شاركها
كان الورد ثالثهما دائما.. لم يكن يذكر لقاء جمعهما إلا وكان للورد نصيب فيه؛ باقة صغيرة يخبئها خلف ظهره، أو زهرة ياسمين تتدلّى من شرفة بيت عتيق، أو حديثا يطول عن الجمال الذي ما زال يقاوم قبح العالم..
حين التقيا أول مرة، لم يكن في جيبيهما ما يكفي لشراء الأحلام، لكنهما كانا يملكان يقينا يكفي لتصديقها.. قالت له يوما، وهي تنظر إلى لوحة صغيرة علّقاها على جدار المكتب الجديد: ـ سيأتي يوم نضحك ونحن نستبدل الأثاث بأثاث أكثر فخامة..
ابتسم وهو يتأمل غرف المكتب الواسعة.. مكاتب فخمة، وأجهزة حاسوب حديث، ولافتة تحمل اسم شركتهما، كأنها تعدهما بمستقبل أكبر من الجدران التي احتضنتها.
كانا يدخلان المكتب قبل الجميع، ويغادرانه بعد أن تنطفئ أنوار الشارع. يراجعان الملفات، ويعدّلان الخطط، ويختلفان أحيانا حول التفاصيل، ثم ينتهي الخلاف دائما بفنجاني قهوة وضحكة تعرف طريقها إليهما قبل أن يعرفاها.
لم تعش الشركة طويلا.. شيئا فشيئا صار الصمت أكثر عددا من الزبائن، وتراكمت الفواتير فوق الطاولة التي كانت تمتلئ بالأوراق والخطط. وفي مساء رمادي، وقف يتأمل اللافتة المعلقة فوق الباب..
لم يقل شيئا.. اقتربت سمية، وأغلقت الإضاءة الأخيرة.. ثم قالت بهدوء:
ــ يبدو أن الحلم تعب قبلنا..
ــ يبدو أن الحلم تعب قبلنا..
نظر إليها، وابتسم ابتسامة لم تستطع أن تخفي انكساره..
خرجا معا، وأغلقا الباب للمرة الأخيرة..
كان يظن أنهما خسرا كل شيء..
لكنه اكتشف، وهو يسير إلى جوارها في الشارع نفسه الذي دخلاه يوم الافتتاح، أن الحلم وإن سقط؛ فقد ترك لهما شيئا أثمن من الشركة نفسها..
ترك لهما أحدهما الآخر.. بعد ذلك صار البحر مكتبهما الأثير..
لم يكن البحر يسألهما عن الربح والخسارة، ولا يفتش في وجهيهما عن أثر الفشل. كان يستقبلهما كما يستقبل الموج صخرة يعرفها منذ زمن بعيد..
لكنه اكتشف، وهو يسير إلى جوارها في الشارع نفسه الذي دخلاه يوم الافتتاح، أن الحلم وإن سقط؛ فقد ترك لهما شيئا أثمن من الشركة نفسها..
ترك لهما أحدهما الآخر.. بعد ذلك صار البحر مكتبهما الأثير..
لم يكن البحر يسألهما عن الربح والخسارة، ولا يفتش في وجهيهما عن أثر الفشل. كان يستقبلهما كما يستقبل الموج صخرة يعرفها منذ زمن بعيد..
كانا يمشيان طويلا على الرمل، يتحدثان أحيانا، ويصمتان أحيانا أخرى. وكان صمتهما، في أوقات كثيرة، أصدق من الكلام..
على الشاطئ ذاته ضحكا حتى خُيّل إليه أن البحر يضحك معهما، وعلى الرمل نفسه بكيا ذات مساء حين ضاقت الحياة بهما إلى حد لم يجدا فيه ما يقولانه..
مدّت يدها يومها، وخطّت بإصبعها على الرمل كلمة واحدة: “سنصمد”..
ظل ينظر إلى الكلمة حتى جاءت موجة صغيرة ومحَتها..
قال لها:
ــ حتى البحر لا يريد أن يترك لنا وعدا..
ابتسمت بحزن، ثم قالت:
ــ لا تصدّق البحر حين يمحو. هو يحفظ أكثر مما نظن..
ــ حتى البحر لا يريد أن يترك لنا وعدا..
ابتسمت بحزن، ثم قالت:
ــ لا تصدّق البحر حين يمحو. هو يحفظ أكثر مما نظن..
