نعيق البوم لهشام بوشامة، رواية نقدية اجتماعية تقع في 216 صفحة، تتمرجع زمنيًا بحقبة التسعينيات (أو ما سمي إعلاميًا بالعشرية السوداء)، ومكانيًا بإحدى القرى الجبلية بالونشريس (سماها الروائي سيدي قاسم)
أولًا: مورفولوجيا النص
اشتملت على أربعة فصول، كل فصل ترويه – أو بالأحرى تتداول على روايته – أربع شخصيات بهذا الترتيب الذي لا يتغير على امتداد الفصول الأربعة للرواية:
– محمد: الابن (غير الشرعي) من علاقة خارج الزواج بين عائشة بنت سليمان وإسماعيل ولد الطاهر.
– زليخة علي الروق: أمام الناس هي ابنة الشيخ (العم الشرعي لمحمد)، وفي الأصل هي بنت منصور الخياط (غير الشرعية) من الطاوس زوجة الشيخ.
– منصور الخياط: الوالد (غير الشرعي) لزليخة من أمها الشرعية الطاوس.
-الطاوس: الزوجة الشرعية للشيخ ولد الطاهر، وأم زليخة من علاقة غير شرعية مع عشيقها (منصور الخياط) بعد ليلة زفافها مباشرة، انتقامًا من تزويجها القسري من الشيخ ولد الطاهر الذي تكرهه، في زواج فرضته قوانين عرشهما (أولاد سيدي قاسم) ومصلحة مادية لأبيها مع عائلة الإقطاعي وعميل فرنسا السابق الطاهر.
وكل شخصية من تلك الشخصيات تكون صاحبة البطولة والصوت الراوي في الجزء المخصص لها في كل فصل من فصول الرواية.
:ثانيًا: موضوع الرواية
يدور حول قصة نمطية رائجة وكثيرة الاستهلاك، خاصة في الدراما، وهي المتعلقة ببطل يبدو في مستهل القصة لقيطًا، ثم يتعرف تدريجيًا إلى أصوله (في الرواية والده)، وعندما يتحقق الاكتشاف تصدر عنه ردة فعل ما (وهو في الرواية قتل عمه الذي قتل أباه الحقيقي)، وعلى هذا الفعل تنتهي القصة.
تبدو الرواية في مختلف فصولها بدون هدف معين، ومشكلة غياب الهدف عن أية شخصية تخرب الحبكة الروائية، وتشتت البناء السردي للرواية، وتصطبغ بلون الحكاية المأثورة.
حتى إن البطل فيها لا يتعرف على والده إلا صدفة، حينما يقرر في نهايتها مغادرة القرية بدون رجعة، وغياب الهدف من مسار البطل الروائي، وعن مسار جميع الشخصيات، هو السبب الرئيس لغياب السردية في هذا النص، ويجعله مجموعة من قصص الشخصيات المتجاورة المجتمعة في نص واحد، وفي فضاء زمكاني واحد.
ثالثًا: علاقة العنوان بالمتن
يتجه عنوان نعيق البوم إلى دلالتين متضادتين في الاتجاه. الأولى دلالة تعيينية، تتحدد بعلاقة العنوان بمستواه المعجمي فهمًا وتفسيرًا، وهي دلالة صفرية؛ لكون النعيق هو صوت البوم، تمامًا كما أن النباح هو صوت الكلاب، والنعيب هو صوت الغربان، والنهيق صوت الحمار، ما يعني أن العنوان هو اسم صوت طائر، في دلالة مباشرة بدهية لا تحمل في ذاتها انزياحًا أو مفارقة أو تركيبًا أسلوبيًا يحمل دلالة مغايرة لتركيبه المعجمي المباشر.
بينما في دلالته الضمنية، التي تتعالق مع المتن، فإننا نجدها دلالة مفتوحة على عدة وقائع سردية مرتبطة بالعنوان، أبرزها: دلالة الخلاء والهجرة من المكان، بوصفها السبيل الوحيد للتحرر من ربقة القيود القبلية والعادات العشائرية الخانقة، التي أزهقت عديد علاقات الحب والزواج: [منصور/ الطاوس] [الشيخ/ عيشة] [محمد/ زليخة] [فتيحة بنت الشيخ/ كمال]، مما جعل قلوب أصحابها محرومة خاوية من الحب.
