شاركها
في أجواءٍ إنسانيةٍ غمرتها الألفة، وتوشّحت بوشاح التأثر الصادق والدفء الروحي، وعطّرتها مشاعر الإعجاب والتقدير لتجربة استثنائية، عشنا مساء الأحد 11 أكتوبر 2026 لحظاتٍ من الجمال الإنساني والمعرفي، في رحاب بيت السيدة نفيسة الحاري، التي اختارت أن تجعل من مرحلة ما بعد التقاعد بدايةً لفصل جديد من فصول العطاء، فحقّقت حلمًا عظيمًا بإتمام حفظ القرآن الكريم، مؤكدةً أن الأحلام لا تشيخ، وأن الطموح لا تحدّه سنوات العمر، متى ظلّ القلب متعلّقًا بغايته، وظلّت الإرادة متّقدةً بنور الإيمان والعزيمة.
كان اللقاء أكثر من مجرد حوار عابر؛ فقد تحوّل إلى رحلة في أعماق تجربة إنسانية ملهمة، نقترب من خلالها من امرأة آمنت بأن التقاعد ليس نهاية المسار، ولا إعلانًا عن انطفاء الرغبة في التعلم والإنجاز، فقد يكون فرصةً لاستعادة الأحلام المؤجّلة، والانتصار على مشاغل الحياة التي طالما حالت دون تحقيقها. حيث اكتسبت تجربة السيدة نفيسة الحاري دلالتها العميقة؛ إذ لم يكن إتمام حفظ كتاب الله مجرد إنجاز شخصي يُحتفى به، فقد كان رسالةً إنسانيةً بليغة تؤكد أن أبواب المعرفة والارتقاء الروحي تظل مفتوحةً أمام الإنسان ما دام يحمل في داخله رغبةً صادقةً في الوصول.
وتحت مظلة برنامج «في بيتنا مبدع»، الذي يشرف عليه أتيليه فناني العالم، فرع المغرب الإلكتروني، دار الحوار في مناخ من المحبة والإنصات والتفاعل الوجداني، حيث امتزجت الكلمة بالتجربة، وتداخلت الحكاية الشخصية مع الدروس الإنسانية، بدت سيرة المحتفى بها وكأنها شهادة حيّة على قدرة الإنسان على تجديد ذاته، ومواجهة تحدياته، وصناعة المعنى في مختلف مراحل حياته، إذ العبرة في مقدار ما نمنحه لهذه السنوات من قيمة، وما نزرعه خلالها من أمل، وما نحققه فيها من أهداف تنير دروبنا ودروب الآخرين.
وقد أدارت الجلسة بكل اقتدار واقتدارٍ إنساني الكوتش فاطمة الزهراء زرابة، التي تستحق الشكر والتقدير على حسن تسييرها للحوار، وعلى ما أضفته من سلاسة وتفاعل، أتاحا للتجربة أن تعبّر عن نفسها في أجواء يسودها الاحترام والتقدير، وتُصغي فيها القلوب قبل الآذان. وهكذا أصبح اللقاء مساحةً لتبادل الخبرات، واستلهام العبر، والاحتفاء بنموذج نسائي يبرهن على أن الإرادة الصادقة قادرة على تحويل الحلم إلى حقيقة، مهما امتدّ الطريق أو تعدّدت المشاغل.
إن تجربة السيدة نفيسة الحاري تختزل معاني كثيرة، في مقدمتها قوة الإرادة، وصلابة العزيمة، والصبر على بلوغ الغايات، إلى جانب جمال الروح التي لا تستسلم لرتابة الأيام، ولا تسمح للعمر بأن يتحوّل إلى حاجز يحول بينها وبين ما تطمح إليه. وهي، في عمقها، دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم التقاعد، فلا يُنظر إليه بوصفه انقطاعًا عن الحياة الفاعلة، وهو باعتباره مرحلةً يمكن أن تتفتح فيها آفاق جديدة، وتستعيد فيها النفس شغفها، وتجدّد صلتها بالعلم والإيمان والإبداع.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن حفظ القرآن الكريم، بما يتطلبه من مواظبة وصبر ومراجعة واستحضار، هو رحلة في صحبة كتاب الله، وتعلّقٌ بمعانيه، واستمدادٌ من نوره وهدايته، ومن ثمّ، فإن إتمام السيدة نفيسة الحاري حفظه بعد التقاعد يحمل قيمةً روحيةً وإنسانيةً تستحق الاحتفاء، ويمنح الأمل لكل من يعتقد أن بعض الأحلام قد فات أوانها، أو أن قطار الإنجاز قد غادر محطته الأخيرة.
لقد خرجنا من هذا اللقاء ونحن أكثر اقتناعًا بأن الإنسان لا يُقاس بعمره، بما يختزنه من إرادة، وما يحمله من إيمان، وما يملكه من استعداد لمواصلة التعلم والتغيير. فكم من حلم ينتظر لحظة التحرر من التردد، وكم من قدرة تظل كامنةً في أعماقنا حتى توقظها العزيمة، وكم من بداية جميلة تولد في الوقت الذي يظن فيه الآخرون أن النهايات قد حانت.
كل التقدير للسيدة نفيسة الحاري على هذه التجربة المضيئة التي جعلت من الإنجاز الشخصي مصدر إلهام جماعي، وكل الشكر للكوتش فاطمة الزهراء زرابة على إدارتها لهذا اللقاء، ولأعضاء أتيليه فناني العالم، فرع المغرب الإلكتروني، على مواصلة فتح النوافذ أمام التجارب الإنسانية والإبداعية التي تستحق أن تُروى وتُحتفى بها.
إنها رسالة اللقاء في أبهى صورها: لا يوجد عمر متأخر للبدء، ولا حلم يفقد قيمته ما دامت الإرادة حيّة، ولا طريق إلى المعرفة والارتقاء الروحي يُغلق في وجه من صدق عزمه وأخلص قصده.