تتميّز تجربة الناقد الأردني «محمد صالح الشنطي» النقديّة بتعدديتها ونكهتها الخاصة، التي تستند إلى ثقافته الواسعة، إذ يُعدّ واحداً من أبرز النقاد العرب المعاصرين، وأكثرهم متابعةً للإصدارات الإبداعيّة الجديدة. كما ساهمت أعماله النقديّة العديدة في وصفه واحداً من طليعة النقاد الذين أرسوا دعائم الحركة النقدية والأدبية في العالم العربي.
في حواره مع «القدس العربي» يقدّم لنا «الشنطي» رؤية استكشافية للمفاهيم النقدية.
■ لنبدأ بالكتابة كممارسة، ما هي غايتها؟ وما علاقتها بالحياة؟
□ الكتابة رسالة بوحٌ بما في الفكر والوجدان عبر قنوات الإبداع, تحدث ذلك الدوي الهائل الذي يوقظ كل المدارك عبر الكلمة التي تشتبك في جدل مستمر مع النسيج الحيوي لمنظومة الفهم والإحساس والوعي، لتحدث وعياً عميقاً بالحياة والكون وجوهر الوجود الإنساني. فهي ليست مجرد أداة تواصل تبليغية, إنها ذات كيمياء خاصة لا تكف عن التفاعل، وهنا لا أتكلم عن الكتابة التداوليّة النفعيّة الوظيفيّة ولكنني أتحدث عن الكتابة الإبداعية؛ أمّا علاقتها بالحياة فيفترض أنها الوقود الذي يمدها بطاقة الاستمرار والتحوّل ويمنحها القدرة على تمثل القيم الكبرى كالحق والخير والجمال ففي البدء كانت الكلمة وستظل؛ فعلى الرغم من الاكتظاظ الهائل لمعطيات التكنولوجيا الحديثة ظلّ الإنسان يلوذ بالكلمة هرباً من هذه التكنولوجيا.
■ كيف ترى السبيل لاختيار المنهج النقدي المناسب؟ وما مفهومك للنص النقدي؟
□ النص الإبداعي هو الذي يفرض طريقة مقاربته نقدياً، فالمنطلق الرئيس يظل هو النص ولغة النص بمفهومها الواسع، فثمة نصوص يكون الدخول إليها عبر ظاهرة أسلوبية، وأخرى يكون الاستكشاف لبنيتها من خلال ربطها بسياقها التاريخي، وأخرى يكون المدخل البُنيوي عبر تحديد البنية المُهيمنة وجملة العلاقات والحركات التي تتفاعل في مفاصلها التشكيلية.. يقول النقّاد البنيويون بــ (التوازن الانعكاسي) الذي يمثل وقع النص في نفس الناقد وتفاعله مع ثقافته وذوقه الفني؛ وهنا أقول أن الذوق ليس هو الانطباع: فالانطباع وقتي وآني، أمّا الذوق فيتشكل من عناصر موضوعية لها سياقها الذي يرتبط بالمزاج الجمالي السائد وبالمرحلة التاريخية؛ وليس مجرد ذوق فردي ذاتي، وهذا ما يميز الناقد عن الباحث أو الدارس المحايد الذي يلوذ بالجانب الإجرائي المحض.
■ ما دور المدارس النقدية المتنوّعة كالتفكيكية والبنيوية وسواها في حركة النقد العربي، وكيف تنظر لواقع النقد في الوطن العربي في ظل هذه النظريات والمناهج الجديدة؟
□ حاول النقاد العرب الاستفادة من المدارس النقدية الحديثة عبر الترجمة، وبرزت مدرستان في تلقي المذاهب الغربية في النقد: المدرسة المشرقية التي نقلت منذ الرواد مُنجزات تلك المدارس، وظهر جيل من الأكاديميين من أبرزهم «زكريا إبراهيم» و«صلاح فضل» و«شكري عياد» و«جابر عصفور» و«كمال أبو ديب» و«عبد الله إبراهيم» و«أدونيس» وغيرهم, ممّا يُضيّق الحصر عن ذكرهم. ومن قبلهم من الذين نقلوا عن المدارس الغربية التقليدية قبل بروز موجة الحداثة مثل «محمد غنيمي هلال» و«لويس عوض» وجيل «طه حسين» وتلامذته. أمّا المدرسة المغربية فقدر تأثّرت بالثقافة الفرنسية، من أمثال«عبد السلام المسدي» و«محمد برادة» و«حمادي صمود» وكثيرون غيرهم.
ورغم تطوّر الحركة النقدية حدثت إرباكات مُتعدّدة أدت إلى لون من ألوان الفوضى النقدية في غياب التمثل العميق لفلسفة كل من هذه المناهج، إذ كان التركيز دائما على الجوانب الإجرائية وخطوات التطبيق دون فهم حقيقي للخلفية النظرية لهذه التيارات، ثمّ إنّ طبيعة النص هي التي تعدّل وتبدّل في تلك الخطوات المُهم استيعاب المنطلق الفكري.
