ما الذي ينتظره القارئ العادي من رواية “تستعيد” تاريخ الزوجة السابقة للرئيس بورقيبة لو اطلع قبلها على كتابين أو أكثر سجّلا سيرتها؟ هل ينتظر من الرواية الكشف عن أسرار جديدة وحقائق لم يذكرها التاريخ؟ هل يبحث عن صورة أخرى تردّد صداها عبر الحكايات المرويّة والإشاعات والصحف؟ أي علاقة بين السياسي والتاريخي والتخييلي في هذه الرواية؟
تنفتح الرواية في فصلها الأول على حدث اعتراض دورية أمنية سيارة سائق أجنبي للتثبت من هويته قبل محاولة اعتقاله، حينها يصلها اتصال هاتفي يدعوها إلى إطلاق سراحه. وفي الأثناء ينزلق من جيب السائق قرص مضغوط تعثر عليه امرأة تتعطل سيارتها في نفس المكان . وبعد اطلاعها على محتوى القرص واكتشافها تضمنه وثائق سرية صوتية ومصوّرة تقرر تسليمه إلى “كاتبة مغمورة” علّها تصوغ من محتوياته مشروع رواية..
تلقي أميرة غنيم بالطعم إلى روائية افتراضية وتحمّلها مسؤولية التصرّف في الوثائق السرية متعمّدة التلاعب بالقارئ، فيختفي الراوي العليم الذي حضر في الفصل الأول وتحل محله شخصيات مرجعية تتراسل وتتفاعل (وسيلة بورقيبة وجاكلين غاسبار) وأخرى تخييلية (سعاد الكامل و درّة)؛ لتتخلق الحكاية وتنمو وتكتمل.. تروي وسيلة بورقيبة في “تراب سخون” وقائع زيارتها لبورقيبة في مقرّ إقامته بعد طلاقها منه وبعد عزله عن الرئاسة سنة 1987، فإذا هي “رحلة مجنونة” تغامر فيها الماجدة بنفسها وتواجه الصعوبات، وتذللها بكثير من الحيلة والدهاء؛ وذلك استجابة لرسالة وصلتها من بورقيبة يدعوها فيها لزيارته، ويطلب استعادة “شيء” غامض موجود عندها . تتعدّد في هذه الرحلة إلى الرئيس العوائق، تتدخل فيها أطراف خفية تفتح المسالك أو تغلق الأبواب. يكتشف معها القارئ ألاعيب ودسائس تنسجها أيدي الساسة والمخابرات والشرطة في فضاء سياسي وتاريخي متقلّب وغامض..
التطريس في رواية تراب سخون :
يعدّ التطريس حسب جيرار جونات نوعا من أنواع التناصّ، يمكن إدراجه ضمن ما يسمّى بالتعالق النصّي، أي (كل ما يجعل النصّ يرتبط بعلاقة ظاهرة أو ضمنية مع غيره من النصوص). وهو نوع من “التعالقات النصية بين نصّ ما مع نصّ سابق أو لاحق” [محمد آيت ميهوب: التداخل الأجناسي في الأدب العربي المعاصر، دار ورقة للنشر، ط.1، 2019، ص34]، ويتحقق التطريس عموما عبر ضروب من المحو والتحويل وإعادة الكتابة، مما يحقق للنص اللاحق تجدد الشكل والمحتوى.
ويمكن ملاحظة هذا التعالق النصي في رواية أميرة غنيم “تراب سخون”، إذ تشير الكاتبة طيّ الرواية إلى صدور كتاب من تأليف (جاكلين غاسبار) سنة 2012، هو جماع محاوراتها مع زوجة الرئيس بورقيبة وعنوانه “وسيلة بورقيبة”، وقد كان المنطلق في كتابته شرائط مسجلة، وكتاب غاسبار، وهو منشور فعلا ويحوي عددا من الحوارات الهامة، متنوعة المواضيع. وقد استند إليها بعض المؤرخين في كتابة تاريخ وسيلة بورقيبة، منهم نور الدين الدقي في كتابه “وسيلة بورقيبة اليد الخفية” [Noureddine Dougui : Wassila Bourguiba La main invisible ;sud ed. tunis 2020].
نحن إذاً إزاء نصّ حقيقي ومرجع هام ومنشور، (كتاب “وسيلة بورقيبة” للكاتبة جاكلين غاسبار)، وتعمد أميرة غنيم إلى محاكاته ظاهريا، لتمحوه وتعيد كتابة الطرس روائيا في “تراب سخون “، وقد اختارت له جنس الرواية التراسلية. وكأن هذا الشكل امتداد فعلي لحوارات سابقة بين شخصيتين مرجعيتين، لكن باجتراح كتابة سردية مغايرة تروي فيها مغامرة امرأة من عالم السياسة تخوض تجربتها الأخيرة مع الزعيم..
