أولاً: الفكرة والتصنيف
تندرج رواية عناق الأفاعي [الصادرة عن دار المنتهى- الجزائر- الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية 2022، عدد الصفحات 610.] ضمن سرديات التحقيق التاريخي، انطلاقاً من كونها تستند على مخطوط تاريخي مرجي تحققه، وتعيد صياغته روائياً وهو مخطوط عرضه الروائي في مقدمة الرواية وصور صفحاته الأولى، وذيل بدايات فصوله مع كل فصل من فصول الرواية الثلاثة، يتعلق الأمر بمخطوط من تأليف سيدي الشيخ علي بن شامخ المكالجي بن علي القلعي بن الحسين بن علي، وعنوانه في الأصل: [حكاية شامخة وشامخ، الأخوان، في قتال يأجوج ومأجوج الجنيان، ومن ساندهم من شرار بني الإنسان]، والنسخة الأصلية محفوظة بمتحف المدينة رقم 9.20.1381، من 224 صفحة، مقاس 8 – 19 بالخط المغربي. ووفق حبكة سردية متقاربة الأحداث ومتعددة الخطوط الناظمة، ومنطق تخييلي متنامٍ، قام الروائي ببناء نصه الروائي تحت ظلال هذا المخطوط، الذي أظهره في شكل روائي صرف وبرؤية جزائرية محلية خالصة على عكس روايات تاريخية تحقيقية أخرى، اشتغلت على الأحداث نفسها، لكن اشتغلت على مراجع توثيقية غربية وغيرية، مثل رواية كتاب الأمير لواسيني الأعرج.
ثانياً: هندسة الشخصيات
تتوزع الشخصيات في رواية عناق الأفاعي.. وفق مستويين متعامدين:
– المستوى العمودي: وفيه يختص كل قسم من الأقسام الثلاثة للرواية، بشخصياته التي لا تتعداه إلى غيره.. مثل: إبراهيم باشا والداي حسين في القسم الأول/ الأمير عبد القادر والحاج مصطفى في القسم الثاني/ والشيخ بوزيان والعقيد كاريوسيا في القسم الثالث.
– المستوى الأفقي: وهي شخصيات عابرة لجميع الفصول، وتسجل حضورها خطاباً وتحاوراً ووظيفة في تطور الأحداث عند كل مفصل من مفاصل الرواية، كما تعمل هذه الشخصيات عمل الخطوط الدرامية التشخصية. وأبرز هذه الشخصيات من الجانب الجزائري [البطلة شامخة، الدرويش] ومن الجانب الفرنسي نجد (اليهودي كوهين/ والفرنسي الأشقر).
رابعاً: هندسة الخطاب (وتقنية المبدأ التقابلي)
تنتظم عناصر الخطاب في هذا النص وفق مبدأ تقابلي شامل، يستمر في التجزيء والتقسيم إلى وحدات صغرى إلى مالا نهاية، ويتجلى هذا التقابل الثنائي أولاً في:
الجبهتين الجزائرية والفرنسية. ولك منهما عناصر خطابية متقابلة ومتناظرة تمنح النص وضعاً متوازناً في كل تجلياته الخطابية.
– الجبهة الأولى (الفرنسية): وهي عبارة عن لفيف مقسم إلى عناصر ثلاثة: وهي التي تمثل الأفاعي المتعانقة في النص
- الجنرالات: وهم قادة الحرب ومعاركها.
- الفرنسيون الحاملون للثأر والانتقام من الجزائر.
- العملاء والخونة (وهم يهــ ود الجزائر، الزواف، والصبايحية، والقياد).
– الجبهة الثانية (الجزائرية): وبدورها تضم لفيفاً من أنواع الشخصيات، وهي ثلاث:
- القادة السياسيون والحربيون (زعماء المقاومة)،
- حاشيتهم وبطانتهم،
- أبطال المقاومات من المحاربين (رموز المقاومات).
وداخل كل فئة هناك تناظر تفصيلي أيضاً؛ فمثلاُ نجد في الجبهة الجزائرية تناظر بين الأمير عبد القادر في الغرب وأحمد باي في الشرق.