يقول الطاهر لمنصور الخياط، بعد حرمان هذا الأخير من الزواج بالطاوس بنت عمر الفاكتور: “حتى أصدقك القول، عمر يعرف أنك تريد ابنته، لقد أخبرني (ظاي عمر والد الطاوس) أن العرف يمنعه، عار على عشيرته أن يختلط دمهم مع دم آخر… تعرف يا منصور؛ القسميين وعاداتهم، لا يتزوجون مع الصالحيين، يحسبون إن فعلوا، تخرج فيهم دعوة الولية” (الرواية: ص178)، وهو نفس السبب الذي ضم قلوبًا متنافرة تحت سقف واحد، وأبرزها: [الطاوس/ الحاج]، فصارت قلوب المحبين محرومة وخالية من الحب كبيوت مهجورة من سكانها، ينعق فيها البوم.
وإن كان نعيق البوم مرتبطًا بالخلاء والهجرة، فإن دواعيه عديدة للفرار من القرية، وعلى رأسها: الموت الذي يفرغ البيوت من أهلها، ويشتت من بقي منهم. ويكفي أن الموت في الرواية مرتبط زمنيًا بالعشرية السوداء، ومكانيًا بالقرى النائية التي تفتقد الحماية، والتي بقيت فريسة سهلة بين براثن القتلة. فمن لم يمت ذبحًا على يدي الإرهـاب (عائلة عيشة)، مات بالصدمة (زليخة أخت الطاوس) و(والدة الطاوس)، أو الأمراض الخبيثة، أو السقوط في الآبار.
ومن نجا من كل ذلك لم يجد من حلٍ أمامه سوى هجرة القرية الملعونة هربًا من قوانينها (عائلة عمر الفاكتور)، أو فضل الحرقة والموت في البحر على البقاء (كمال)، أو فضل الخروج حتى إلى السجن المؤبد (محمد) وتنفتح الرواية على مزيد من الخلاء للبيوت والقلوب، التي كلما فرغ قلب أو بيت منها إلا وحل محله النداء الخالد للخلاء، وهو نعيق البوم، الذي تبدأ الرواية به (موت حليمة مربية محمد اللقيط) وتنتهي به (جر محمد إلى السجن بعدما قتل الشيخ حين علم أنه هو من قتل أباه، وأن الشيخ لم يكن سوى عمه الحقيقي)، ليبقى بيت بطل الرواية محمد خاليًا كما خلت من قبله بيوت عديدة.
رابعًا/ الفضاء الزمكاني وتفجير الصراع
زمنيًا تدور أهم أحداث الرواية في العشرية السوداء، وتحديدًا بعد 1994، لكنها تعود في استرجاعات كثيرة إلى زمن الثورة لتأصيل التاريخ النضالي أو تاريخ خيانة الوطن لبعض الشخصيات. لكن الزمن الأكثر توظيفًا في الرواية هو زمن الشخصيات؛ وذلك أن الشخصيات الأربع (محمد، منصور، زليخة، والطاوس) كانت هي الشخصيات الساردة التي تقاسمت لسان الراوي في الفصول الأربعة للرواية، وكانت كلها تسرد بضمير المتكلم، الذي يمد زمن الشخصية بروافد عدة، أبرزها تيار الوعي والحوار الباطني والمناجاة وأزمنة الاسترجاع والذاكرة.
أما المكان فكانت إحدى قرى جبال الونشريس، وتسمى سيدي قاسم، وهو وليها الصالح، الذي يحتكم العرف إلى عدم اختلاط دماء أبنائه بدماء غيرهم، مع أن الإرهـاب قد عبث بدمائهم ولم يكتف بمزجها. وتحت تأثير عامل التفرقة العرفية وقوانين العرش (التي مزقت علاقات الحب وأحلت محلها زيجات متنافرة)، وعامل التفرقة الجرائمية للإرهـاب، الذي صار ذريعة للانتقام والاختفاء الغامض لبعض السكان، تغرق القرية في علاقات الخيانة والدسيسة والثأر والتقاتل السري والحقد العرقي وتصفية الحسابات التاريخية والاجتماعية، مما جعل العاملين الزماني والمكاني، وجمود القوانين العرفية، يفجران صراعات فتكت بكل العلاقات، وفضحت التماسك الطاهر للعرش الذي كان يخفي تمزقًا وتفسخًا في جسد المجتمع لا يمكن تطبيبه، فأنتج ذلك أولادًا غير شرعيين في كل بيت، تنفجر فضائحهم كل يوم، وجرائم قتل وتصفيات داخل الأسرة الواحدة: (تصفية الشيخ لأخيه بسبب حبهما لعائشة)، (تصفية محمد للشيخ انتقامًا لأبيه إسماعيل)، (انتحار عائشة أم محمد لنفس السبب)، قتال منصور مع الحاج لحقد عرقي وآخر عاطفي بسبب الطاوس، زنا منصور بالطاوس برغبة منها انتقامًا لتزويجها العرفي بالشيخ، الذي أنجبت في بيته ابنة غير شرعية (زليخة) إلى ما لا نهاية من فضائح مجتمع مغلق يعتقد ويتظاهر بتمسكه بالتقاليد وسيادة العرف.