كان يعرف أنها تقول الحقيقة بطريقتها. فالبحر، منذ تلك الأيام، صار يعرف مواضع أقدامهما أكثر مما يعرفانها هما..
لم تكن سمية تشبه أحدا.. لم تكن تطلب شيئا لنفسها، وكانت تغضب كلما حاول أن يشتري لها هدية باهظة الثمن.. جاءها مرة بقارورة عطر غالية؛ فأعادته إليه كمن يعيد خطأ صغيرا إلى صاحبه..
قالت:
ــ لا تفسد الأشياء الجميلة بثمنها..
ــ لا تفسد الأشياء الجميلة بثمنها..
ضحك.. وهل صار العطر تهمة؟
قالت، وهي تدفع العلبة نحوه:
ــ حين تهديني وردة ياسمين أشعر أنك اخترتني.. أما هذه، فأشعر أنك أردت أن تعوّض شيئا لا يحتاج إلى تعويض..
ثم نظرت إليه طويلا وأضافت مبتسمة:
ــ أنت هديتي..
ــ حين تهديني وردة ياسمين أشعر أنك اخترتني.. أما هذه، فأشعر أنك أردت أن تعوّض شيئا لا يحتاج إلى تعويض..
ثم نظرت إليه طويلا وأضافت مبتسمة:
ــ أنت هديتي..
لم تكن تقول ذلك مجاملة، وكان يعرف نواياها الصادقة..
في اليوم التالي جاءها بوردة ياسمين صغيرة. لم يقدّمها لها كما يقدّم العشاق هداياهم في الروايات، بل وضعها فوق دفترها، ومضى كأنه لم يفعل شيئا..
وحين عادت إلى المكتب، رأى الدهشة في عينيها قبل أن تمسك الوردة.
قالت: هكذا نعم..
وحين عادت إلى المكتب، رأى الدهشة في عينيها قبل أن تمسك الوردة.
قالت: هكذا نعم..
كان الحب بينهما نقيا من الحسابات الصغيرة. لم تجمعهما مصلحة، ولم يحملهما طمع. كان الصدق والإخلاص والتفاني اللغة الوحيدة التي يتقنانها، وكل ما عدا ذلك كان يبدو لهما لغات غريبة..
كانت رومانسية على طريقتها الخاصة؛ لا تحب الضجيج، ولا الوعود الكبيرة، ولا الزينة التي تلمع أكثر مما تشعر. كانت تعشق البحر، والطبيعة، والياسمين، والأشياء الصغيرة التي تمنح الروح سببا إضافيا للحياة؛ لذلك فهو لم يدرك متى تحولت من امرأة يحبها إلى وطن صغير يسكنه..
كان كلما أثقلت الغربة قلبه، وجد عندها ما لا يجده في المدن كلها.. كلمة صغيرة.. نظرة طويلة، أو ضحكة تشبه نافذة تُفتح فجأة في غرفة معتمة..
كان يضحك كلما سمعها تتحدث باللهجة الفلسطينية.. هو الفلسطيني الذي جاب بلادا كثيرة حتى تداخلت اللهجات في لسانه، أما هي فقد أصرت أن تتعلم لهجة وطنه، وتحافظ عليها أكثر منه..
كانت تقول له فجأة كلمة فلسطينية لم يسمعها هو منذ عشر أو عشرين سنة، وربما أكثر مثل: “بديش” أو “روح روّح”، أو “بتتخوت عليّ”؛ فينفجر ضاحكا..
ــ من علّمك هذه؟
فتجيبه بثقة:
ــــ أنا بنت فلسطين أكثر منك..
فتجيبه بثقة:
ــــ أنا بنت فلسطين أكثر منك..
كان يعترض مازحا، لكنها كانت تواصل تقليد لهجته بإتقان يثير دهشته. وفي كل مرة كان يشعر أن فلسطين البعيدة والمجروحة وجدت بيتا آخر في كلامها..
لم تكتف بذلك، كانت تكتب عن فلسطين قصصا مفعمة بالحب والوجع. لم تكن تكتبها كمن يكتب عن بلاد بعيدة قرأ عنها في الأخبار، بل كمن يفتش في ذاكرة تخصه..
ذات مساء، جلست إلى جواره في المقهى، وأخرجت من حقيبتها ورقة مطوية.. قالت:
ــ كتبت شيئا صغيرا..