كما نجد في جيشيهما تناظر جزئي أدق وهو الفارسان شامخ وأخته شامخة، فشامخ يقاتل تحت لواء أحمد باي، وشامخة تقاتل تحت لواء الأمير عبد القادر، وبقدر ما نرى بينهما من تناظر جغرافي وإيديولوجي، فإنهما يمثلان تلاحماً خلاقاً بين المقاومتين لكونهما أخوان شقيقان من جهة ما يمثلان توحيد المقاومة، على الرغم مما بين قائديها من اختلاف، والدليل أن الأخوين شامخة وشامخ بعد سقوط المقاومتين في الشرق والغرب يجتمعان لأول مرة في مقاومة الزعاطشة ويقاتلان جنباً إلى جنب.
كما نجد أن بعض الشخصيات تمثل وحدها تناظراً وظيفياً، مثل شخصية [كث اللحية] الذي قاتل في مقاومة أحمد باي، وحين سقطت قسنطينة وانهزم أحمد باي التحق بمقاومة الأمير، وهو مقاوم في الجبهتين المتناظرتين، ويمثل وحدة في القتال بين المقاومتين اللتين يشاع عنهما الاختلاف، والتشظي، بينما هناك العديد من المقاتلين الذين قاتلوا فيهما معاً
كما نجد أوجه التناظر تزداد دقة، حين نرى الشخصيات المتعادية في الجبهتين الفرنسية والجزائرية، والتي لا تحمل أسماءً بل تحيا وتقاتل وتتحاور وتتصارع بصفاتها فقط، بينما رفض الروائي أن يمنحها أسماء.
ويمثل ذلك في شخصية [الأشقر] وهي شخصية فرنسية مطعونة تاريخياَ من الجزائريين، وتسعى للثأر من شامخة التي قبض خالها الرايس حميدو على جد الأشقر، وباعه في سوق النخاسة، تناظرها في الجبهة الجزائري شخصية [كث اللحية] وهي شخصية بلا اسم، واكتفى الكاتب بوصفها الشكلي، كشخصية مجاهدة في المقاومات الثلاثة [مقاومة أحمد باي في الشرق/ مقاومة الأمير في الغرب/ مقاومة الشيخ بوزيان أو الزعاطشة في الصحراء]؛ ليكون شخصية مجاهدة تناظر في أوصافها وصراعها ذلك الأشقر الفرنسي المطعون. الساعي للثأر لأجداده.
وكلما تقدم السرد عبر أقسام الرواية تتطور التناظرات الثنائية وتتشظى إلى جزيئات ميكرو خطابية. حتى نهاية هذا الصراع الملحمي الوجودي.
ثالثاً: المنظور السردي (وتوزيع التبئير)
– يقوم الراوي العليم (الرؤية من الخارج)، بتوزيع وجهة النظر بين رواة فرعيين مؤقتين، وظيفتهم توزيع بؤر السرد، أو ما يسمى بالتبئير بين قطبي رحى الصراع (وجهة نظر الطرف الفرنسي الغازي/ ووجهة نظر الطرف الجزائري المقاوم)، وقد تم توزيع وجهة النظر السردية أثناء الصراع بين الطرفين على النحو الآتي:
حين يصف الراوي معركة انتصر فيها الفرنسيون (ومن وجهة نظر فرنسية داخلية، وبنبرة الطرف المنتصر)، نجد في الفصل الذي يليه مباشرة نتائجها على الطرف الجزائري مروية بوجهة نظر جزائرية داخلية وبنبرة الطرف المنهزم).
وبالعكس، فإن المنظور يتكرر بنفس الطريقة حين تنقلب المعادلة؛ فنجد في حال انتصار الطرف الجزائري أن التبئير يصف النصر بعيون ونبرة جزائرية منتصرة ، ويليه في الفصل الثاني، تصوير لوقع الهزيمة على الطرف الفرنسي، بعيون ونبرة هزيمة فرنسية. وهو ما جعل التبئير الموزع لوجهة النظر، ينقل الكاميرا الرائية بين الطريفين بنفس الآلية، لكن تغير مواقع النصر والزيمة بينهما؛ ما جعل المنظور ليس متوازناً فحسب، بل متطوراً ونامياً وجدلياً في الوقت ذاته.
