ليست قصة (The Country of the Blind/ بلد العميان) مجرد حكايةٍ غرائبية عن وادٍ يسكنه العميان، بل هي واحدة من أكثر النصوص الأدبية قدرة على مساءلة العلاقة بين الحقيقة والوعي والجماعة. ففي هذا العمل المدهش، لا يجعل H. G. Wells العمى نقصا جسديا فحسب، بل يحوّله إلى نظامٍ كامل للحياة، وإلى طريقةٍ في فهم العالم، بل إلى “حقيقة” لا يجوز الشك فيها.
تبدأ الحكاية حين ينجو المستكشف “نيونيز” من سقوطٍ مروّع في جبال الأنديز، ليجد نفسه داخل الوادي الأسطوري المعروف باسم “بلد العميان”. هناك يكتشف مجتمعا كاملا فقد البصر منذ أجيال بعيدة، حتى لم يعد أحد يعرف معنى الرؤية أصلا. لقد صار العمى هو القاعدة، وصار الحديث عن الضوء والسماء والنجوم نوعا من الهذيان الذي لا معنى له.
وهنا يضعنا ويلز أمام مفارقته العبقرية: في عالم لا يرى أحدٌ فيه، لا يصبح المبصر ملكا كما تقول الحكمة القديمة، بل يصبح غريبا ومتهما.
كان نيونيز يظن في البداية أن امتلاكه للبصر سيجعله متفوقا، وأنه سيتمكن بسهولة من السيطرة على هؤلاء القوم. لكنه يكتشف سريعا أن الإنسان لا ينتصر بما يملك فقط، بل بما يعترف المجتمع بقيمته؛ فالعميان لا يؤمنون بالبصر أصلا، وبالتالي لا يرون في عينيه ميزة، بل مرضا غريبا يفسد عقله ويجعله يهذي بأشياء غير موجودة. وهنا تتحول القصة من مغامرة إلى تأمل فلسفي عميق..
ما الحقيقة؟ هل الحقيقة هي ما نراه فعلا، أم ما تتفق الجماعة على تصديقه؟
لقد بنى سكان الوادي عالما كاملا بلا نوافذ، لأنهم لا يحتاجون الضوء. أعادوا تفسير الليل والنهار، والسماء والطيور، والبرد والدفء، وفق حدود حواسهم. ومع مرور الزمن لم يعد العمى حالة طارئة، بل أصبح “منطقا”، ثم تحول هذا المنطق إلى يقين لا يقبل النقاش.
وهنا تكمن عبقرية ويلز؛ فهو لا يتحدث عن العمى الجسدي بقدر ما يتحدث عن العمى الفكري والجماعي، عن المجتمعات التي تعتاد نقصها حتى تحوله إلى معيار، ثم تبدأ بمحاربة كل من يختلف عنه.
لقد كان نيونيز بالنسبة إليهم إنسانا ناقصا، لا لأنه عاجز، بل لأنه يرى ما لا يرونه. وكلما حاول أن يشرح لهم معنى الغروب أو النجوم أو الجبال، ازداد اقتناعهم بأنه مختل العقل. فالمجتمع حين يفقد القدرة على إدراك شيء ما، لا يكتفي غالبا بإنكاره، بل يعادي من يملكه.
وهنا تكتسب القصة بُعدا رمزيا هائلا؛ فكم من حقيقةٍ بدت جنونا لأنها سبقت عصرها؟ وكم من صاحب بصيرةٍ عوقب لأنه رأى أبعد من الجماعة؟
لقد حاول نيونيز أن يثبت لهم قيمة البصر، لكنه اكتشف في النهاية أن المشكلة ليست في الأدلة، بل في البنية الذهنية التي يستحيل داخلها تصوّر ما لم يُختبر. ولهذا كان العميان قادرين على تفسير كل شيء… إلا الرؤية نفسها.
وحين أحب الفتاة العمياء، بدا وكأن ويلز يمنح بطله فرصة أخيرة للاندماج في هذا العالم. لكن الحب نفسه تحوّل إلى اختبار قاسٍ:
لكي يُسمح له بالزواج، عليه أن يتخلى عن عينيه.
يا لها من استعارة مرعبة.
إن المجتمع لا يطلب من المختلف أن يتعايش فقط، بل يطالبه أحيانا بأن يتنازل عن جوهر اختلافه كي يصبح مقبولا. وهكذا لم يعد البصر نعمة، بل صار “عضوا مريضا” ينبغي اقتلاعه حتى يستعيد الإنسان “عقله”.
في تلك اللحظة تبلغ القصة ذروتها الرمزية. فنيونيز لا يواجه مجرد عملية جراحية، بل يواجه سؤالا وجوديا: هل يمكن للإنسان أن يضحّي بحقيقته كي يحظى بالقبول، ولذلك تبدو النهاية من أجمل نهايات الأدب الرمزي؛ إذ يقرر الهرب، يتسلق الجبل الجليدي، ينزف، يتمزق، يتألم… لكنه يرفع عينيه أخيرا نحو النجوم.. لقد اختار الألم مع الحقيقة، بدل الراحة داخل الوهم.