أخذ الورقة منها. كان يعرف أنها حين تقول “شيئا صغيرا” تكون قد خبأت قلبها بين السطور.
قرأ: “كانت الطفلة تحمل مفتاحا أكبر من يدها الصغيرة، وتسأل أمها كل مساء: متى نعود؟ فتشير الأم إلى الأفق البعيد وتقول: حين يتعب الغياب من ملاحقتنا”..
ــ كتبت شيئا صغيرا..
أخذ الورقة منها. كان يعرف أنها حين تقول “شيئا صغيرا” تكون قد خبأت قلبها بين السطور.
قرأ: “كانت الطفلة تحمل مفتاحا أكبر من يدها الصغيرة، وتسأل أمها كل مساء: متى نعود؟ فتشير الأم إلى الأفق البعيد وتقول: حين يتعب الغياب من ملاحقتنا”..
توقف عند الجملة طويلا.. أغلق الورقة، ونظر إليها..
لم يكن يعرف أيهما أحب أكثر؛ فلسطين التي كتبتها بهذا الوجع، أم المرأة التي جعلت فلسطين تنبض على الورق بهذا الجمال..
قال لها أخيرا:
ــ أنتِ لا تكتبين عن فلسطين. أنتِ تفتحين لها نافذة..
ــ أنتِ لا تكتبين عن فلسطين. أنتِ تفتحين لها نافذة..
خفضت عينيها، كأنها تخجل من المديح، ثم قالت:
ــ ربما لأنني أحب ما تحب..
وكانت تلك الجملة وحدها تكفيه ليعيش على وقعها أياما طويلة..
ــ ربما لأنني أحب ما تحب..
وكانت تلك الجملة وحدها تكفيه ليعيش على وقعها أياما طويلة..
لكن الحياة ليست مدينة فاضلة..
لم تكن المشكلة في الحب.. الحب كان حاضرا، واضحا، صلبا، كأنه الشيء الوحيد الذي لم يتعب.. المشكلة كانت في الأبواب التي بدأت تُغلق واحدا بعد الآخر..
البيت الصغير الذي كانا يتحدثان عنه ظل حلما معلقا بين السماء والأرض.. كانا يرسمان تفاصيله كما يرسم الأطفال بيوتا على دفاتر المدرسة: نافذة تطل على شجرة جوري، رفوف كتب، ركن للقهوة، مزهرية ياسمين قرب الباب، ومكان صغير لا يعرفان لماذا سمياه “غرفة الحلم”..
كلما اقتربا من ذلك البيت، ابتعد أكثر..
وكانت الحياة، بقسوتها الباردة، تعرف كيف تؤجل الفرح دون أن تقدم تبريرها أو اعتذارها..
وكانت الحياة، بقسوتها الباردة، تعرف كيف تؤجل الفرح دون أن تقدم تبريرها أو اعتذارها..
في البداية قالا بأن الأمر يحتاج إلى وقت.. ثم قالا إن الصبر كافٍ..
ثم صارا يتحدثان عن البيت بصوت أخفض.. حتى جاء يوم لم يعودا يذكرانه مطلقا..
كانا في المقهى نفسه.. أمامهما فنجانا قهوة، وبينهما صمت ثقيل.. حاول أن يقول شيئا فلم يجد.. وحاولت هي أن تبتسم، فجاءت ابتسامتها كمن يرفع ستارة عن نافذة لا ضوء خلفها.
قالت: هل تعرف أكثر ما يؤلمني؟
نظر إليها.. ـ
ما يؤلمني أن كل شيء بيننا صحيح وجميل، ومع ذلك لا يكفي..
لم يجب..
لم تكن هناك جملة قادرة على حمل ذلك المعنى..
ثم افترقا، لا بسبب نقص في الحب، ولا بسبب خيانة، ولا لأن أحدهما ملّ الآخر..
افترقا لأن الحياة أحيانا تمتلك قسوة لا يجدي معها الإخلاص، ولأن الطرق التي تبدأ من القلب لا تصل دائما إلى البيت..
نظر إليها.. ـ
ما يؤلمني أن كل شيء بيننا صحيح وجميل، ومع ذلك لا يكفي..
لم يجب..
لم تكن هناك جملة قادرة على حمل ذلك المعنى..
ثم افترقا، لا بسبب نقص في الحب، ولا بسبب خيانة، ولا لأن أحدهما ملّ الآخر..