رابعاً: استعارة تقنيات الوصف المسرحي للخطاب الروائي
ما يلاحظ على بنية الوصف في هذه الرواية هو استعانة الروائي بالوصف المسرحي مجسداً في ما يسمى في الفن الرابع بإرشادات الوصف وذلك في نوعين مسرحيين من الوضعيات الوصفية: وهما:
الوضعيات الوصفية الحوارية les situations، والوضعيات الوصفية السينوغرافية.
1- الوضعيات الوصفية المسرحية في الحوار:
وتبرز في رسم ملامح وتعابير الوجه وتحديد وضعيات الشخصيات إزاء المكان وإزاء بعضها أثناء التحاور، كما تعبر عنه هذه المقاطع الحوارية المرصودة:
[ضحك إبراهيم آغا بهستيرية وهو يمد بصره في أرجاء الغرفة](ص: 40).
ويبرز التوجيه الوصفي المسرحي أكثر فأثر أثناء رسم ملامح المتخاطبين في الحوارات:
– “أعاد أبو حمزة القرطبي كتاباً كان يقلب صفحاته في غير اهتمام وقال…
– ونشط شيخ الإسلام وبرقت عيناه وقد أحس بخطورة ما يقول أبو حمزة القرطبي، فقال:…
– قال أبو حمزة القرطبي وهو يربت على ركبة حمدان خوجة، الذي بدا مهيباً في لباسه، أنيقاً في هيئته، ضخم العمامة، كث الشارب، لامع العينين، يفيض حيوية رغم سنه المتقدم، وقد قارب الستين، تبسم وقال …
– قال حمدان خوجة وهو يمسد لحيته الكثة، ويحاول جمع طرفيها وقد امتدا كقرنين…
– التفت شيخ الإسلام إلى حمدان خوجة وعلى ملاحمه غضب….] (ص: 44-45-46)
– قام أبو حمزة القرطبي فغادر المقصورة على عجل، واندفع نحو بوابة الجامع وقد امتلأ أسى”.
2- وضعيت الوصف السينوغرافي للمكان:
وهي معاملة وصفية مسرحية صرفة استعان بها الكاتب لوصف مكانه أثناء حركة الشخصيات في فضاءاتها التي تحولت بهذا الوصف المستعار من سينوغرافيا المسرح، محولا الفضاء السردي إلى ركح لتفاعل الشخصيات، كما نراه في مفاصل عدة، مثلما يصف دخول أبي حمزة القرطبي إلى بيته:
“دفع باب الحديقة الحديدي، تنبه بفراسته إلى أن هناك من دخل قبله، فجمد مكانه ومد بصره وكافة حواسه، لكن صوتاً أنثوياً وصله من الداخل:
– أنا بالداخل، أنا هنا..
وأشرقت ملامحه فأسرع يلج البيت، كانت شامخة وقد أعدت له قهوة المساء، تجلس على متكئ صوفي مطرز، إلى جانب لوح من المرمر نقشت عليه بخط منمنم أبياتاً شعرية في النسيب، أسرعت إليه تقبل يده، ثم عادت حيث كانت، جلس أبو حمزة القرطبي قبالتها إلى اليسار قليلاً حتى يتجنب باقة الورد التي وضعت بعناية كبيرة وسط الطاولة الخشبية، فلا تحرمه من رؤية شامخة جيداً، وكانت هي ترتدي فستاناً أرجوانياً طويلاً موشى بأزهار وعصافير، وتغطي رأسها بمحرمة زرقاء ظفرتها على رأسها ورقبتها بشكل عجيب، تخللتها خيوط أرجوانية قال وهو بتأملها…” (ص: 48)
إنها إرشادات إخراجية صرفة، ووضعيات سينوغرافية (تحدد الاتجاهات وطبيعة المواد التي صنع منها الأثاث والاكسسوارات، وكيفية تطريزها وضيق واتساع المسافات بينها وبين الشخصيات)، وهي وضعيات وصفية تحدد مجال الرؤية بين الشخصيات عن طريق هندسة المكان، كأنما تُعطى للممثل لتجسيد الدور، وليست لوصف شخصية روائية. تضيف ثقافة العصر لثقافة المكان والشخصيات.