خامسًا: المنظور السردي والتبئير
في توزيع المنظور السردي على الشخصيات الساردة الأربع في كل فصل، نجد عدة مواضع تكرارية لنفس الأحداث المسرودة والموصوفة، حين ينتقل لسان السارد من شخصية إلى أخرى.
وما جعل الكاتب يقع في هذا التكرار والاجترار للمشاهد هو عدم وجود بنية التبئير السردي، التي تفترض أن يبدأ كل سارد في ملء مساحة رؤيته انطلاقًا مما انتهى إليه غيره من الرواة، وأن يطلق سرده من الزاوية المفرغة التي لم يشر إليها سابقوه من الرواة، وليس من زاوية مملوءة مسبقًا، وهو ما حصل في الرواية خاصة بين ما ترويه الطاوس وما يرويه منصور، اللذين كانت مقاطعهما المسرودة صورة طبق الأصل، جعلت السرد في مساحتيهما السرديتين يدور في حلقة مفرغة، ويكرران المكرر عن بعضهما؛ وكمثال على ذلك حادثة اعتراض الحافلة التي كانا يستقلانها من طرف حاجز مزيف، تسردها علينا الطاوس في الفصل الأول ثم يكررها منصور في الفصل الثاني، وهو ما أصاب الرواية في كثير من فصولها بالحشو المشهدي الزائد والضار بالحبكة وتطور الحدث.
حين يتغير منظور السرد بين الشخصيات الراوية الأربع في الرواية لا نشعر بأي تغير أو تفاوت في المستوى الثقافي للسان الذي يخاطبنا، وهذا من الناحية الفنية يعد غيابًا لثقافة النص، وذلك بأن جميع الرواة، على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية، ينطقون بنفس اللسان، ونفس الأسلوب السردي، ونفس المستوى الثقافي الذي لم يستطع الكاتب أن يحدث فيه أي تفاوت يجعل مستوى المرأة الماكثة بالبيت (الطاوس) يختلف، حتى بالنسبة إلى الجيل (الستينيات أو السبعينيات)، عن جيل ابنتها (زليخة المنتمية لجيل التسعينيات) التي تتجول بالحافلة وتتسوق وتجول في فضاء أكثر اتساعًا، أو يجعل خياط القرية (منصور) المنتمي لجيل الستينيات أو السبعينيات يختلف عن الشاب العشريني (محمد) المنتمي لجيل التسعينيات، وكأن ساعة الزمن والجيل قد توقفت بينهم وصار للجميع لسان واحد، وثقافة واحدة، وأسلوب سرد واحد.
وهذا يعني أمرًا واحدًا، أن اللسان السارد المشترك بين شخصيات متعددة الأجيال والثقافات ما هو إلا لسان الكاتب، وثقافة الكاتب، وسرد الكاتب، الذي لم يستطع تنويع السرد المتفاوت ثقافيًا وجيليًا وتوزيعه وفق مستوى وجيل كل شخصية ساردة من شخصياته الأربع المتفاوتة في كل ذلك.
ملاحظات
– بالنسبة إلى الفكرة والموضوع، تنقد الرواية بشدة مآلات المجتمعات المنغلقة والمنافقة؛ منغلقة خارجيًا مجمدة في علاقاتها تحت ذريعة الأمن الاجتماعي والنقاء العرقي تحت حراسة العادات والتقاليد الموروثة، لكنها في الوقت نفسه منخورة داخليًا بكل العاهات التي تدعي الحماية منها بسبب نفس العادات والأعراف التي صارت تعمل عملًا عكسيًا، بالخيانات الزوجية التي فرق فيها العرف القلوب المتحابة عن الاجتماع تحت أسقف مشروعة، فتساكنت في علاقات محظورة، وتحت أسقف الرذيلة.