يتجلى التطريس في عتبات الرواية، ومنها الصورة الخارجية والعنوان، إضافة إلى العناوين الداخلية للفصول؛ إذ يتضمن الغلاف الخارجي صورة لوسيلة بورقيبة، لكنها ليست صورة فوتوغرافية كما وردت في كتب سابقة: (نور الدين الدقي مثلا وجاكلين غاسبار)، ففي غلاف “تراب سخون” حرص على محو الأصل أو الصورة المرجعية لتقديم لوحة جديدة متصدّعة للشخصية، حيث نرى آثار التشقق في خلفية اللوحة ممتدة إلى وجه الماجدة، موحية بتصدّعات في المرجع و الشخصية.. أما عنوان الرواية: “تراب سخون”، فهو إحالة نصية على مقولة معروفة في المعتقد الشعبي والذاكرة الثقافية، مقولة ترى في تراب تونس (الوطن) قدرة خارقة على تجاوز المحن والمآسي بفضل ما يوفّره لها “الأولياء الصالحون” في تونس من حماية، وما لهم من قدرات خارقة على تغيير الواقع.. إن تعالق العنوان مع العبارة الشعبية المعروفة (تونس ترابها سخون) يثير السؤال أولا عن صلة الشخصية التخييلية بهذا المعتقد وعن مدى نزوع الرواية إلى تجسيد هذا القول وتمثيله في مستوى المضامين والأحداث، وتجلو العناوين الفرعية التي استهلت بها تسع رسائل تنسب إلى الماجدة هذا التعالق النصي؛ إذ تمثلت في عناوين لأغان شعبية قديمة و مشهورة لفنانين تونسيين (دار الفلك من بعد طول العشرة، ما عندي والي يا ريدي، خلي يقولوا آش يهم …) فجاءت في ظاهر الصياغة منسجمة مع محتوى القرص المشار إليه في بداية الرواية، حيث أسهمت الأغاني في الشرائط المسجلة في عملية التضليل وإخفاء محتوى المراسلات، لكن أميرة غنيم اختارت من عناوين الأغاني ما يتناغم مع الأحداث داخل كل فصل، وما ينسجم مع الوقائع فغدت بذلك ضربا من النصّية الموازية تجلو تفاعلا خلاقا بين النص والنصوص المصاحبة له. ولئن افتقدت بقية الرسائل (بين سعاد الكامل وجاكلين) إلى هذه العنونة الفنية ،فربما لأنها في نظر الكاتبة مجرد “حاشية” وتكملة تكفي أسماء الشخصيات فيها للتشويق إلى بعض مضامينها .
عديدة هي مؤشرات المحو وإعادة الكتابة (التطريس ) في رواية “تراب سخون”، ظاهرها سعي الكاتبة إلى استكمال حوار حقيقي سابق بين شخصيتين مرجعيتين، وتدوين ذاكرة سياسية واجتماعية وتاريخية، والتوثيق لبعض مراحل حياة وسيلة بورقيبة وكشف حميميتها وخفاياها. وباطن الرواية كتابة تخييلية وخلق جديد للشخصية وللأحداث والمواقف، وتطريز لنسيج الحبكة والخطاب وتأويل ذاتي للتاريخ..
يقتضي التطريس كتابة جديدة تتجاوز القديم، وقد أسهم التطريس في “تراب سخون” في توليد جماليات يقتضيها النص الجديد في ضروب من التزيين و”التطريز”.. ولعل عتبات الرواية وعناوين فصولها أبرز مثال لهذا المسعى الجمالي الذي يثبت مرجعية الخطاب من ناحية، وانغراسه في الواقع التاريخي التونسي (الأغاني التونسية )، ويشرّع أبوابا عريضة لتأويل دلالاتها وعلاقتها بمتن الحكاية حيث تتعالق ملفوظات غنائية مع خطاب الرواية، فتُنشِئ دلالات جديدة، هي جزء من مقاصد الكتابة، من ذلك عنوان الرسالة الأخيرة: “لا نحسبك خوّان يا غاليّ” (وهي غائبة في الفهرس)، إذ يتماهى العنوان مع حدث المكاشفة بين وسيلة والرئيس المعزول، حين يعلن لها دون تخفّ حبه امرأة أخرى، و يصلها خبر طلاقها بالهاتف وهي مسافرة، وينطبق الأمر على جلّ عناوين الفصول المستوحاة من الأغاني المعروفة.