كذلك كان من المفترض الاستفادة من هذه المناهج في خطوطها العريضة وتكيّفها وفق واقعنا الإبداعي في خصوصيته الإنسانية والتاريخية، فكان لأكثر من عقد من الزمن ذاك الجدل الصاخب حول الحداثة وما بعد الحداثة، الأمر الذي وصل حّد التكفير في الثمانينيات؛ وأدّت إلى نشوء معسكرين متخاصمين معسكر الحداثيين ومعسكر الصحوة.
مثلا صديقنا الدكتور الغذامي وهو مفكر وناقد معروف, لم يبق حبيس مقولات النقد الثقافي كما طرحها النقد الغربي، وهو ما فعله في كتابه (الخطيئة والتكفير) حين خرج برؤية مغايرة لما هو مألوف في أدبيات البنيوية والتشريحية في الفكر الغربي، متكئاً على خصوصية عربية استلهمها من التراث, هذا ليس انحيازا للغذامي، فقد كنت من أوائل من ساجله وظلّ الخلاف الذي لا يفسد للود قضية قائماً.
وعلى الشاطئ الآخر فإنّ لإخواننا المغاربة يداً طولى في نقل المذاهب الغربية وتمثلها، ولكن منهم من ظل حائراً في التطبيق، ولنأخذ مثالاً على ذلك «الهادي الطرابلسي» في دراسته الأسلوبية الطويلة عن «الشوقيات»، حيث أغرقنا في جداول إحصائية مربكة في حين طرح «سعد مصلوح» فكرته بسلاسة وبساطة وكذلك «صلاح فضل» وقبله «شكري عياد», ولا ننسى الدكتور «محمد عبد المطلب» في تطبيقاته الأسلوبية الرائعة على الشعر العربي وغيرهم الكثيرون.
■ ماذا عن علاقة النقد بالإبداع، هل يمكن للنقد أن يفتح الآفاق للإبداع أم عليه أن يبقى خلفه؟؟
□ لا أعتقد أنّ العلاقة بين النقد بالأدب علاقة تابع بمتبوعه على النحو الذي تفضلت به في سؤالك، فالعلاقة – كما أتصورها- علاقة جدليّة تفاعليّة؛ فالناقد يقرأ العمل الإبداعي ويرصد نبضه الجمالي وإيقاعه، ويتلمس طريقه إلى فهم أسراره الفنية، وعبر تراكم هذه العملية الإبداعية يتكوّن إعادة إنتاج للنص الإبداعي، والناقد إذ يفعل ذلك ينطلق من تفاعل خفي لعدة عناصر؛ الأمر الذي يُطلق عليه البنيويون (السياق الأكبر) للنص، ومن خلال أعمال المبدع الأخرى (السياق الأصغر)، دون إغفال للبنية الثقافية والنفسية للناقد.
الناقد مفكر يعتلي منصة الاستشراف لما هو كامن وما هو آت ويبني رؤى ومداخل جديدة، فالنص في تحققه ليس ميدانه الرئيس بل هو مدخله إلى آفاق جديدة، والمُبدع، بلا شك، وإن بدا مُتمرّداً على القولبة والتقنين يتفاعل مع النص النقدي ويطور أدواته، فالعملية النقدية ليست مجرد وساطة بينية كما يعرفه «إحسان عباس» وليس مجرد (فن تمييز الأساليب) كما يعرفه «محمد مندور»، وليس مجرد تنظير عبر استقراء النصوص المختارة والاستشهاد بها على موقف أو رأي أو نظرية كما يرى «الغذامي» في بعض مقولات. وربما كان ذلك كله.
■ كيف تقيّم خطورة النقد الذي تحركه انتماءات دينية أو سياسية أو أيديولوجية؟
□ لا أرى في النقد الأيدلوجي خطراً بل هو تنويعة على معزوفة الإبداع؛ فالنقد الموضوعي المحايد الذي لا يتأثر بالانتماء الديني أو السياسي أو الفكري لا وجود له، وجلّ المدارس النقدية القديمة والحديثة تتأثر على نحو أو آخر بهذه الانتماءات، وكثير من تيارات النقد النسوي والنقد القائم على مفهومات التلقي والنقد الثقافي تأثّرت بالانتماءات الماركسية والليبرالية الرأسمالية، وكذلك ما يعرف بالواقعية الإسلامية والنقد الأخلاقي.
إنّ الخطورة تكمن فيمن يتبنى هذه الانتماءات من الذين لا يمتلكون تقنية النقد ولا أدواته وينصبون أنفسهم نقاداً، ليفرضوا رؤى بعينها انحيازاً لهذا الفريق أو ذاك.
■ هناك شكوى من قبل المبدعين عندنا بعدم مواكبة النقد لإبداعاتهم، فهل الشكوى مبرّرة لديك كناقد متابع للحركة الإبداعية، أو مُفتعلة ومبالغ فيها؟!
□ الإبداع المتميز يفرض نفسه، والمبدع النشط يعرف كيف يقدم إبداعه فلا يطلب من أحد أن يبحث عنه، وذلك بتسويق هذا الإبداع على نحو معقول، وليس المقصود تحويل الإبداع إلى سلعة: بل جعله متاحا أمام المتلقي بنشره في أوعية نشر قادرة على اجتذاب القارئ والناقد.