– نتج عن هذه العلاقات جيل غير شرعي، تبدو كل العائلات مخدوعة في نسلها، ويعيشون جاهلين بحقيقة أبنائهم، فلا يدري الآباء والأمهات من هم أبناؤهم في المجتمع المغلق بتقاليد المنع والحجب والتحريم العرقي، لكنهم يعيشون حياة سوية في الظاهر، ومعتلة في الباطن، من زواج محارم في عمق المجتمع المحتفي بالمظاهر والذي حرم المباح وانغمس في المحظور (والرواية تشير إلى هذا الهاجس بقوة)، كما تغرق القرية في جرائم قتل وتصفيات واغتصاب وزنا، كوارث خفية في جنح المسكوت عنه، لكن في النهار تسير الأمور بشكل عادي وتوافق بين الجميع.
يسير المجتمع بأسره تحت سلطات وهمية، ينكشف زيفها حينما يتعلق الأمر بالمصالح الشخصية [السلطة الرمزية للولي سيدي قاسم، هرم الأولياء وصاحب البلدة، لكن سطوته يستغلها الأقوياء والأغنياء لإضفاء الشرعية على مشاريعهم المشبوهة، ويتم الاقتصاص بها من الضعفاء لقهرهم وسحقهم]
بالنسبة إلى الحبكة، لم تسمح هيمنة الأسلوب الوحيد للكاتب المهيمن على مختلف الشخصيات الراوية التي تطابقت في المستوى الثقافي وأسلوب الحكي والمرجعية المعرفية، بتطوير الحدث، فصارت معظم الفصول تدور حول نفسها، وصارت الرواية كلها كتلة راكدة لا تتطور ولا تتحرك إلا داخليًا (داخل نفسيات الشخصيات)، مما فصم محتواها إلى قسمين لا علاقة بينهما: (عالم أفكار واكتشافات داخلية) و(عالم تصرفات وأفعال خارجية)
فما تكتشفه الشخصيات باطنيًا ونفسيًا لا علاقة له بما تفعله خارجيًا انطلاقًا من شعورها واكتشافها ذاك، فيبقى فعل أية شخصية انطلاقًا من عالمها الداخلي غير مبرر ولا منطقي بالنسبة إلى غيرها في العالم الخارجي، مما جعلنا أمام رواية فصامية في حد ذاتها، أو لنقل روايتين متجاورتين: (رواية الأفكار والعوالم الداخلية) و(رواية الأفعال والعوالم الخارجية)، ولا توجد أية علاقة أو جسر يربط بينهما على مستوى الحبكة والحدث.
يتأخر الكاتب كثيرًا في تقديم شخصياته الرئيسة، ما يشتت انتباه القارئ ويضيع من بين يديه تتبع الحبل السردي، فنحن لا نتعرف إلى البطل (محمد) الذي يكلمنا إلا بعد 12 صفحة، ولا نعرف عمره إلا بعد 37 صفحة، ولا نتعرف إلى تفاصيل المكان الذي تدور فيه الأحداث إلا بعد 40 صفحة، مما يعرقل عجلة متابعة القارئ لمجريات الأحداث في هذه الرواية.
نقطة قوة الرواية هي القدرة الفائقة على الغوص في التفاصيل والتعاريج التفصيلية، سردًا ووصفًا، والتي يتمكن بها الروائي من شد انتباه وفضول القارئ.
وهذا راجع بوضوح إلى ثقافة المؤلف الواسعة، وتمكنه من المرجعيات الثقافية والمعرفية التي ينهل منها، وإلى سعة اطلاعه وقراءته المكثفة لفن الرواية الذي يمارس الكتابة فيه، وهو سر ثراء الخزانة المعرفية لهذا النص، والذي يمكن للقارئ أن يلمسه مع أول مصافحة.
هشام بوشامة: رواية نعيق البوم، دار وهج للإعلام والثقافة والفنون، الجزائر، ط1، 2023.
تحرير د. سماح المزين