ألبس سترتي برقّة امراة أنيقة، لم تعجبني، سألبس الرمادي، لا هو لون كئيب.. الأسود لا يرمز للموت.. الأزرق يشبه ملابس أولئك الذين يطاردونني.. الأحمر لا، الرمادي الزيتوني… تتكدس كومة من الملابس قرب الدولاب.. أنظر شمالا ويمينا.. أمسك الملابس برجفة.. أبكي كثيرا.. أريد أن أبدوَ أنيقة. لماذا لم تساعدني أختي في انتقاء ملابسي؟ هي تعيش أجمل أيامها بينما أنا أذوي…
باستسلام ألبس المعطف مع الجينز الأسود وأخرج. يجب أن يبدوَ علي أنني أستاذة، أحمل حقيبتي. أضعها في منتصف ذراعي.. هكذا تحمل الأستاذات حقائبهن.. آه نسيت الشال الفلسطيني.. أخرج إلى الشارع. أتساءل لمَ يحذر مني المارة.. وجهي شاحب جدا هل أبدو كذلك حقا؟ أنظر إلى نفايات الشارع وإلى مغلف شوكولا.. يا إلهي لم أعد أستطيع أن أشتريَ شوكولا.. منذ متى لم أتذوقها؟ كان الاختبار الإلهي قاسيا جدا.. المبلغ الذي يرسله والدي لا يكاد يكفي ليومين.. عشرة دنانير لأختي وعشرة من أجل الخبز.. الخبز فقط.. أخذت العشرة خاصتي.. مررت بجانب نهج الدباغين.. إنه كتاب ذاكرة الجسد.. مساومة رخيصة أيها الزمن: الكتاب أم الخبز؟ فليكن الكتاب إذاً.. القراءة، يا أمل ستنقذك القراءة.. مازال القليل من الخبز اليابس وكيلو غرام من البسيسة تقريبا.. لا بأس ستكفي لأسبوع.. بدأت القراءة وأنا في المترو. كان يجب أن يلاحظ الركاب الذين بجانبي أني أقرأ كتابا مهمّا.. كنت أبتسم تارة وأقطّب تارة أخرى، ثم أتمتم.. أصوات في رأسي تخبرهم. القراءة أيها الشعب.. القراءة ستنقذنا.
عدت إلى البيت. شربت كأس البسيسة. ظللت أقرأ إلى وقت متأخر.. استسلمت للنوم والكتاب بجانبي أحضنه.. لم يكن يعنيني الجوع الذي يفتك ببطني.. يبدو أنني تعودت على هذا الإحساس.. استيقظت في الصباح مصممة على أن أجد عملا. يجب أن أنهيَ هذا الوضع المأساوي.. ولكن ماذا يحدث؟ كانت الألوان الزيتية تغطي الطاولة. لوحة لامرأة شقراء بجانب الدولاب.. أفتحه فأجد بدلة.. ولكنه يحبها هي. ما علاقة خالد بي؟ لمَ هو هنا؟ هل شعر بي؟ أمسكت الألوان وانخرطت في نوبة عنيفة من البكاء.. كان يجب أن يشعر بي أحد في هذا العالم، حتى ولو كان شخصية في كتاب. ولكن أين هو؟ أين خالد الآن؟ لمَ يترك كل ما يدل عليه و يغيب هو؟
أحاول تذكر كيف يكون المرء أنيقا. أبدأ بعقد من اللؤلو الاصطناعي، قميص فيروزي وتنورة سوداء. أبدو في المرآة نحيفة جدا تشبه شخصيات جبران، كما أخبرتني صديقتي، ولكن امرأة في غاية الجمال.. هل سيُعجب بي خالد، لو عاد لأِخذ أغراضه؟ وضعت آخر رشة عطر.. شعرت بأنني استعدت ثقتي بنفسي أخيرا..
عندما خرجت كان الصباح يتنفس وكان الشارع خاليا تقريبا.. قصدت كل المدارس وكان الجواب واحدا: لقد اكتمل الفريق، زورينا في بداية السنة القادمة. فكرت أن أعود إلى المنزل ولكني خيرت المشي بلا وجهة. وصلت أمام الجامع. عثرت على شيء يلمع. كانت قطعة نقدية نسيَها متسول. كانت تكفي لشراء رغفين. سارعت في الذهاب إلى أقرب متجر. اشتريت رغيفا. لففته في ورقة وجلست في أقرب حديقة.. حاولت أن أبدوَ كمن يأكل (سندويشا). لم أصدّق أنني آكل الخبز..