وهنا تنتهي القصة، لكن معناها يبدأ؛ فـ “بلد العميان” ليست واديا معزولا في جبال الأنديز فقط، بل قد تكون أي مجتمع يعتاد نقصه حتى يقدّسه، ويُعدُّ المختلف خطرا يجب تهذيبه أو استئصاله. وقد يكون “نيونيز” أي إنسان يرى أبعد قليلا، فيدفع ثمن بصيرته عزلة أو سخرية أو اتهاما.
لهذا بقيت هذه القصة حيّة بعد أكثر من قرن؛ لأنها لا تتحدث عن العيون، بل عن الوعي. لا عن الظلام، بل عن الاعتياد عليه. ولا عن فقدان البصر، بل عن اللحظة التي يصبح فيها النور نفسه خطيئة.
الفكرة العميقة في القصة: لم يكن ويلز يتحدث عن العمى الجسدي فقط، بل عن المجتمعات التي تعتاد نقصها حتى تحوّله إلى حقيقة مطلقة، ثم تبدأ بمحاربة كل من يرى أبعد منها.
ملخص قصة “بلد العميان” – هربرت جورج ويلز
في أعماق جبال الأنديز، يوجد وادٍ معزول لا تصل إليه الطرق، تحيط به الجبال الشاهقة من كل جانب. منذ قرون، لجأ إلى هذا الوادي قوم فرّوا من بطش الإسبان، لكن انهيارات صخرية هائلة قطعتهم عن العالم تماما. ومع مرور الزمن انتشر بينهم مرض غامض أفقدهم البصر، حتى صار العمى قدرا وراثيا ينتقل من جيل إلى جيل.
وبعد خمسة عشر جيلا، لم يعد أحد منهم يعرف معنى “الرؤية”.
لقد نسي الناس أن هناك شيئا اسمه الضوء أصلا.
هناك، في ذلك العالم المغلق، بنى العميان حياتهم كاملة وفق حواسهم الأخرى. لم تعد البيوت تحتاج إلى نوافذ، ولم تعد الشمس أو النجوم أو الألوان ذات معنى. الزمن عندهم ينقسم إلى فترتين: وقت بارد للعمل، ووقت دافئ للنوم. أما الطيور، فليست سوى “كائنات صغيرة تُسمع ولا تُلمس”.
في هذا المكان يسقط المستكشف “نيونيز” من أعلى الجبل أثناء رحلة استكشاف مع مجموعة من البريطانيين. ينجو بأعجوبة، بعدما يهوى فوق طبقات كثيفة من الثلج، ثم يبدأ بالتجوال حتى يصل إلى الوادي الغامض.
في البداية يظن أنه محظوظ؛ فقد تذكّر المثل القديم:
“في بلاد العميان يصبح الأعور ملكا”، لكنه يكتشف سريعا أن الأمر أعقد مما تخيّل.
يحاول أن يشرح لهم أنه “يبصر”، وأنه يرى الجبال والسماء والنجوم، لكنهم لا يفهمون ما يعنيه بكلمة “يرى”. بالنسبة إليهم، حديثه ليس إلا نوعا من الجنون. بل إنهم حين يتحسسون عينيه يعتبرونهما عضوين غريبين منتفخين أفسدا عقله.
وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: في مجتمع لا يعرف البصر، يصبح المبصر ناقصا، لا متفوّقا.
كان العميان يمتلكون مهارات مذهلة؛ يسمعون أدق الأصوات، ويشمّون الروائح ببراعة، ويعرفون الطرق بأقدامهم وملمس الأرض. وحين حاول نيونيز أن يثبت لهم قيمة البصر، فشل تماما، لأن الإنسان لا يستطيع إقناع جماعة بشيء لا تملك أي وسيلة لتخيّله.
بمرور الوقت يقع نيونيز في حب فتاة من أهل الوادي. وكانت مختلفة قليلا عن قومها؛ أهدابها طويلة وصوتها ناعم، لذلك كانوا يعدّونها ناقصة الجمال. أما هي فكانت مأخوذة بحكاياته عن السماء والسحب والشمس.
لكن أهلها يرفضون زواجه منها، لأنهم يعتبرونه مختل العقل.. يتدخل طبيب القرية أخيرا، ويصل إلى “التشخيص”: سبب جنون نيونيز هو هذان العضوان الغريبان في وجهه “عيناه”. ويقترح إجراء عملية بسيطة لاقتلاعهما، حتى “يشفى” ويصبح إنسانا طبيعيا.
تتوسل إليه الفتاة أن يقبل العملية كي يبقيا معا. فيتردد طويلا، ثم في الليلة الأخيرة قبل العملية، يخرج وحيدا عند الفجر، ويتأمل الجبال والسماء والنجوم للمرة الأخيرة. هناك فقط يدرك حجم الكارثة: كيف يمكن لإنسان أن يتخلى عن النور كي يحظى بالقبول؟
وفي لحظة حاسمة يقرر الهرب.. يتسلق الجبل الشاهق بصعوبة، تنزف يداه، تتمزق ثيابه، ويكاد يهلك من التعب.. لكنه كلما ابتعد عن الوادي، شعر بأنه يستعيد نفسه.
وفي النهاية، يجلس بعيدا فوق الصخور، يرفع عينيه نحو السماء، ويتأمل النجوم في صمت.