إنه لا يكتفي بوصف الحركة والإيماء وملامح الشخصيات أثناء الحوار، بل يستعمل أبعاد المكان ويصف أثاثه بدقة ليحدد الوضعيات وتموقعها أثناء الحوار، ليكون هناك قيمة لكل حركة وصمت أثناء التخاطب، ولو لم يكن الكاتب مسرحياً لما استطاع استعارة أدواته من فن المسرح المجاور؛ ليستثمر بلاغتها في التجسيد، وحياة الشخصيات في حواراته ووضعياته..
– خامساً- ملاحظات:
– من الملفت للانتباه أن رأسمال السرد التاريخي في هذه الرواية يتغذى من رافدين:
– الرافد المعرفي، الذي نجد فيه ثقافة تاريخية مبنية على أدق التفاصيل والحركات والإيماءات والهمزات، وتعمل كوحدات خطابية صغرى لتغذي الأحداث والوقائع الكبرى المشهودة تاريخياً.
– والرافد الثاني هو التخييل السردي القائم بالأساس في تلك الحركات والإيماءات التي تشبه إلى حد كبير الإرشادات الإخراجية في المسرح، وقد كان التخييل في هذه الرواية أحد أهم دعامات الوقائع التاريخية المرصودة وصفاً وسرداً.
ويختفي زمن الخطاب التخييلي في النص، حينما يعلن عن مدى زمن السرد أو زمن القصة الفعلي الذي يمتد على مدى أربعين سنة الأولى من الاحتلال؛ لنكتشف بأن التحكم التخييلي والتوزيع الفني السلس لفضاء المكان، أو الأمكنة التي وقعت فيها الأحداث، وانتقال الأحداث جغرافياً من موقعة إلى أخرى شرقاً وغرباً ووسطاً وجنوباً؛ هو السبب في إخفاء زمن الخطاب، الذي نراه يشتغل مع المكان فيواكب نقلاته، ويحيّن أحداثه، أكثر مما هو مواكب للزمن الفعلي للوقائع الممتدة في التاريخ.
وهنا يكسب الروائي الزمنين معاً: زمن القصة الحقيقية من وقائعها، فلا يخونها ولا ينتهكها، بل إنه يوثقها بشخصياتها من قادة ومحاربين فرنسين وجزائريين بترتيبهم التاريخي، حتى في الظهور على ساحة الأحداث، دون أي تفاوت يكسر المنطق، ومن جهة ثانية يقوم بتخييل زمن الخطاب وفق النقلات المكانية التي وقعت فيها الأحداث، فيقوم المخيال السردي في زمن الخطاب بتخييل زمن السرد (زمن الوقائع الحقيقية) أثناء النقلات المكانية المتراتبة وفق زمن حدوث الوقائع فيها، ومن هنا يكون قد أوفى بالتاريخ وبالتخييل، عن طريق التحكم في تسريد بنيتي الزمان والمكان، سرداً وقائعياً وخطاباً تخييلياً وفق منطق داخلي ناظم للمسافات الفنية بين الوقائع التاريخية وشخصياتها، وتخييلها السردي بحركاتها وانفعالاتها.
– يلاحَظ في إعداد وبناء شخصية البطلة شامخة، أنها بطلة جاهزة وكاملة سلفاً، ما يعني أنها لا تتطور مع الأحداث، بل يبدو أن الأحداث هي التي تتطور لتواكب جاهزية هذه الشخصية المكتملة. وعياً وإعداداً وبناءً؛ لتواكب كل الثورات في السنوات الأربعين الأولى من الاحتلال الفرنسي.
***
عناق الأفاعي لعزالدين جلاوجي، الصادرة عن دار المنتهى- الجزائر، الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية (2023)، عدد الصفحات 610.