افترقا لأن الحياة أحيانا تمتلك قسوة لا يجدي معها الإخلاص، ولأن الطرق التي تبدأ من القلب لا تصل دائما إلى البيت..
ومع ذلك، لم يكن الفراق كاملا..
كان كل واحد منهما يعيش حياته، لكنه يحتفظ في داخله بمساحة لا يدخلها أحد سواهما..
وكان الهاتف يرن كل يوم تقريبا..
وكان الهاتف يرن كل يوم تقريبا..
يتحدثان عن أشياء كثيرة، وعن لا شيء في الوقت نفسه. عن كتاب قرأته، وعن خبر أزعجه، وعن وجع عابر في الجسد، وعن طقس المدينة، وعن صديق قديم، وعن البحر الذي لم يذهبا إليه منذ وقت طويل..
لا أحد منهما كان يقول: أشتاق إليك، أو أتمنى لو نلتقي من جديد..لكن كل واحد منهما يقولها بوجع في سره..
كانت الكلمات التي لا تُقال أوضح من الكلمات التي تُقال..
ذات مساء، اتصلت به.. كان صوتها هادئا أكثر من اللازم.
سألها: هل أنت بخير؟
قالت: نعم، ثم صمتت..
قالت: نعم، ثم صمتت..
كان يعرف أن كلمة “نعم” حين تأتي بهذا الهدوء لا تعني شيئا من معناها..
قال: أين أنتِ؟
قالت: على شاطئ البحر
قالت: على شاطئ البحر
نهض من مكانه كأن البحر ناداه هو أيضا..
وحدك؟
ـــ ومعي الورد.
لم يفهم..
أكملت:
ــ وجدت طفلا يحمل وردا وياسمين.. اشتريت منه زهرة واحدة. لا أدري لماذا شعرت أنها تعرفنا.. لم يستطع أن يضحك..
ــ وجدت طفلا يحمل وردا وياسمين.. اشتريت منه زهرة واحدة. لا أدري لماذا شعرت أنها تعرفنا.. لم يستطع أن يضحك..
تذكر المكتب الصغير، واللافتة، والباب الذي أُغلق للمرة الأخيرة. تذكر الرمل حين كتبت عليه “سنصمد”، والموجة الصغيرة حين محتها. تذكر زجاجة عطر غالية أعادتها، وياسمينة صغيرة احتفظت بها كما لو كانت كنزا..
قال لها بصوت خافت: ــ البحر لا ينسى..
قالت: ــ قلت لك ذلك يوما..
ثم طال الصمت بينهما..
لم يكن صمتا فارغا. كان مزدحما بكل ما عاشاه، وبكل ما لم يحدث..
قالت أخيرا: أحيانا أشعر أن لنا بيتا في مكان ما، لكنه لم يعرف طريقه إلينا..
أغمض عينيه.. رأى البيت كما كانا يتخيلانه: نافذة، كتب، قهوة، ياسمين، وغرفة صغيرة للحلم. رأى الباب الذي لم يفتح، والمفتاح الذي لم يصنع، والحياة التي مرّت من أمامهما وهي تحمل بيتهما إلى جهة مجهولة.
قال: ربما بُني فينا..
لم تجب..
كان يسمع الموج من خلال صوتها، أو يتوهم ذلك..
لم تجب..
كان يسمع الموج من خلال صوتها، أو يتوهم ذلك..
وحين انتهى الحديث، ظل الهاتف في يده طويلا. لم يكن يعرف ماذا يفعل بعد المكالمة؛ أيعود إلى ما كانه قبل قليل؟ أيفتح نافذة تطل على عالم غريب عنه؟ أيبكي؟ أيكتب؟
في الجهة الأخرى، كانت سمية تنظر إلى البحر، وفي يدها زهرة ياسمين صغيرة. لم تكن تبكي، لكنها كانت تشعر أن في القلب أشياء أعمق من الدموع..
كان كل منهما، في تلك اللحظة، وحده تماما، ومعه الآخر تماما.. هكذا بقي ما بينهما شيئا أكبر من المسافات، وأقوى من السنوات، وأبقى من الظروف..
شيئا يشبه وطنا لم يُبنَ، أو بيتا صغيرا تأخر كثيرا عن موعده.. أو وردة ياسمين نجت من كل الفصول.. أو ندبة جميلة في القلب، تؤلمه كلما لمسها، لكنه لا يتمنى زوالها..