّف وهواجسه وتخوّفاته.
الحبّ كان حاضرًا في كلّ ردهات الحكاية: حبّ حرام لكنّه لذيذ ومؤلم، حبّ طفوليّ بريء يُواجَه بسطوة الأعراف، حبّ مراهق جارف مكتوم ينتهي بمحاولة الانتحار والغياب، حبّ عفيف نقيّ صامد هو الذي تستمدّ منه صاحبة السّيرة القوّة لمقاومة قسوة الحياة وانكسارات النّفس وانهيارات الجسد وضبابيّة المستقبل.
عناصر قصصيّة أخرى تنقل الشّخصيّة من عمق الرّيف المنسيّ وقصص البؤس والحرمان إلى مدن الزّجاج والثلج في بلاد الجرمان، مقارنات بين أنظمة السّياسة والعمران لا احتقار فيها للذّات ولا تمجيد للآخر، بل مشرط التّشريح والنّقد يشخّص الحالة كأعمق ما تكون السّوسيولوجيا السّياسيّة
“الدّولة هنا مهمّتها أن تراقبك فقط وتنتظر لحظة سقوطك لكي تُجهز عليك”، أمّا هناك فالدّولة “لا تحتاج أن تحبّك أو تكرهك، أنت لست عدوًّا أو حبيبًا ولا تحتاج أن تثبت ولاءك أو خضوعك أو براءتك في كلّ لحظة، لستَ خطرًا محتملًا ولا أحد ينتظر سقوطك كي يكتب قصّة نجاحه، حركة واحدة محسوبة منك تفتح لك الطّريق، وخطأ صغير واحد يعيدك إلى نقطة البداية بدون إهانة وبدون انتقام”
تبقى القضيّة “الفلسفيّة” أو “الوجوديّة” المركزيّة التي تشكّل بؤرة الحكي: هل تكون النّجاة فرديّة أم جماعيّة لتكون خلاصًا؟
يفيض منسوب روح التّضحيّة في غمرة المقاومة على لسان أستاذ الفلسفة: “حين تنجو وحدك فأنت لا تنجو فعلًا، أنت فقط تؤجّل سقوطك”، وتصبح الثّورة نجاة جماعيّة؛ كي لا تكون النّجاة سقوطًا مؤجّلًا”
لكن عند الخيبات والانكسارات الفرديّة تفقد فكرة الخلاص الجماعيّ يقينها الكامل، إذ “التّاريخ يعلّمنا أنّ الثّورات لا تحمل الجميع على أكتافها وأنّها أحيانًا قد تأكل أبناءها، وعندها تصبح النّجاة في الغالب فعلًا فرديًّا، اختيارًا صغيرًا في لحظة صامتة”
كانت الشّخصيّة المحوريّة تقف بين برلين والمتلوّي، بين خلاص فرديّ مغرٍ يشبه النّجاة، وخلاص جماعيّ منهك يشبه الواجب.، لم تحدّد أين المسير، لكنّها تضع يدها على كفّ صابر – رفيق الرّحلة – وتقول: “ليس مهمًّا أين يأخذنا الطّريق، المهمّ أن نكمله معًا”
هي سيرة امرأة ممكنة خلقت من لحمنا ودمنا وضلع أوجاعنا الأعوج!
سيرة مغايرة لضوضاء “النّسوية البيضاء” الولوج إليها مشروط بتصريح على الشّرف لتحمّل مسؤوليّة القراءة وما قد ينجرّ عنها من آثار وأضرار ممكنة!