بعد أسبوع كامل استمتعت باللحظة كأنها أثمن ما مر بي في حياتي. لاحظت أنّ أحدهم يريد الجلوس بجانبي. قفزت إلى خاطري فكرة واحدة: كيف سأتصرف لو دعوته على السندويش الوهمي وقبلَ الدعوة؟ بسرعة، لففت قطعة الخبز ووضعتها في الحقيبة. جلس بجانبي. لم يقل أي كلمة. كان ينظر إلى الساعة وكأنه على موعد مهم. هممت بالمغادرة ولكن المفاجأة أقعدتني. لقد لمحت يدا اصطناعية. اكتمل المشهد ولم يكن أمامي غير أن أصدّق أنه خالد. نظرت إليه في استغراب وكنت أريد ان أطرح عليه أسئلة كثيرة دفعة واحدة: مالذي جاء بك؟ من أذنَ لك بأن تترك أغراضك في بيتي؟ ولكنني تجرأت على قول عبارة واحدة: الطقس شديد البرودة اليوم. دون أن يفكر، وكجنتلمان لي معرفة سابقة به، سألني إن كنت على سفر وهل أسمح له بأن يناولني جاكاته، ولكني رفضت بكل أدب.
بدا جلوسي معه بعد ذلك الطلب في غاية الوقاحة غير أني لم أستطع كبح رغبتي في أن أبقى.. حدثته طويلا، ولكن في سري، حدثته عن ألمي وعن جوعي، وعن أنسي بالبقاء إلى جانبه.. ثم قررت أخيرا أن أتحدث. سألته: هل تأكل (خبز حاف)؟ أجاب بابتسامة لطيفة: نعم. منحته بقية الرغيف وقلت بكل ثقة أنا آسفة، لقد نفد الجبن.. أخذ القطعة وبدأ يحدثني عن حبه للخبز الساخن، عن أمه التي كانت مجدّة في عملها كل يوم. بدا وكأنه يعتذر عن فقري، واسترسل في الحديث.. كان كلامه شاعريا جدا.. حدثني عن القوة في الأوقات الصعبة، عن أنه تعلم أن يكتفيَ بنفسه، حدثني عن جمالي البسيط والملفت. تحدث وكأنه مكلّف برسالة نبوية تخصني وحدي.. في تلك اللحظة أسند رأسه على كتفي ونام للأبد. لم أصرخ. استنجدت بالمارة لينقذوا الرجل الذي بجانبي ولكنّ أحداً لم يأخذ طلب المساعدة مأخذ الجد إلى أن نبهني أحد المارة: “تأخر الوقت يا ابنتي ولا أحد على الكرسي”، عودي إلى المنزل فهذا أوان خروج اللصوص. تركت خالدا على الكرسي وعدت إلى المنزل.
عندما حملني أهلي الذين قدموا في الغد إلى مستشفى الأمراض النفسية بعد أن منعت أختي من لمس أدوات الرسم خاصتها، ومزّقت بدلة الخطوبة الخاصة بأخي؛ لأني ادعيت أنها لرجل اسمه خالد! بدأت أتصرف بغرابة؛ فقد كنت آكل الطعام بكلتا يدي، أكلّم الشجرة المهملة في بهو المستشفى وكأنها صديقتي الوحيدة، كنت أطلب من الأطباء المشرفين أن يشغلوا الموسيقى.. مرت الأيام وتعافيت.. عدت إلى البيت وكان أهلي فرحين بشفائي، لكنهم لم يلاحظوا أنني كنت أبحث طوال الوقت عن أي أثر لخالد. اشتريت أدوات الرسم ثلاثية أحلام مستغانمي، بدلات أعطرها وأعلّقها مدعيةَ أني اشتريها لأبي، فناجين قهوة..
لم يكن أحد قد انتبه إلى أنّ المرض يأكلني في الخفاء، وأنّ ذكرى خالد هي الوحيدة التي تشدني للحياة..